فصل آخر من مسرحية العبث...

الخميس 5 مايو 2016
عصام كرامة
0 تعليق

AHDATH.INFO  خاص بقلم ​سعيد الشطبي

اعتدنا من السيد رئيس الحكومة كلاما كثيرا، منه ما يخرج، أحيانا، عن جادة  المعهود والسليم. قال أشياء كثيرة اعتبرها البعض شعبوية واعتبرها البعض الآخر كلاما في الصميم ولم يعرها بعض ثالث كثير اهتمام. ورد في كلامه الكثير من التشبيهات. لكن مع تكرر الحالات وتعدد الخرجات، يكون السيد ابن كيران قد رسم أمامنا صورته التي بدا أنها ليست بالبسيطة، بل هي مركبة إلى حد بعيد. وبدا أنه يوظف الكثير من هذا التركيب في إغاظة الخصوم السياسيين تارة، وفي الهروب من المسؤوليات تارات أخرى...

 ما جاء على لسان السيد رئيس الحكومة في عيد العمال أثار وما يزال الكثير من رد الفعل. تحدث عن قضية قائد الدروة ومي فتيحة التي ماتت متأثرة بجراحها بعد أن أضرمت النار في نفسها احتجاجا على "الحكرة" ضد قائد، ممثل للسلطة. وفي البرلمان، كان لابد  من أن يثير كلامه احتجاج الفرق المعارضة، التي اتفقت تدخلاتها على  التنديد بكون رئيس الحكومة يستغل قضية معروضة أمام القضاء لمآرب سياسية. التدخلات كانت عنيفة والردود كانت أعنف أحيانا. وفي نهاية المطاف، نجدنا، نحن المساكين، نتفرج على مشهد برلماني عبثي وبهلواني يسعى كل ممثل فيه إلى أن يبدو بالأداء العالي المطلوب من حزبه على حساب أشياء انتظرنا طويلا أن تتحقق، إلا أنها ما تزال في حكم غير الممكن حتى الآن. شخصيا، استغربت كلام السيد ابن كيران ليس لأنني وجدت فيه محاولة للركوب على القضية واستغلالها سياسيا، بل لأنني وجدتُني غير قادر على فك هذا الطلسم المخطوط أمامي... لم أستطع أن أفهم كيف لرئيس حكومة أن ينتقد وضعا وحالة قضائية يراها غير سليمة وهو المسؤول الأول عن حكومة تنتمي إليها الأطراف المعنية في القضية، لا بل إنه بات – أحب أو كره- جزء من منظومة معيبة له جزء من المسؤولية فيها! ألا يدرك السيد رئيس الحكومة أن في هكذا موقف الكثير من الغرابة التي قد تسيء لنفسه هو قبل الخصوم؟ ألا يدرك أنه بهكذا موقف يقر بعجزه وباختيار الهروب إلى الأمام كحل لوضع غير سليم البتة؟ حين تهاجم الفرق البرلمانية المعارضة السيد رئيس الحكومة فهي على صواب لأنه وضع نفسه في موقف يفتقد اللباقة السياسية الواجبة التي يفترض أن تبعده عن شبهة التوظيف السياسي لحوادث اجتماعية مثل تلك التي هزت الرأي العام في القنيطرة وفي الدروة. إن في النازلة الكثير من العبث السياسي الذي تتنافس الأطراف السياسية في بلادنا على الفوز فيه مع اقتراب الموعد الانتخابي إياه. أما الدفع بأن السيد ابن كيران حين كان يتكلم في تجمعه الخطابي، إنما كان يتكلم باعتباره أمينا عاما لحزبه، فهذا كلام مردود عليه ولا يستقيم ابدا مهما حاولنا تكييف زاوية النظر. تبرير مثل هذا يمكن تقبله في حال تعلق الأمر بشخص لا يتحمل مسؤولية حكومية مرموقة تلزمه بعديد أشياء وإن من باب "الأخلاق السياسية"، وإلا سنكون- في هذه الحال- إزاء بدعة – باللغة التي يطيب لأهل ابن كيران الحديث بها- سياسية شاذة.

لكن ليس رئيس الحكومة هو الوحيد الذي يبدو وضعه غريبا وعبثيا في الذي حدث. مهاجموه لم يكونوا أبعد منه عن التهمة التي حاكموه بها. أن تتهم الآخر بالتوظيف السياسي لقضية اجتماعية يعني أنك الآخر حريص على هذا التوظيف وإن كنت تتبرأ منه ظاهريا. في النهاية، الجميع يسعون إلى غاية وحيدة. هذا التراشق الحاد والهجوم والهجوم المضاد والحديث باسم كثلة ناخبة ما يزال أغلبها يقاوم العوز اليومي ومحاولة استغلال قضايا المجتمع لأغراض انتخابية... كلها أشياء تبدو كالوجبة التي لا طعم لها، التي تعرض علينا للازدراد بلا شهية.

وبالعودة إلى ما قاله رئيس حكومتنا نلمس أن فيه إحالة – مرة أخرى- على ما بات يعرف في قاموسه وقاموس أصحابه بـ "التحكم"، غير أن التحكم في هذه الحال لا يعني حزبا بل جهات منفلتة من مداره الحكومي. وقد كان هذا الأمر جزء من التدخلات المنتقدة للسيد رئيس الحكومة في ملاسنات أول أمس البرلمانية والتي يمكن تلخيصها في سؤال يمكن صياغته كالتالي: كيف ينتقد رئيس الحكومة أداء أمنيا- قضائيا وهو المسؤول عن كل ما يروج في وزاراته وما يصدر عن وزراءه؟ أو: كيف لوزير الداخلية أن يتدخل لتوجيه رسائل تصحيحية لما صدر عن رئيس الحكومة من كلام (أنا هنا لا أفرق عمدا بين صفتيْه الحزبية والحكومية، لأنني لا أعتقد بصواب هذا التفريق) ويدافع عن رجال السلطة التابعين لوزارة يفترض أن تكون تحت مسؤولية رئيس الحكومة؟ مرة أخرى، يرتسم أمام المواطن التي تجري أمامه فصول مشهد من مشاهد التدبير السياسي المغربي بعدٌ آخر من أبعاد تلك الصورة التي يتعاظم حجمها بتعاظم "اجتهاداتنا" السياسية التي تنضاف إلى مكونات استثنائنا المغربي. أقول هذا وأنا أستحضر قول السيدة ميلودة حازب في مجلس النواب: "بغاوا يضحكوا على المغاربة وبغاوا يستبلدوهم... والمغاربة فاقوا وعاقوا..."  في إشارة إلى البيجيديين وأتساءل: هل فعلا فطن المغاربة أم تراهم أشاحوا بوجههم عن المشهد إياه حتى تنتهي فصول المسرحية؟

تعليقات الزوّار (0)