محمد المليحي: كان همنا تحرير المغرب من سلطة التقليد بالثقافة والفن

الثلاثاء 17 ماي 2016
المصطفى الإسماعيلي
0 تعليق

AHDATH.INFO خاص - حاورته: زكية الصفريوي / ترجمة: سعيد بوخليط

* ما الذي اهتدى بكم إلى المشاركة في مجلة أنفاس ؟

** كنت شيئا ما رافضا للنظام الاجتماعي، وفي نفس الآن اتسم طبعي بكوني هادئا جدا… لقد ارتبطت كثيرا بجماعات شبابية، تنتمي إلى تيارات تقدمية أو بالأحرى يسارية. إسبانيا لازالت تعيش وقتها تحت سلطة نظام فرانكو، وفي إيطاليا، حيث تحدد توجهي بشكل حاسم، كان الشيوعيون هناك الأكثر ليبرالية وصلابة كذلك. في إيطاليا، وقفت على نوع من الألفة المتعددة الاختصاصات: التشكيليون، الشعراء، الكتاب، المهندسون، بحيث نسجوا بينهم اتصالا مستمرا على مستوى معين. هذا مرده إلى طبيعة الحياة الايطالية، الاجتماعية جدا والمتكلمة جدا… هناك، أدركت بأن الفن المتعلق بالفن التصويري، ليس فقط مجرد تشكيل، لكنه توجه يتلاقى مع أخرى. يشارك المهندسون، الفنانون التشكيليون والآخرون مع الشعراء، الذين يتقاسمون بدورهم الطرح مع رجال المسرح. كل هذه الحركة، دعمتها دائما إصدارات ومجلات، فتوجه باستمرار اهتمامي نحو ذلك، بل ساهمت مع صديق إيطالي، كان يصدر مجلة ثم مع فنانة من الشيلي. ولكي أواصل مراكمة، معارفي على مستوى ميدان الفنون البصرية والتشكيلية، أعود دائما إلى المجلات، فأتابع كثيرا مثلا مجلة: "الفن العالمي ". مجلة مهمة، كانت تصدر في زوريخ، متضمنة مقالات بالانجليزية والفرنسية والايطالية، وقد ساهمت بدوري. كما أن الرواق الذي كنت أعرض فيه، يرتكز جدا على هذه المجلة. أشير في ذات السياق، إلى مجلة ''الهندسة اليوم''، التي تمنح حيزا للفن والهندسة. لا تحضرني حاليا، عناوين مجلات عديدة، تصدر في فرنسا وإنجلترا وأمريكا. هكذا، امتلكت أصلا خلفية في ميدان النشر، وحلمت بالمشاركة خلال يوم من الأيام، في إخراج مجلة إلى الوجود. بعد هذا المسار- يعتبر مرحلة تذوق، لأني لم أبق قط من البداية حتى النهاية، كي أحصل على مجرد دبلوم وكذا معرفة سأوظفها فيما بعد مهنيا- كنت حقا على عجلة للعودة إلى المغرب. بل جميع أفراد جيلي، سكنتهم بإلحاح رغبة الرجوع، كي نفيد بلدنا من تجربتنا. سنوات 1950 و1960، وإلى غاية سنوات 1970، تطلعت جل الأطر المغربية للرجوع إلى المغرب، بهدف إعادة تقويم الأشياء، بحيث لم تكن واردة فكرة الهجرة، والمغاربة الذين شدوا الرحيل صوب الضفة الأخرى، هم الطبقة العاملة والمهنيين، أما الفئة المثقفة والعلمية، فقد رجعت. فيما يخصني، أتيحت لي فرص فنية جيدة، سواء في إيطاليا أو الولايات المتحدة الأمريكية، التي قضيت فيها عامين، وكنت على اتصال مستمر مع الصحافيين وكذا أفراد يشرفون على مجلات وكتّاب، مع اهتمام مجموعة من الأروقة بأعمالي، غير أني تركت مختلف ذلك، وعدت إلى المغرب سنة 1964. شهر أكتوبر، قصدت وجهة مدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء. خمسة أشهر، بعد ذلك، أقمت معرضا بباب الرواح في الرباط، الذي مثّل المعرض-النقلة النوعية، ويمكنه أن ينعت بلحظة تاريخية. خلال ذلك المعرض، تقاربت وعبد اللطيف اللعبي. كان موقفا طريفا، لأن اللعبي لم يكن وقتها عارفا بهذا المجال، وجاءت مضامين لوحاتي على نحو صريح جدا، تقريبا اختزالية. بيد أنه توجه إلي، وليس باعتباري كاليغرافيا، خلال تلك الفترة لا فنان يمارس الكاليغرافيا، وأنا مارست التجربة، في أمريكا وإيطاليا. قال لي: (سأصدر مجلة، هل يمكنك أن ترسم لي الغلاف؟). عندما وردت إلى أذني كلمة ''مجلة''، أرخيت السمع! أجبت: (نعم، هذا يهمني، بالتالي لا تسدد لي ثمن أي شيء، أنا على استعداد للتعاون معكم في تحقيق هذا المشروع). بالفعل أنجزت الغلاف، وأصبحنا أصدقاء. بعدها، اكتشف درايتي بفن الخط: ضبط قياس النصوص، وتنضيد الصفحات وتركيبها. هكذا، غدوت إذن كاليغرافي المجلة، منذ عددها الأول. كسوف الشمس، ثم بخار يتكاثف عندما تقف خلف زجاج نافذة وتتنفس، لأن أنفاس هي النّفس… هنا، بدأت في التعاون مع الفريق: مصطفى نيسابوري وعبد اللطيف اللعبي. اشتغلنا نحن الثلاثة على المجلة، إلى جانب تعاون خير الدين المستقر وقتها في فرنسا، والذي شاركنا التأسيس.

* لقد درّستم في مدرسة الفنون الجميلة بالدارالبيضاء مع طوني ماريني وبيرت فلينت…      

 ** طوني ماريني  رفيقتي، ثم تزوجنا بعد ذلك، هنا في المغرب. كان لها إسهام مهم جدا، لذلك ارتكز اقتراننا من منطلق أفكار ثقافية وفنية. أنجزنا عملا يقصد اقتراح قراءة جديدة للفنون التشكيلية في المغرب، سواء بالممارسة على أرض الواقع، داخل مدرسة الفنون في الدار البيضاء، وفي معارض أخرى خارج الأروقة والمغرب، ثم مهرجان أصيلة، بالنسبة لقطاع الفنون التشكيلية (أوراش الأطفال،إلخ). إذن، اشتغلنا فيما يشبه داخل ورش، نعيش وسطه بالتبادل، من لدن هذا الطرف أو ذاك. لقد أصبحت طوني صاحبة سطوة بخصوص مادة الفن. درّست بمدرسة الفنون الجميلة، طيلة سنة، قبل أن يدمجها بيرت فلينت Flint .كنت المدير البيداغوجي للمدرسة، وبلكاهية مديرا إداريا. وضعنا بجانب فلينت وطوني ماريني، مفهوما للثقافة وكذا تدريس الفن في المغرب، مستلهمين فنونا شعبية. تعرفت على فلينت، حينما كان يواصل دراساته عن الآداب الاسباني في مدريد. ثم، لحق بي. انصب نشاطي في مدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء، ليس فقط على تدريس الفن، بل كذلك على نوع من السلوك الجديد نحو الثقافة عموما. لحظة استقلال المغرب، شرع الأوروبيون والمغاربة، يتعايشون ويتقاسمون بعض الموضوعات ضمنها الفن عموما. لكن، وقتها كان للتطبيق الفني مظهرا مسيحيا أكثر، وليس فولكلوريا إلا على نحو ضئيل: نثمن في المغرب، كل فن يحيل على وضعية بلد غير مصنع، وغير أوروبي، لازالت تحتويه بعد، قيم قديمة وتقاليد. هكذا، تمركز الاهتمام بالفن على التشكيل الساذج، وفي الأدب اقتصر الأمر على قصيدة المتعة، إلخ. عندما رجعت من الولايات المتحدة،كنت الوحيد ضمن المجموعة الذي أفصح عن موقفه الرافض، والدعوة إلى مسار عقلاني وعلمي.

* لقد أكد اللعبي ونيسابوري على نفس التحليل فيما يتعلق بالأدب…

** بالضبط. ماذا يمكن أن نفعل لهذا البلد، كي يقلع ويتحرر من سلطة التقليد، أشياء هادئة، تبعث على الانشراح ولا تتدخل، في وضعية البلد السوسيو-سياسية؟ الفن، خطاب بإمكانه قول الشيء الكثير، حول الوضعية السوسيو-سياسية. تلك، هي الفكرة الكبيرة، وما علينا سوى الاشتغال عليها.

* كيف هيأتم المجلة ؟

** انعقدت جلسات من أجل تحضير الأعداد. كنت دائما عنصرا منظِّما، منكبا على الجانب الجمالي، المتعلق بصناعة المجلة وكذا جانب من توجهها. غير الأدب يقينا، كنت عنصرا حاسما، بخصوص مساهمة الفنون في موضوعات المجلة. يلزم، أن يكون المرتكز أدبيا، تحليليا، لكن يلازمه التسلية، كي نظهر للقارئ المغربي شكلا جديدا للفن، يقتضي تفاعلا مغايرا. بعد معرضي في باب الرواح شهر أبريل سنة 1965، نظمت برفقة شبعة وبلكاهية شهر ماي، معرضا- بيانا عاما، بمسرح محمد الخامس. شبعة، صديق قديم، بينما بلكاهية المدير الجديد، فقد تعرفت عليه آنذاك حديثا. لقد أقنعتهما، أن اللوحة بمثابة فضاء، يعكس وينقل رسالة ما، لذلك لا ينبغي النظر إليها كمجرد شيء أو منتوج للتأثيث يلزمنا باقتنائه، فهناك حمولة ثانية خلف السعر. لقد عرضنا إذن، أعمالا غير ممضاة ودون قائمة بالأثمنة، لم يكن هدفنا البيع، بل خلق سجال مع الجمهور حول الثقافة، لذلك يعتبر معرضا– بيانا. لقد أصبح اللعبي شريكا، في هذه الحركة المنبثقة من مدرسة الفنون الجميلة في الدار البيضاء، والتي خلقتها نتيجة ما قمت به من دور، في انضمام بلكاهية وشبعة. كنت ونيسابوري،ن قطن الدار البيضاء، لذلك التقينا على الدوام، أما اللعبي فكانت له بالأحرى لقاءات بالرباط مع سينمائيين وشعراء… من هنا، جاءت فكرة الاشتغال على ملفات، بحيث تضمن كل عدد ملفا حول مجال بعينه: السينما، الأدب، الفنون التشكيلية، ثم بعد ذلك أنجزنا عددا حول فلسطين… بدأت المجلة تعمل وفق برنامج المجالات، ثم أبانت عن خطاب آخر. توجه جديد، أثار انتباه الجميع: الغربيين، المغاربة، ثم الفرانكفونيين خاصة، لأنها صدرت باللغة الفرنسية، فأضحت أنفاس موضوع حديث الساعة، ليس فقط بالشعر والتشكيل، بل طريقة تقديمهما. في غضون ذلك، وقع شيء سيشكل فيما بعد، نهاية لمشروع أنفاس: لقد جذبت اهتمام مختلف التشكيلات السياسية. وفي اللحظة التي دشن فيها اللعبي انطلاقة المجلة، لم يكن له أي انتماء سياسي. أنا، كانت لدي علاقات خارج المغرب، ذات طابع إيديولوجي، لاسيما في إيطاليا مع شباب ماركسي. لقد عشت هناك، ضمن وسط محيط ألبيرتو مورافيا، ثم أصبحنا أصهارا، لأن زوجته أخت شقيقة لزوجتي طوني ماريني.

* كيف لاحظتم تطور أنفاس ؟

** فيما بعد، اقتُحم اللعبي من طرف صقور؟ فتوسع فريق أنفاس، بحيث توخى وقتها الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الجناح اليساري لحزب الاستقلال، وكذا الحزب الشيوعي استغلال أنفاس، مما دفعنا إلى تأسيس جمعية البحث الثقافي، التي لم تستمر طويلا بحيث عرفت تصدعا جراء التباعد السياسي بين الأحزاب. لقد دبّجنا نص ميثاقها في منزلي بالدار البيضاء، فكانت الخطوة بمثابة مجازفة، لأن الاجتماع ضم أشخاصا ينتمون إلى مرجعيات سياسية مختلفة، بالتالي كان بوسع أجهزة السلطة إلقاء القبض علينا. ما ميز المغرب، على الأقل في البداية، أن مقرات السكن الشخصية، حظيت بالتوقير. إذن، لم تستمر جمعية البحث الثقافي، سوى سنة أو سنتين. إذن، تطلعت أطماع الأحزاب السياسية، نحو وضع أياديها على أنفاس، فانحازت الأخيرة أكثر جهة الخط الماركسي، بدل يسار وطني. تلزم الإشارة، إلى طبيعة الظرفية السياسية الدولية: حرب فيتنام في أوجها، حرب فلسطين، مخطط روجرز وما ترتب عنه من تغيرات على مستوى الخريطة الجيوبوليتيكية الدولية، مما أدى إلى انشقاق في صفوف الأحزاب الشيوعية للعالم العربي. مشروع أقره الاتحاد السوفياتي، بينما الجميع ظن أن موسكو هي القوة الوحيدة التي ينبغي الاعتماد عليها، وستتدخل من أجل تقديم يد العون بكل ما لديها. موقف، أجبر العديدين على الانسحاب، من صفوف الحزب الشيوعي، أو توجهوا أكثر نحو يسار لم يعد يمتثل لشيوعية السوفيات. اتخذ اللعبي ذات المسلك، ورويدا رويدا، ازدادت سرعة الوقائع، حتى انتهى الأمر إلى حركة الجبهويين. اقتنع اللعبي، بأن المطلوب المستعجل، يقتضي العمل والسعي في إطار الحقلين السياسي والاجتماعي. كانت رؤية الحزب الشيوعي، خلال تلك الفترة، الذي اشتغل على نحو دؤوب في البوادي، وواجهته مشاكل جمة. رؤية، مناضليه الأكثر وزنا، مثل إسماعيل العلوي، لكن بالأخص عزيز بلال منظِّر الحزب. عقدنا، اجتماعا كبيرا في الرباط، عند زعيم سياسي لحزب الاستقلال، عُرف بانفتاحه. اقترح علينا عزيز بلال، تأسيس لجنة فيتنام- فلسطين، بمعنى الجمع بين القضيتين. تبلورت المواقف، لكن ربما ليس بكيفية صريحة، مادام الكثير من الأشخاص رفضوا الربط بين القضيتين. أراد أصدقاؤنا الشيوعيون، خلق جبهة، في إطار فكر القارات الثلاث، هكذا أخذت أنفاس حسب ظني، في الانزلاق وإهمال الجانبين الأدبي والثقافي.

* هل عشتم هذا التطور بطريقة نزاعية ؟

** كان اللعبي وطنيا جدا في مساره، متطلعا إلى تصفية الحساب مع فترة الحماية، فاتصف موقفه بنوع من التعصب، حَكَمته حساسية نحو الأوروبي، معتقدا أن الأخير يمثل استمرارا للحماية. اعتبر اللعبي، قضيته مع الحماية شخصية، رغب في حسمها، بالتالي نادرة هي كتابات وشهادات الشخصيات غير المغربية أو العربية أو المغاربية، المنشورة بين صفحات إصدارات أنفاس، أما بخصوص السيد بيرت فلينت، فهو صديق وأنا من استدرجه إلى فريق أنفاس، لكنه ظل غير مرحب به. أيضا، لم يظهر اللعبي، كثيرا من الود نحو طوني ماريني، اللهم مراعاته كونها زوجتي. بهذا الخصوص، عاش اللعبي تناقضا، انطلاقا من زواجه بجوسلين، ثم استعماله الفرنسية كلغة ناقلة، فرنسية ممغربة. هنا، تكمن قوة أنفاس وبعدها مجلة "أنتيغرال"، أي توظيف الفرنسية كأداة للعمل، بكيفية واعية أو لاواعية. تمثلت إحدى شروط إيديولوجيا أنفاس، في الوصول إلى أن تحمل على عاتقها قضايانا الخاصة. اتسم، موقف اللعبي بالشراسة نحو الثقافة الغربية لاسيما الفرانكفونية. أن نأخذ على عاتقنا، معناه انتشال ثقافتنا من بين أيادي العارفين أو المتدخلين غير المغاربة. بينما الثقافة، تمثل في نهاية المطاف، الميدان الوحيد الذي يسمح ببلوغ وضع يميزه تعدد الجنسيات، رأي لا يستسيغه اللعبي. طوني ماريني وجدت لها مكانا ضمن الفريق، لكنها لم تقبل كليا مثل الباقي. هنا بدأت، أبتعد عنه، بل تشاجرنا مرة في بيته، ومرة ثانية خلال مناسبة أخرى، عندما أعلن اللعبي أمامنا، أن الاهتمام بالثقافة، يعكس انشغالا بقضايا البورجوازية، الأمر الذي أثار غضبي. لقد عاش اللعبي، باستمرار في إطار نوع من ''الحماسة'' الدائمة. قد نرتكب خطأ على هذه الشاكلة، ونفصح عن أفكار من هذا القبيل، لكننا نتراجع عنها. أما اللعبي، فظل عنيدا، متأثرا جدا بأنيس بلا فريج وأبراهام السرفاتي، وقد تناقشت معه ذات يوم حول الموضوع، في أحد شوارع الدار البيضاء. هؤلاء، وضعوا الثقافة والفعل الثقافي، في مرتبة ثانية، خلف مقتضيات أخرى، بدت عاجلة لديهم. هنا حدث الانقسام، ثم الانفصال في الدار البيضاء عن محمد شبعة، حيث غادرت أنا ومصطفى نيسابوري والطاهر بن جلون- الملتحق بنا متأخرا، لأنه كان يصغرنا سنا- الاجتماع. بالتالي، لم أتكلم مع اللعبي، لمدة ثلاثين سنة. فقط مؤخرا، وبالضبط منذ سنة، تبادلنا التحية. بدوره محمد شبعة، سلك مسلك التصلب، ثم اعتقل. أنا وشبعة، فنانين، تلقينا تكوينا خلال نفس الحقبة، ثم اختلفت مساراتنا. اتخذ شبعة موقفا، مغايرا لموقفي، بحيث كنت أكثر اعتدالا واستراتجية، مقابل تحمس شبعة لفكرة اليد الحديدية على المستوى السياسي. لقد، شكلت مدرسة الفنون بالدار البيضاء، إلى حد ما، فضاء لكل ذلك. كان بلكاهية مدير المؤسسة، وليس بعضو، غير أنه خلال لحظة ما، بدأ ينتابه الخوف، فرفض عقد الاجتماعات داخل المدرسة، وشرع يبتعد. ثم انقسام الثنائي الدارالبيضاء - الرباط، والشبيه بزوجين لا يلتقيان إلا نادرا: تتجلى وقائع من حين لآخر، هذا ما حدث لدى فريق أنفاس، بين فرع الدار البيضاء والرباط. نستقي الأخبار، غير أن النواة المركزية، تمثلت في اللعبي المتواجد بالرباط.

* ماهي خلاصتكم راهنا لتجربة أنفاس ؟

** من وجهة نظري، تعتبر أنفاس وثيقة مرجعية، وخطا موجِّها، لكنها لم تنجز مهمتها، كما يفترض. صحيح، اختلفت أصول تكويننا، بالنسبة إلي ونيسابوري واللعبي، ولكل واحد منظورات مختلفة، تسكن لاوعيه، جعلته يتمثل هذا المشروع على طريقته. لم نعقد جلسات هادئة، من أجل تحديد استراتجيات بعيدة المدى، بل على العكس، اتسمت رؤيتنا بقصر النظر. لقد أحرقنا بطائق، تحت طيات ملفات دقيقة: التعليم، الهندسة، السينما، الأدب، الفن التشكيلي. بطائق،أشهرناها مثل مَحاضر، دون أن نمنحها توجيها. نكتفي بوصف الحقل لكننا لا نقول أبدا، ما يمكن أن يصيره، ولم يتسم تصورنا بالبراغماتية. لم تبادر أنفاس أبدا، إلى إجراء تحقيق وسط الرأي العام، بهدف معرفة موقع أنفاس ضمن المحيط المغربي، فلو فعل اللعبي ذلك، لشكل الأمر تكريسا للمجلة، التي كان لها صدى مهم جد بين صفوف شباب، صاروا أطرا، ولازالوا يتكلمون عنها. مفعول أنفاس، لم يأخذ وجهته الصحيحة، نتيجة غياب مسار عقلاني وعلمي حقا، مما جعلها تفتقد  إلى استراتجية. فلا يمكننا التخلي، عن مشروع كهذا، لو علمنا أن الكثيرين قد ارتبطوا به، ويعني لدى العديد منهم، انفتاحا وبديلا. هكذا، ستضمحل أنفاس  جراء الاعتقالات، ونحن نسينا ذلك تماما، على الأقل فيما يخصني.

تعليقات الزوّار (0)