فن النضج؟!

السبت 18 يونيو 2016
المصطفى الإسماعيلي
0 تعليق

AHDATH.INFO – خاص

رهـن صاحب «مائة عام من العزلة» كتابة الرواية بما بعد الأربعين. سن النضج. إنه العمر الذي اكتلمت فيه دائرة الرجولة، وانتهى فيه خبر السماء إلى النبي الكريم (ص)، وأذن له ربه بأن يبلغ رسالة الإسلام السمح إلى الناس أجمعين. في هذه السن، بحمولتها الرمزية، تُـفتح في وجـه الكاتب طاقة الرواية وتُـسلم له مفاتيحها وأسرارها وفصوص حكم الحياة.

في المغرب، كثيرون هم الروائيون الذين وُلـدوا بشنب، وفق التعبير الاستعاري الجميل للناقد والمترجم الميلود عثماني في كتابته عن الروائي المغربي الكبير إدمون عمران المليح، الذي جاء إلى فن الرواية بعد الستين. هؤلاء، كانت لهم إضافة نوعية وأثر دامغ في مدونة السرد المغربي المعاصر. خصوصا، أن أغلبهم جاء من تخصصات وحقول علمية غذت الكتابة الروائية بفائض المعرفة.

لم ربط غابو كتابة الرواية بسن النضج؟! الإجابة على هذا السؤال تستدعي قراءة نتاج الروائيين «ما بعد الأربعينيين» ومقارنته بأعمال نظرائهم ممن طرقوا هذا الفن في أعمار مبكرة. وهو عمل يطرح سؤال الجدوى منه على اعتبار أن الإبداع لا سن له. ألم يكتب كافكا الأساسي والأبقى في سن باكرة وذهب إلى حال سبيله تاركا كوكبة من الروائيين معلقين بأذياله؟

يرمي صاحب «عشت لأروي» من وراء شرطه إلى ربط الكتابة الروائية بالحياة. الكاتب الذي يرتاد هذا الفن وهو في سن متقدمة تكون حواسه مشبعة ومثقفة كفاية، وتجاربه أغرز وأعمق، وذاكرته معبأة باحتياطي الصور والطعوم والروائح والأصوات والنصوص المشعة وقد ذابت في كينونته وغذت شخصيته وغدت جزءا لا يتجزأ من رؤيته إلى الحياة.

هذا النوع من الروايات تجده مكتوبا بحواس كلية. وتستشعر دفق الحياة فيه أقوى، وحرارة الأوصاف تعـضّـد ما أسماه بارث بـ«أثر المرجع الواقعي». بيد أنه في غياب معرفة ووعي عميق باللغة وبأسرار الكتابة الروائية ستظل هذه الذاكرة المشحونة بنصوص الحياة وحياة النصوص صماء غير قادرة على طرح ثمار يانعة في نضج وحلاوة ما خلفه غابو من روايات تخترق الزمن وتتحدى قوانينه.

عبد العالي دمياني

تعليقات الزوّار (0)