زمن "الفرّاشة"

الخميس 4 فبراير 2016
المصطفى الإسماعيلي
0 تعليق

AHDATH.INFO  خاص

أقراص الديفيدي تنبطح أرضا أو يلف بها الباعة المتجولون على المقاهي و المارة. إنه زمن " الفرّاشة" الذين يفترشون الأرض محلات للبيع. و هم لا يأبهون إن تضررت الفلاحة و معها الإقتصاد لعدم هطول الأمطار. فإن لم يبيعوا المظلات سيبيعوا النظارات الشمسية.

كان "الفرّاشة" موسميين فصاروا قارين، تجدهم في الفن كما تجدهم في السياسة. يبيعون سلعتهم في واضح النهار و بلا ضريبة.و مع ذلك تبقى الفرّاشة أقدم مبادرة للتتشغيل الذاتي في الوطن. هكذا قد ترى فيما يراه النائم سينمائيا يفترش سيناريوهات أفلامه أمام المركز السينمائي المغربي، يبيعها بثمن بخس لمتعهدي الإنتاج السينمائي كل حسب حاجياته و لم تميل كفته: الفيلم العائلي أو فيلم الطريق. يتأبط المنتجون المنفدون السيناريوهات و يسجلونها بإسم شركاتهم  في السجل العمومي فتصير ملكا لهم حسب شهادة السجل، و يقدمونها لطلب الدعم. و ما أن يحصل السيناريو على الدعم حتى يشتري المنتج، الذي كان "بيّاع و شراي" من ممتهني الفرّاشة و استمر على العهد مغيرا فقط نوع السلعة و الخدمات، سيارة من نوع الكات كات و يضع في فمه سسجارا كوبيا، حتى يصعب معه تفسير ما يقوله متقطعا كالذبذبات.

صاحب فرّاشة الإنتاج يعيت في الدنيا فسادا و يرمي الفتات لصاحب السيناريو و مخرج الفيلم و يضع الأموال تحت صفيحة زليج دون أن يفكر حتى في تشييد مقر لشركته، فهو مدمن فرّاشة. و هكذا يحط الرحال في فرش جديد و يقتني سيناريوهات جديدة يقامر بها مع لجنة القراءة حتى يحصل واحدها على الدعم. يضع وديعة في البنك كضمانة لموارده المادية و يطلب من زجال قديم أن يحيك له ثوبا مرقعا من النكت المسترسلة ممتدا على حلقات متوالية، فيدخل في درب السباق على إنتاج السيتكوم ضمن طلبات عروض التلفزة. يرفض له المشروع و حجة التلفزة في ذلك أن شركته لا تتوفر على ما يكفي من إمكانيات مادية و تقنية و بشرية تكفيها لتنفيد المشروع. فتثور ثائرة صديقنا المنتج المنفذ أو متعهد الإنتاج أو ممون الإنتاج أي "تريتور" السينما و التلفزة، و يؤسس جمعية للمهنيين تحاول شرح الخلل في دفاتر التحملات الخاصة بالتلفزة.

 و يصرخ في عشرات الندوات و عشرات الوقفات يكسر فيها التلفزة و الكاميرات. و يصرخ في عشرات الإستجوابات، إلى أن يتصل به "فاعل خير" من داخل التلفزيون يشير عليه أن يبدأ بكبسولات فكاهية قد تنال حظها من الإختيار. و بالفعل هذا ما يكون، يدخل باب التلفزيون عن طريق الكبسولات و لايخرج منه أبدا لأن التقارير المرفوعة تتبث ألا ممثلا أو تفنيا إشتكى من جودة الأكل خلال تصوير أشرف على إنتاجه صديقنا المتعهد، و لا يهم إن إحتج المتفرجون على ما يقدمه من حريرة في كل موسم تلفزي. بعد أن اقتنى الكات كات إبتدع الأعرابي وسيلة لتأتيث منزله بشراء قطع الأثاث و فوترتها ضمن ديكور السيتكومات. و صارت له ضيعة يربي فيها قطيع السيناريست والممثلين و التقنيين. و مقهى أهداها برمتها و عائداتها ل"فاعل الخير" الذي كان سببه الأول في الدخول إلى التلفزيون. أمام غطرسة المنتج المنفد يجد التقني و الممثل نفسهما في عطالة أمام فرّاشة الخدمات الفنية أو "مُوقف" المشخصين و "مُوقف" التقنيين. و إذا كان للتقنيين حد أدنى للأجور – و إن كان لا يحترم- و بطاقة مهنية مهنية تصنفهم، فإن الممثلين يهيمون في واد لا وضوح لمعالمه. كل من جلس في المقهى مع مخرج أو من جالسته، يمكنه أن يصير ممثلا أو ممثلة.

و لمن درسوا في المعهد أن يتخصصوا في المسرح ليقدموا بضع عروض مدعمة في دور الثقافة أو في الشارع العام، أما السينما و التلفزة فلها شأن آخر. و لأن ليس هناك قانون ينضم مهنة إسمها التشخيص و الأداء و لأن قانون الفنان جاء فضفاضا في الصيغة الأولى، يستغل بعض الموظفين و الحزبيين وقتهم الثالث لإجراء تعديل على قانون الفنان يخول لهم الحق في تقاضي أجور إضافية مع أجراء الأعمال الفنية وطلب دعم الدولة الذي تكفل بطاقة الفنان حق الأسبقية في طلبه.

هل سيخرجنا هذا التعديل القانوني الجديد من اللخبطة القائمة بين العمل الجمعوي و الإحتراف و الهواية أم سيزيد من حدتها في بلد سبقت فيه النقابة المهنة و التأمين عن حوادث الشغل، الشغل نفسه.؟ هذه بعض مشاهد من زمن الفرّاشة و لكم أن تستمتعوا بتطبيق النماذج المذكورة على قطاعات أخرى، و ما خفي كان أعظم.

أيوب العياسي

تعليقات الزوّار (0)