عبد القادر الشاوي: السوق كسر احتكار الحزب والدولة للوجود الثقافي والنظام التعليمي خلق أميات متعددة

الخميس 14 يوليو 2016
المصطفى الإسماعيلي
0 تعليق

AHDATH.INFO خاص - حاوره عبد العالي دمياني

هل يمكن اعتبار "كتاب الذاكرة" سيرة ذهنية بالمعنى الواسع للعبارة ونوعا من "التأريخ الثقافي" للكاتب عبر موضعته في صلب صيرورة اجتماعية وسياسية تمتد على مدار أكثر من أربعة عقود؟

** أفهم أن الأمر قد يكون خاضعا لتقدير القارئ الذي يقرأ الكتاب رغم العلامة الظاهرة التي تُجَنِّسُه (تأملات فكرية) على غلافه، ولكنه بالنسبة إلي تجربة في الكتابة وضعتُ فيه خلاصات عامة لمسار فكري وثقافي ارتبط بمفاهيم وسياقات وأنتج فيها جملة من الآراء المرتبطة بحقلين متداخلين هما الثقافة والسياسة. ولا تكون السيرة الذهنية على هذا المنوال لأنها حصيلة صاحبها في مجال التعلم وفي علاقة بالكتب أكثر من أي شيء آخر (أوراق عبد الله العروي، مذكرات بول ريكور وسواهما..). وربما كان الجانب الذي ألح علي أكثر من غيره هو "التأريخ" الشخصي لحقبة من التطور الثقافي الذي عرفه المغرب وتفاعلتُ معه بدوري في مسارين متكاملين: مسار (الفاعل الثقافي) من خلال الكتابة والجدال والارتباط، ومسار (السياق الثقافي)، الذي كان مجالا من مجالات العمل المتاحة، من خلال الموضوعات الذي ولدها هذا السياق (فلسطين، اليسار، النهضة، السلفية...). قد يُفهم من هذا أن الكتاب أتى على حصيلة معينة استحصلها الكاتب من خلال تجربته العامة التي زادت عن العقود الأربعة في ميادين البحث والكتابة والنشر. قد يكون. ولكن وعيي الخاص كان على بينة من شيء آخر تماما: أقصد أن هدفي من تأليف الكتاب كان، وربما صار أيضا أثناء كتابته، هو الوقوف على مراحل التطور الثقافي الذاتي في ارتباط مع التحولات التي شهدتها حياتنا الثقافية بصورة عامة. وعندي أن قياس درجة التطور الثقافي والفكري على مستوى الأفراد والجماعات عملية مهمة في قضية البناء الثقافي بعامة، وفي تطوير مقومات ثقافة ديموقراطية متفتحة بشكل خاص.

* في رصدك للقضايا الثقافية والسياسية، التي عاش على وقع أسئلتها الحارقة المغرب طيلة هذه العقود، ما هي البراديغمات التي تحكم اليوم المشهد الثقافي؟

** لا بد من ملاحظة أولية مفادها أن ما يمكن الاصطلاح عليه باسم (المشهد الثقافي) في أية حقبة من الحقب التطورية على صعيد المجتمع هو مجموع الأدوات الخاصة به والمرتبطة بإنتاجه وتفاعلاته. فالمشهد الثقافي السبعيني على وجه الخصوص، وقد تكلمت عنه في الكتاب، كان مرتبطا بعناصر عامة هي على الأكثر والغالب: المثقف، الصحفي، الإطار الثقافي أو الأدبي (الجمعية)، السلطة، الجريدة أو المجلة... إلخ، فيما كانت العناصر الفكرية والثقافية العامة (البراديكمات كما تقول) المتواترة فيه مرتبطة بالتجريب والهوية وإعادة قراءة التراث والجدال والالتزام في الأدب والفن وسوى ذلك... ومن المفهوم أن التطور الثقافي نفسه الذي عرفه المغرب منذ ذلك الوقت، أي منذ بداية الثمانينيات على وجه الخصوص (دون أن يكون هذا التحديد التاريخي العام حصريا أو دقيقا) قد أحدث في المغرب نقلات مهمة ولعلها كانت شاملة مست، في تقديري الشخصي، الأدوات والتصورات والوسائل في مختلف مجالات الحياة الثقافية والفنية على العموم. والمظهر البارز الذي شخصته تلك النقلات يكمن أولا بأول في ظهور أو تزايد عدد الفاعلين الثقافيين العامين في مختلف حقول المعرفة والعمل الثقافي والإنتاج بعامة. أما على المستوى النوعي ففي بروز أسئلة جذابة ومقلقة وخاصة حول الانتماء ومفهوم الانتاج الأدبي وطرق التعبير الشعري والروائي والقصصي والمسرحي فضلا عن السينما وطرائقها في علاقة بالقضايا الخصوصية (المرأة، حقوق الإنسان، الماضي والإنصاف... إلخ) وما شاكل ذلك. وفي هذا السياق يمكن أن أؤكد أن ظهور أطُرٍ جديدة للتداول الثقافي وتنظيم المجال (بما في ذلك من أجل التحكم فيه) يعد، في تقديري، أهم نَقْلٍ يمكن الاستئناس به لمعرفة الحجم الكيفي والكمي لمعادلة الانتقال التي عرفها المشهد الثقافي. وقد أبْرِزُ لك ذلك على سبيل المثال في العناصر التالية:

- اندحار مفهوم (القداسة) التي ارتبطت بالنقاش العمومي وصفة الكاتب الرسولي الناقد المعارض...إلخ

- بروز قيم التداول ذات بعد تجاري أو نفعي على حساب تدهور مستوى وطرق وأهمية أطر العمل الثقافي التقليدية ذات المحتوى الوطني والتعبوي...

- ازدياد وتوسع مجالات المساهمة في النقاش الثقافي العام، وفي الانتاج وفي الكتابة، وتغيُّر تلك المعادلات البالية التي كانت تتحكم في التوصيف والتقدير ومنح الرُّتَب أو الخصائص لذوي الشأن الثقافي والعاملين فيه أو المنتسبين إليه..

- بروز مظاهر مختلفة، وبعضها جديد، لطبيعة ما يمكن تسميته بـ(الوجود الثقافي) والمفاهيم المرتبطة به، وكمثال على ذلك أسوق لك: الذات (في مقابل الشعب المقدس)، السوق (في مقابل الاحتكار الحزبي أو الدولتي لمجالات البروز والعمل)، البرغماتية أو النفعية (في مقابل القيم الأخلاقية النابعة من التصور الديني)، الانفتاح والتعدد (في مقابل الطبيعة الموضوعية والضيقة للممارسة الثقافية بحكم سيادة الأمية وتقلص مجال التعليم)، الخصوصية (في مقابل الدعوات القديمة النابعة في كثير من الأحيان من دوغمات معينة إيديولوجية وغير إيديولوجية..) وهكذا..

هذا مع التأكيد على أن العالم الافتراضي بما هو تكنولوجيا معلوماتية حديثة، ولو أن تطبيقها ما زال محدودا لم يؤخذ منه إلا ما هو في المتناول والبسيط ذي الاستجابة السريعة، أي لم يؤخذ كثورة فكرية على المفاهيم ومظاهر السلوك والأوضاع الاجتماعية والثقافية، سيصبح بالتأكيد إحدى ساحات العمل الثقافي والفكري والتناول السمعي والبصري ومشهدا محققا لكل أشكال التواصل والتفاعل بين المهتمين والعاملين حسب الميدان.. كما أنه من غير المجدي دائما، من ناحية أخرى، أن ننظر إلى تحولات المشهد الثقافي، باستمرار، من زاوية الجدوى، فالتراكم فيه، كما هو الشأن في (التوالد) أيضا، جميع الأوضاع والمحاولات، سلبية وإيجابية، التي تجعل التحول (ات) الممكن منوطا به مستندا إليه. وعموما فالزمن التاريخي (للثقافة المغربية الحديثة) قصير نسبيا ومحصولها فتي على العموم.

* عرف هذا المشهد الثقافي تطورا من حيث كم الإصدارات سنويا في جميع مجالات المعرفة والإبداع، لكن هذا التطور لا يبدو منعكسا على المجتمع والممارسة السياسية بوصفها أحد وجوهها الدالة. كيف تفسر هذه المفارقة؟

** ليس هناك تفاعل مباشر أو ارتباط سُرّي أو حتى انعكاس شرطي بين تطورات المشهد الثقافي في فترة معينة وتأثيره على المجتمع والسياسة... لسبب أول هو أن معظم أشكال التأثير التي قد تصيب البنيات أو الذهنيات تمر عبر أنسجة دقيقة من العوامل والمؤثرات مثلما ترتبط بسياقات مختلفة وتتطلب وقتا زمنيا وتاريخيا لا غنى عنه لإنضاج دواعي التأثير وفعله المباشر وغير المباشر في المجتمع وفي الممارسة السياسية. بيد أنه من الضروري الإشارة إلى جملة من العوامل التي قد تؤثر بوضوح في إحداث أنواع منوعة من القطائع المانعة للتفاعلات الممكنة على صعيد البنيات الفكرية والذهنية. ومنها مستوى ودرجة الأمية التي فيما يبدو لم تتغير نِسَبُها بين الحواضر والبوادي وبين الرجال والنساء... إلا قليلا منذ البدايات الأولى للاستقلال التي شهدت نوعا من الحماس الوطني الزائد لبناء الدولة الوطنية المستقلة التي بشرت بها النخب الداعية للاستقلال. أما العامل الجوهري والمانع الأكبر، فيما أظن، فهو النظام التعليمي الذي لم يستقر منذ الاستقلال أيضا على أية نظرية أو توجه إلا لماما. وقد كرس النظام التعليمي السائد أنواعا منوعة من الأمية، ومنها الثقافية المرتبطة أساسا بتغيير الذهنيات، مثلما كرس تصورات محافظة أطبقت على العقول في ارتباط مع بعض التصورات الدينية القائمة على التأويل الرجعي المحافظ للعقيدة ولمقاصدها الشرعية. ثم إنني أود الإشارة إلى الدور التي لعبته الدولة على الصعيد الثقافي العام وأثره السلبي في إدراك ما للثقافة من دور في التنمية وسواها. والمقصود أنه لم يكن للدولة المغربية، ولو من منظور نفعي برغماتي، أي دور يذكر في الاهتمام بالتنمية الثقافية من وجهة السياسة الثقافية العامة... إلا ما رأيناه من بعض التحسن في العقدين الأخيرين وإن يكن بدوافع إيديولوجية ولعلها اقترنت بالدوافع الشخصية لبعض العاملين في الميدان. وهذا ما يفسر في جانب كبير منه لماذا اهتمت الأحزاب السياسية بالمجال الثقافي وبما اشتمل عليه من وسائط وبنيات طوال عقود من المعارضة المسماة بالوطنية الديموقراطية، ذلك أنها وجدت فيه، نسبيا ومع التحفظ الضروري فيما يرجع لدرجتي الوعي والاهتمام، متنفسها الممكن، حتى لا نقول الضروري للوجود وللاستمرار وللتأثير.

إن تفاعل البنيات وأثر بعضها على البعض الآخر، فيما أرى، محكومة على صعيد المجتمع بقواعد شتى، ولا يظهر مفعولها المباشر وغير المباشر أيضا إلا في سياق توفر سلسلة من العوامل الذاتية والموضوعية المساعدة. فإذا غابت شروط حدثت قطائع لا بد من الاعتراف بأنها تلحق تشوهات كبرى بمسار التطور العام لمجتمع من المجتمعات.

* ثمة اليوم حراك جمعوي أيضا يفوق بكثير ما كان يعرفه المغرب في العقود الفائتة، إلى أي حد استطاع المجتمع المدني أن يساهم في توسيع هوامش الحرية؟ وما مدى قدرته على خلق تنمية ثقافية في ظل تشتته وكذا ارتهان جزء كبير منه لمنطق ريعي؟

** مفهوم المجتمع المدني في المغرب (بمعنى أطر وطرائق العمل العام المرتبطة بمبادرة الأفراد أو الجماعات والهادفة إلى الدفاع عن مصالح قطاعية مباشرة في مواجهة السياسة الدولتية عموما) حديث العهد بالظهور لا يتجاوز العقدين في أحسن الأحوال. والمجتمع المدني ليس هو الجمعيات الثقافية وغير الثقافية أو الأحزاب السياسية أو النقابات العمالية أو سواها من مجالات العمل والتأطير فقط (وهي قديمة في المغرب ولها تاريخها الخاص)، بل هو كذلك أداة من أدوات العمل الديموقراطي وفرع من ديناميته متى ما وجدت بالقدر الكافي من الحرية والاستقلال في العمل والتوجه والتمويل كذلك، ولهذا يقوم المجتمع المدني في الغالب على وعي بالمصلحة المستفادة كحق لا كوهب أو منحة. والذي يجب قوله أن ما سمي بالمجتمع المدني وقع مند البداية ضحية عاملين إثنين: أولهما مرتبط بالمجال الديموقراطي العام الذي لا يسمح في الغالب، أو لا يسمح بصورة طبيعية في الغالب، بقيام جمعيات مدنية مستقلة (أي غير حكومية)، وإذا قامت أصبحت بالنظر إلى مجال عملها عرضة للتضييق أو المنع أو التخريب... ومن الظواهر المثيرة على هذا الصعيد أن كثيرا من العاملين في الحقل اليساري توجهوا بعد أن اتسعت (الشرعية) لبعض مطامحهم إلى هذا النوع من الممارسة... ولو أن ذلك راجع لأسباب أخرى أيضا. أما العامل الثاني فهو المتعلق بما يمكن تسميته بالدعم الأممي ما كان مرتبطا منه بالتمويل المعتمد على برامج معينة وفي مجالات مخصوصة، أو ما كان منه ممنوحا في إطار الدعم المدني أو غيره المرتبط بالخضوع الطوعي أو المبرر في كثير من الأحيان لشروط أو لبرامج مرسومة في إطار عولمة الدفاع المدني السلمي أو المقاومة المدنية السلمية...إلخ.

مشكلة المجتمع المدني (كسلطة مضادة) أنه لا يمكن أن يحيا ويزدهر إلا في مناخ ديموقراطي يكفل الحرية ويقر بالاختلاف ويضمن التعدد، ومن السهل تماما أن يتحول المجتمع المدني وأن تتحول أطره، بحكم إيديولوجية الدفاع السلمي المبنية على قيم التوعية والمجابهة والمرافعة عن النظم الأخلاقية القائمة على العدل وتكافؤ الفرص والتقسيم العادل للخيرات والثروات..، أن تتحول إلى أدوات للقوة السياسية المعارضة، ويزداد الأمر تعقيدا عندما يكون المجال الديموقراطي العام محكوما بضوابط "قمعية" (قانونية وسياسية وشرعية أيضا) تحظى بالإجماع الحقيقي أو الشكلي.. الأمر الذي يقلل من حظوظ الوجود المعقول لمجتمع مدني مهيكل على قواعد الممارسة الديموقراطية القائمة على مبدإ فصل السلط.. ولا يمكن أن يُرى دور المجتمع المدني في التنمية، ثقافية وغير ثقافية، إلا من خلال المعادلة الديموقراطية.

* يعود موضوع المثقف ودوره في المجتمع ليعلن عن نفسه في العديد من المقالات والبيانات، التي وقع عليها عدد من المثقفين المغاربة مؤخرا. بالنظر إلى التراكم، الذي حققه المثقفون المغاربة على مدار عقود من الصراع مع السلطة والتنظير لشروط الإصلاح والتغيير، أي دور مفترض للمثقف اليوم في ظل ما يعيشه المجتمع من حراك على أكثر من مستوى؟ وهل ثمة حاجة إلى مشروع ثقافي؟

** لا أخفيك أن الحديث عن (المثقف ودوره في المجتمع) ارتبط تاريخيا وفي العصور الحديثة على وجه الخصوص بعاملين إثنين: أولهما تم على ضوء سؤال النهضة الذي مهد وساوق حركة التحرير الوطنية العامة من الاحتلالات الغربية الاستعمارية وغير الاستعمارية، أي أنه وليد صدمة تاريخية بلورت إحساسا قويا بالأوضاع المتخلفة القائمة في بلدان الاستقبال، فجاءت صياغته على قدر الوعي الذي صاحب تلك البلورة من قبل النخب الوطنية في معظم الأحيان. ويمكن الحديث، في ارتباط مع هذا، عن سؤال آخر ارتبط به، أعني به سؤال الإيديولوجية في علاقة مدركة وإرادية أيضا بالعقيدة الاشتراكية أو الماركسية أو الشيوعية (أي حسب درجة فهم وتمثل الصيغة الإيديولوجية المتداولة..).. فجاء الفهم على قدر الاختيار الإيديولوجي.. فجرى تداول المفهوم (مفهوم المثقف ودوره في المجتمع) اعتبارا للدور التعبوي الذي أنيط بالعاملين في ميدان التحرير إناطة شاملة. ولهذا الأمر لم يكن الفرق إلا شكليا بين المثقف والسياسي (النقابي أيضا) مع أن مجالات العمل والاختصاص، إذا جاز القول، كانت متباينة إلى حد ما وإن يكن التباين ضمن منظومة مشتركة للعمل والنضال في سبيل التحرير أو ما كان ينظر إليه كتحرير من السيطرة. والنموذج الفانوني (فرانز فانون) (أميكال كبرال أيضا، المهدي بنبركة وغيرهم كثير..) واضح في هذا المجال على الصعيد الإفريقي.

يضاف إلى هذا، وهو العامل الثاني، أن واقع البلدان المستعمَرة، على غير ما كانت عليه البلدان المستعمِرة، بحكم التخلف والتأخر التاريخي عن نموذج الترقي المعلوم، كانت تدعو بصورة واضحة إلى إعمال وعي جديد يبرر النضال الوطني للخروج من التخلف والتبعية بطبيعة الحال، وهو ما سارت عليه مختلف الحركات التحريرية.

* معنى هذا أن السياسي وسم مفهوم المثقف بوسم لم يزل أثره ساريا إلى اليوم..؟

** ... لهذا وجدنا مفهوم المثقف في كثير من مراحل الصراع الوطني والديموقراطي كذلك متشابكا، إلا فيما ندر، مع مفهوم السياسي والحزبي والمناضل، فصيغ مفهوم الالتزام بدوره انطلاقا من الدور التعبوي الذي كان له في هذه البنية فأصبح لصيقا بوجوده كما لو كان بديهية أو مسلمة لاختياره. مبدأ الانتماء (للحركة، للحزب، للسياق الوطني..) جاء في القاعدة من تلك الصياغة حتى أصبح من يحيد عنها، خلال مراحل الصراع أو السلم الاجتماعي، في عداد المرتد أو الخائن او الفرداني أو اللامسؤول... وقس على ذلك. ويهمني أن أشير بهذا الصدد إلى أن كثيرا من المبادرات الثقافية في المغرب الحديث ارتبطت، منذ فترة بعيدة وإن يكن على نحو محدود، بهذا الصنف من المثقف المنخرط إلى حد ما في السيرورة الاجتماعية المعارضة (معارضة سلطة الحماية والسلطة الاستقلالية على السواء).

هذا ما يفهمنا على وجه التحديد لماذا تفاعلت الأحزاب المعارضة في المغرب، وخصوصا بعد الاستقلال وبالأخص في المرحلة التي أعقبت حالة الاستثناء، مع الثقافة والعمل الثقافي وكذا دور المثقف والارتباطات التي يجب أن تكون له ببعض البنيات الاجتماعية ووسائط التداول المرشحة للدفاع عن القيم الإيجابية بشكل عام. ومن المعلوم أن القيم الإيجابية تجلت في ذلك الإبان في كل ما كان له علاقة بالنضال ضد السلطة القائمة وضد سياساتها العامة التي وصفت باللاشعبية...إلخ. وهو نفسه الذي يفسر إلى حد ما غياب المثقف الديموقراطي المستقل الواعي بطبيعة إنتاجه الثقافي وبالأدوار التي يمكن أن تنتج عن إدراكه لمسألة المشاركة أو النضال أو الارتباط... إلخ. السياق العام لوجود المثقف هو المجتمع الثقافي، ولا يمكن أن يكون دوره شيئا آخر غير الإنتاج الثقافي إلا إذا أدرك بصورة واعية الأهمية التي يقدرها لذلك الدور من خلال تحليل بنيوي لأوضاعه ولعلاقاته وأنماط الوجود فيه. الدور بالنسبة للمثقف ليس إلا صفة مدركة من خلال الوعي السياسي الاجتماعي، كما أن الصراع ضد السلطة القائمة ليس قدرا حتميا أو خصيصة متميزة ترتبط بوجود المثقف بل هو اختيار نابع من وعي وتقدير...وفي ارتباط مع هذا، وضد كل أسطرة لمفهوم المثقف وطبيعته، يمكن القول إن دور المثقف اليوم، انطلاقا من وعيه بمعضلات التطور الديموقراطي في بلده، يتمثل بصورة خاصة في الانحياز لقيم العدالة والحرية والديموقراطية الحقة، فضلا عن العمل في هذا الاتجاه لمقاومة (الانبعاث) الأصولي المرتهن للإحياء الماضوي وصنوه الآخر في شكله المتطرف الإرهابي الذي يحيق بكثير من المجتمعات وبالمجتمع المغربي نفسه في مرحلة تمثل فيها العولمة الشاملة، فيما يبدو، صيغة اقتصادية وسياسية وتكنولوجية لإعادة تقسيم العمل على الصعيد الدولي... هذا فضلا عن المخططات المتفرعة عن ذلك لإعادة ترتيب الكون وفق المستجدات التي كشفت عنها الألفية الثالثة على جميع المستويات الفكرية والسياسية العسكرية والاقتصادية والاستراتيجية وغيرها. أقول هذا في العموم للتأكيد على أن بناء تصور مشترك عن الأدوار المفترضة للمثقف ضمن مشروع ثقافي معين هو من اختصاص العاملين في المجال الثقافي نفسه في ارتباط مع القوى الساعية لإحداث التغيير الإيجابي في البلاد... وهو للإنجاز المشترك أيضا، مع الإشارة إلى الصعوبات التي قد تعترض هذا الإنجاز بحكم التناقضات الظاهرة في التقدير والاعتبار وكذا بحكم (الأحقية المدعاة) التي يتمنطق بها بعض المشتغلين بالموضوع.

* اشتغلت إبداعيا ونقديا على المحكي الذاتي، سواء كان تخييلا أو أوطوبيوغرافيا (السير الذاتية وأدب السجون في المغرب). هل يتعلق هذا الميل بموقف من التجريب الروائي في المغرب الذي بلغ إلى الباب المسدود ووسع الهوة بين الرواية والقارىء في مجتمع تبلغ نسبة الأمية فيه 50 في المائة؟ أم هو رد اعتبار لمحكي الحياة ولصوت الفرد في مجتمع يقمع كل نزعة فردية حرة؟

** إن اهتمامي بما تسميه (المحكي الذاتي) لعله تمخض عن حالتين: حالة الوجود في السجن، وذلك باعتبار هذا السجن، في الواقع، لحظة اصطدام ما يمكن تسميته الوعي الواهم بالذات المحجوزة. يجب أن أعترف بمرارة، ولو أن ذلك يتعلق بالماضي ويرتبط به، أن السجن في تجربتي الشخصية كان لحظة انطلاق لأنه كان في الحقيقة، أو في الحقيقة كما أفهمه الآن، واقع حرية. فيه سقط قناعي النضالي وأسمائي الحركية والبذل والتوجس (من الاعتقال) والدينامية المرتبطة بالحركية السياسية وسواها من أنماط السلوك المعتمد في الحياة الخاصة على عهد السرية والقمع والمراقبة وأساسا في علاقة بالنضال السياسي في مجال تؤطره سلطة استبدادية غاشمة. وظني أنني بهذا تحررت أيضا من الخوف فتحررت ذاتي، وإن يكن في إطار عقابي، مما كان يعتقلها حقا وصدقا في الحياة العامة خارج السجن. وأذكر أنني عندما شرعت في الكتابة السردية بالخصوص (وسيصبح كتاب "كان وأخواتها" عنوانها البارز) تراءت أمامي حافظتي الشخصية في ارتباطها بالماضي وذاكرتي الشخصية في ارتباط بالمعاناة، فأصبحتا من مصادر تجربتي في القول والإنشاء كما يمكن الاستنتاج... ولم يكن المتغير اليومي في هذا الصدد إلا التجربة الحياتية في دائرة مغلقة من العنف (المادي والمعنوي) الذي يعانيه الفرد المعتقل سياسيا كان أم غير سياسي، لا فرق. أريد القول أنني أصبحت كاتب سرود بالقوة، لا من خلال المعاناة فقط، مثلما تفرغت كذلك لاستحلاب الذات من خلال التجارب الخاصة التي راكمتها في الماضي، فكانت متعتي الحقيقية أنني انفتحت على الآخرين (عموم القراء) فصارت المشاركة، ولو أنها افتراضية في كثير من الأحيان، بعدا من أبعاد الكتابة (للآخر) وطقسا لا غنى عنه للمنجز الأدبي.

أريد أن أشير إلى العامل الثاني الذي لا يقل عن الأول أهمية في اهتمامي بالكتابة الذاتية أو الحميمية... على اختلاف التسميات التي تلصق بها. أقصد أنني ومنذ التكوين الأصلي أعاني من شعور مزمن بالوحدة (وليس الانطواء)... تلك التي صارت فيما بعد تجربة خصوصية في الاستقلال الذاتي... الذي كثيرا ما يبدو معيبا. إنها أمور في التكوين لها علاقة بالمنشأ الأول وبالمجال الذي ترعرت فيه، ثم بالأطوار اللاحقة التي تدربت فيها على المطالعة والتحصيل... ربما كتعويض عن حرمان معين لم أكن على وعي به. أحب أن أقول إن طبعي الاجتماعي هو قمة وحدتي إذا شئت أن أبين هذا الأمر من خلال المفارقة. وأدرك الآن أنني حولت هذه الوحدة في تجربتي السجنية إلى شبه عزلة أفادتني كثيرا في اقتصاد الوقت وفي الكتابة وكذا في رسم المسافة الضرورية مع مختلف الروابط الرفاقية. مع الاعتراف بأن حالتي هذه رغم الأسباب الذاتية الوجيهة التي بلورتها في حياتي وتجربتي كانت حالة غير مستساغة وفي عرف البعض مذمومة... إلخ.

* وماذا عن التنـظير والنقد؟

** الكتابة عن الذات لها سياق ذاتي، وكل كتابة، بمقياس معين، هي كتابة ذاتية، وما نسبة الموضوعية (إذا شئنا أن نستعمل هذا المقابل الملغز) إلى كل كتابة ذاتية إلا كنسبة الذات إلى تجاربها ووعيها بحياتها وكل ما يتصل بوجودها في الموضوع أو المجتمع. هكذا أفهم الأمور، ولعلها توجد هكذا في التجارب الكتابية الأخرى. أما من حيث التنظير فإنني أعتبر أن المتون الحياتية هي أساس الكتابة الموضوعية إن كانت توجد كتابة موضوعية في المجال السردي، بمعنى أن الكاتب في علاقته باللغة وبالحياة الشخصية وبالتجربة المستفادة في المجتمع إلى جانب الضائقة الفنية والحساسية الفردية... كلها من قواعد الكتابة الذاتية التي لا تعلو عليها أية كتابة أخرى ربما. ماذا يكون (البحث عن الزمن الضائع) إن لم يكن متنا حياتيا أغرق كاتبه في استحلاب ذاته وشعوره بها في نطاق مخصوص من الحياة والتجارب والمعاناة اللصيقة بالوجود؟ مع التنبيه إلى أن (البحث عن الزمن الضائع) اعتُمِد في مجال التنظير البويطيقي ودارت حوله اجتهادات أفادت من طرائقه في الكتابة والسرد... إلخ أي تحول إلى مرجع في الكتابة الذاتية أو المحكي الحياتي.

* اشتغلت أيضا على سؤال النهضة وتابعت تطور الحركة السلفية في المغرب. كيف أمكن لها أن تخرج من جلباب الهم الوطني والمنطق الإصلاحي، الذي كان يحركها مع الزعماء الكبار من طينة محمد بن العربي العلوي وعلال الفاسي وسواهم لتسقط اليوم في معاداة المجتمع ومصادرة المستقبل؟

** سؤال النهضة انقلب إلى جواب مُحْبِط بسبب الهيمنة الأجنبية والتخلف وانغلاق البنيات الاجتماعية والذهنية على اعتقادات بالية تسترجع الماضي وتتنكر للتطور، ثم إن غيرها من الأسئلة، وبعضها كان حارقا في النظر إلى  مستقبل التطور العام، التي طرحت قبل قرن من الزمن أو يزيد قليلا وكانت تعبيرا عن صدمة تاريخية مؤثرة في العقول والوجدانات انقلبت، في مجرى التاريخ العام، إلى ما يضادها على مستوى الاعتقاد في ارتباط مع الانقلابات التي شهدتها مجتمعاتنا بفعل الفشلات المتكررة في اعتماد أساليب التطور العصرية والانخراط الفعلي في الحداثة... هذا إلى وجود وسيادة أنظمة سياسية لم تعمل في مجمل ما تفرغت لعمله إلا على السيطرة والاستغلال والتحكم، دون الحديث بطبيعة الحال عن دور العقائد الإديولوجية والدينية في كبح التطور الموضوعي وتبرير الأوضاع السائدة في غالب الأحيان من خلال موالاة السلط القائمة واستبلاد الناس بالتأويلات الداعية للاستكانة والتسليم بالأقدار والخنوع وطاعة الحاكم.

والسلفية في التجربة المغربية لم تكن شيئا آخر سوى ذلك المنزع من منازع التأويل الديني لأسباب التطور المرتجاة. وكونها جاءت في سياق تطوري من حيث الدعوة والتأثير جعلها تبدو وتنهض في مرحلة دقيقة من مراحل النهوض الوطني، وأعني تحت سلطة الحماية وفي نطاق الشروط التي أتاحتها للممارسة العامة دينية وغير دينية، جعلها تبدو دعوة دينية وسياسية ذات أبعاد تطورية مهمة: في مناهضة الحماية التي كانت قد أطبقت على البلاد، لأن الدعاة الأوَّل للسلفية كانوا بشكل عام من رواد العمل السياسي المعارض للحماية (ومنهم من لم يكن بطبيعة الحال)، ثم إنها وقعت من الناحية الدينية على ظروف في غاية الغرابة من حيث التخلف والتحجر وتمكن الغيبيات من شعور الناس بالوجود وبالعمل وبالمفاهيم كذلك. أما من الناحية (الوطنية) فقد صلحت لتأطير الوجود الوطني الجنيني الناهض والساعي، في نفس الوقت، إلى بناء الذات الوطنية والتهيؤ لممارسة العمل السياسي المعارض والتطلع إلى بناء الدولة الحديثة المستقلة. لا بد من تنسيب هذه الظاهرة وغيرها، لأن التطورات العامة التي شهدها المغرب في حقبة الحماية نفسها، وخصوصا عندما استقر لها نمط الإنتاج الرأسمالي التبعي منذ أواسط الثلاثينيات من القرن الماضي مع ما كان له من نتائج فورية على البنيات الاجتماعية والاقتصادية غير كثيرا من نمط الاعتقاد والتصور، كما أن الإدماج السريع لبعض النخب في العملية السياسية والاقتصادية ألغى كثيرا من التصورات التقليدية التي تعاكست مع المصالح الجديدة التي ولدها التطور. وهو ما تم في الحقب اللاحقة وإن يكن بروز الدولة المغربية (الحديثة) قد سعى إلى احتكار مختلف الأدوار التي كانت من قبل شبه محتكرة من قبل الحركة السياسية الوطنية. فالسلفية بهذا المعنى كانت حالة وتصورا ومهمة ظرفية للإنجاز وطريقة في التفكير أيضا: الحالة أنها ارتبطت بالدعوة النهضوية التي كانت بوادرها العامة في الشرق (العربي) ظاهرة لعموم النخب المثقفة المدينية على وجه الخصوص منذ مطالع القرن التاسع عشر. وأما في التصور فإنها أرادت أن تبشر بالمجتمع الآخر ضدا على الاعتقادات السائدة وفي محاولة لبناء هوية ثقافية مختلفة ضد الآخر، وهنا كانت تكمن أهميتها من حيث التبرير الظرفي والسياسي على وجه التحديد. أما وأنها كانت مهمة ظرفية فالمعنى أنها تطورت في ارتباط ببعض فصائل الحركة الوطنية، وخصوصا حزب الاستقلال بعد الأربعينيات، وصلحت لبناء توجه تعادلي وسطي يجعل من الماضي السلفي قياسا للتطور التاريخي... ثم كانت طريقة في التفكير لأن النخب الوطنية التي اعتمدتها كتصور فكري لبناء المفاهيم وإقرار سياسات وتجنيد فئات اجتماعية كانت نخبا دينية حتى في (أكثر) حالاتها الشبه ليبرالية. السلفية هي إيديولوجية (الحركة الوطنية) في مرحلة النهوض القومي إذا شئنا هذا.

* كيف تحولت السلفية من حركة إصلاحية إلى ما هي عليه اليوم من تطرف؟

** المشكلة في التفكير السلفي، على وجع العموم، أنه تأويل ديني لمسار التطور المجتمعي انطلاقا من منظور السلف الصالح. وهو تفكير مطلق أيضا لأنه ديني في جوهره رغم تعدد مقارباته، وهو بالإضافة إلى هذا وذاك ماضوي ونفعي ... يخضع تأويله في مجمله للظرفيات والسياسات والحساسيات والحسابات. أما وأن السلفية تتعارض مبدئيا مع الحداثة بل وتقف منها موقف النقيض مثلما تسعى إلى الإجهاز عليها فهذا بيّن لا غبار عليه فيما نراه في الوقت الراهن من وجود سلفيات أغرقت السوق بما لا يحصى من التأويلات الدينية كثيرها يعادي العقل والمرأة والحرية... ناهيك عن الظواهر الأخرى التي تملأ الشارع العام بكثير من الشعارات الدنيئة المعادية في خصوصها لكل مظاهر الحياة العصرية التي غالبا ما تؤول على أنها جاهلية. أما التعبيرات السياسية عن السلفية (الجديدة كما سماها علال الفاسي منذ البداية) التي تحظى بالوجود الشرعي القانوني ولها تعبيرها السياسي المنظم في المجتمع (بما في ذلك أذرعها الدعوية) فلا يجوز أن نتغاضى عن دورها في إحداث (الفتنة) بين الناس رغم الشعبية الظاهرة عليها بحكم تخلف الذهنيات والتدين المجتمعي. وتقديري الشخصي أن الذين يتكلمون أو يدافعون عن سيادة دولة الحق والقانون، السيادة الحقيقية أو المأمولة، ينسون أن الاستغلال المفرط من قبل التوجهات السلفية لمظاهر التدين في المجتمع يكرس أنماطا من الاستبداد ، بما فيها الاستبداد العقدي، لن يقوم معها، بطبيعة الحالة، لا حق ولا قانون.

* انتميت إلى اليسار وخصصت له دراسة أثارت ضجة وسجالا لدى صدورها. كيف ترى حال اليسار المغربي اليوم؟ وأي أفق له في ظل هذه الشعبية التي تملكها أحزاب محافظة والتي يرى كثير من الباحثين أنها تؤشر على غلبة التقليد في المجتمع نفسه؟

** الحديث عن حال اليسار اليوم معقد بعض الشيء لاعتبارين: أنه مرتبط بمرحلة من التطور البرغماتي أصبحت فيه للسوق وللخوصصة وللاحتكار اليد العليا ضمن تصور رأسمالي تبعي مندمج في إطار العولمة لم يعد يسمح بالتطور المستقل ولا بالتراكم البدائي للرأسمال ولا بالهويات المختلفة أو بالخصوصيات المتميزة إلا على نحو محدود جدا وفي هوامش ضيقة للغاية. يضاف إلى هذا ما للثورة التكنولوجية من آثار ظاهرة في تفكيرنا وأسلوب معاملاتنا واستقبالنا وردود أفعالنا ... إلخ. لا يمكن أن نتجنب الإشارة إلى هذا حتى يستقيم التفكير في اليسار كقوة أو فعل سياسي... ولذا، على سبيل المثال، وجدنا اليسار على الصعيد العالمي أيضا في حركتين مترابطتين: المراجعة الدؤوبة والمستمرة وغير المعلنة في كثير من الأحيان لأنها تتم بصورة تلقائية في علاقة بحركة النضال السياسي أو النقابي. والحركة الثانية المرتبطة بمفهوم الأزمة... التي يجب أن تفهم الآن من خلال ظهور قوى بديلة لا تتقيد بالمفهوم اليساري الكلاسيكي في النضال ولا في التعبئة ولعلها تمتلك خصوصيات معينة تجعلها تستقطب في غالب الأحيات الفئات الزبونية لليسار التقليدي.

أما الاعتبار الثاني فهو المتعلق، فيما يبدو لي، بما نلاحظه من تدهور عام لمختلف الأوضاع القائمة في البلاد على مستويات مختلفة من وجودنا الاجتماعي وانعكاس تلك الأوضاع على معاش واهتمام الناس... دون الحديث عن  وضعية التعليم والتكوين والشغل والصحة.. وتقلص مجالات الحداثة بفضل توسع المجال الديني المحافظ وغير ذلك من الظواهر التي أصبحت تتحكم في السلوك وفي ردود الأفعال.. كما أنني ألاحظ أن الانخراط الأعمى في العولمة المتوحشة المدعومة بالتطور التكنولوجي الحديث الذي أصبح هو نفسه عماد المعرفة والتواصل والبرمجة أو التنميط، هذا فضلا عن الإملاءات التي تمليها مراكز القرار الرأسمالي الدولي في شكل قروض أو سياسات ميدانية وقطاعية... إلخ أصبحت كلها تدعو إلى إعمال الفكر من منظور مختلف (ليس وطنيا بالضرورة) لقراءة أوضاع اليسار وتحليل واقعه والنظر فيما يسمى بأزمته. قصدي أن أقول إما أن تنخرط قوى اليسار، على ما هي عليه من ضعف وتشتت وتناقضات مزمنة وتنافس مدمر، في هذه الموجة العالمية والمحلية ذات الإكراهات القوية والمذهلة على مستوى التفاعل والحاجة إلى التنظير والتخريج الجديدين... فيفقد بذلك مبررات وجوده التاريخي بالمعنى الذي هو له كيسار تقليدي (وقد حصل هذا في كثير من البلدان الأوربية والعربية)، أو أن يبقى على الهامش منه بمختلف التبريرات أو الدعوات التي يبلورها في كل مرحلة للحفاظ على الذات المتوهمة كما هو الواقع اليوم. وحال اليسار اليوم يجب أن ينظر إليه من هذه الزاوية أو المنطلق بالذات، أي أنه في المقام الأول على الهامش من التطورات الحادثة في المجتمع ولا يستطيع الفعل فيها، ثم إنه على خلاف مع تاريخ التطور من الناحيتين الإيديولوجية والنظرية، أي أنه لم يسع إلى تطوير لغته وأفكاره وأساليب عمله وبنياته ولا أدواته. وفي هذا الإطار فقد كان ارتباطه القسري و(القانوني) بالشرعية المقررة (بما هي من حيث الطبيعة شرعية تحكمية مبنية على قواعد التسليم: الملكية، الدين، اللغة، السوق... وباعتبارها الإطار القانوني والدستوري المقرر بأوفاق معينة بين مختلف الأطراف الراغبة والقابلة به) نهاية أعتبرها حقيقية ومؤلمة لأحلامه وضربة قاضية لفعله وتفاعلاته وإنهاكا مذلا لقواته... دون الحديث عن القمع التاريخي الذي سُلط عليه الذي وَلّدَ في صفوف اليسار المغربي ظواهر شتى ما زال بعضها متحكما في وجود بعض أنويته الناشطة هنا وهنا إلى يومنا هذا.

* ألا تعمق الهيئات المحافظة أزمته في علاقته بالمجتمع؟

** يهمني أن أقول إن ما تسميه بشعبية الأحزاب المحافظة ليس نتيجة منطقية لأزمة اليسار أو غيابه أو موته أو ما شئت، بل لأسباب أخرى لا مجال للحديث عنها هنا. تكفي الإشارة إلى أن ما قد نسميه بالشعبية أمر نسبي وغالبا ما يثار في النقاش العمومي، على محدوديته، بغير قليل من التهويل، للتباهي السياسي الذي يحتاج إلى يقين، بل ويبدو لي أيضا أن المستفيد من تلك الإثارة، الوهمية، لأنها تريد بها أن تظهر للناس وكأنها

- أحزاب مطلوبة من قبل الشعب لكي يضع ثقته فيها،

- أو تستجيب لتطلعاته ومطالبه حتى ولو كانت الاستجابة المدعاة ضد تلك التطلعات والمطالب،

- أو هي تنسجم مع العقيدة (بما يتفرع عن ذلك في الدعاية من تقديس لمفهوم العائلة والدفاع عن المحافظة والبروز بالمظهر التقوي الخادع ...إلخ)،

فالشعبية صفة بغير مدلول حقيقي ولا قوة سياسية ولا تأثير فعال. لأن الصيغة السياسية المتبعة في المغرب، في ارتباط بطبيعة النظام السياسي القائم، لها مجال مرسوم سلفا وتخضع لبعض الاتفاقات الضمنية كما قلت سابقا والعنصر المتحكم في العمل السياسي هو التوازن المنطقي، السياسي والعملي، المضمون بين القوى العاملة في الحقل السياسي الشرعي المكفول بالدستور المصادق عليه بأغلبية معينة. ولهذا تبرز الازدواجية (شرعي، غير شرعي) كحد فاصل بين الأساليب المستخدمة في النضال السياسي، وفي التصورات السياسية (تمثيلية شرعية، تمثيلية فعلية) وفي البناء النظري نفسه (الموالاة، الإصلاح، القومة، الثورة، الملكية البرلمانية...) الذي يعرضه الفرقاء في الساحة العمومية من خلال العمل المباشر (إذا كان مسموحا به) أو الإخبار أو التعليق أو التحريض.. (وسائل الاتصال الحديثة والشبكات الاجتماعية) أو الحجاج... إلخ

* رغم أن المغرب كان مستعمرا من طرف إسبانيا أيضا، التي تركت آثارها الثقافية على الشمال والجنوب المغربيين، إلا أن الأدب والثقافة الإسبانيين يبدوان شبه مغيبين في المشهد الثقافي المغربي قياسا بالحضور الفرنكوفوني. ماذا يخسر المغرب ثقافيا وسياسيا بعدم انفتاحه على العالم الإسبانوفوني، بنفس الدرجة التي ينفتح بها على العالم الفرنكوفوني؟

** الحقيقة الجلية التي يجب أن تقال اليوم، في نطاق الجهوية المتقدمة، أن الشمال (وهو تراب الحماية الإسبانية على امتداد عشرة آلاف كلم) تعرض للمسخ والإكراه والتهميش والابتلاع إلخ. ورغم أن الحماية الإسبانية لم توفر للشمال أسباب التطور المهمة أو الكبرى مثلما حصل، ولو على نحو معين، في الجنوب أو ما يسميه الشماليون بالجنوب بفضل استنبات نظام اقتصادي رأسمالي تبعي... فإن الوجود الإسباني لم يترك الشمال قفرا، وكان وجوده على امتداد أزيد من أربعة عقود من الزمن من خلال مظاهره الثقافية والسياسية واللغوية مهما للغاية، دون الحديث عن تاريخه الضارب في القدم. يكفي الاستدلال على ذلك بما عرفته حاضرة تطوان، عاصمة الحماية والخلافة، من تطورات كافية حتى لا نقول مهمة أو أساسية في الأربعينيات والخمسينيات. ثم لا يجب أن ننخدع بالوجود الفرنسي في الجنوب فنصفه بما لم يكن فيه. يعنيني من الناحية الثقافية أن أقول إن الوجود الفرنسي في الجنوب لم يخلف حضورا ثقافيا دالا عليه إلا على نحو محدود، وربما كان دوره العسكري السياسي واللغوي والإداري أكثر بروزا من باقي الأدوار الأخرى.

المشكل في المسألة الشمالية أن السيطرة الإدارية والتجارية الآتية من الجنوب، بما كان فيها من قضاء مبرم على التطور (البورجوازي المديني) المحلي وما أحدثه من تغيير (بدءا من تغيير العملة في إطار التوحيد) قضى بطريقة المحو على كل أشكال التطور (المستقل).. بالمعنى الذي لهذا المستقل ضمن الخريطة الجغرافية المعروفة لما يسمى بالمغرب. لقد تحققت الغلبة في واقع الأمر ومن زاوية السيطرة الفعلية بحكم المؤهلات والمنظور الدولتي المركزي للاقتصاد الرأسمالي التبعي الذي حول الشمال إلى سوق واسعة لبيع المنتوجات المصنعة في الجنوب (المغرب النافع أيضا) بتكلفة النقل والترويج، مثلما حول نفسه، من خلال مؤسساته وشركاته وتجمعاته المالية، إلى قابض يجني الأرباح والغنائم المترتبة عن ذلك. فالشمال، كمنطقة وإقليم جهوي، كان ضحية لسياسة الجنوب في واقع الحال... ولا يمكن أن نلوم الحامي الإسباني على ما اقترفه من سياسات لأنها كانت في سبيل اقتصاده المتروبولي بدون شك. والنظر إليه كمستغل لا يجب أن ينسينا أن المستغل الوطني كان أشد عنفا وتطرفا في استخلاص المستحقات الناتجة عن استغلاله، فضلا عن طرده للشريك الصغير المحلي الذي ألزمته المنافسة على التسليم بالقوة والغلبة. ألم يكن من الظلم السياسي أن يموت الشمال في ظل التهميش الذي مارسه النظام السياسي القائم بكل وعي على مجموع مكوناته طوال عقود من الزمن؟

* لكن الشمال حافظ على خصوصيته الثقافية..

** ما أقصد هو أن النموذج الاقتصادي وحتى السياسي ناهيك عن الفكري الذي خيم في الشمال أصبح فرعا من النموذج الأصلي الكولونيالي الذي بقيت مصالحه ثابتة في المغرب، بل ولعلها ازدادت تطورا مع الوقت (الكل يتكلم في مغرب اليوم عن الشريك الاقتصادي الأول الذي هو فرنسا... وليست إسبانيا إلا في المركز الثاني، وليس بخاف أن الفرنسية ما زالت تحتل في الإدارة العمومية وفي المجال الاقتصادي وسواه أزيد من ثمانين في المائة رغم مضي ستين سنة على الاستقلال). يضاف إلى هذا أن إسبانبا في المتخيل الرسمي وحتى الشعبي، وفي ذلك منتهى الجهل والتجاهل، ليست إلا معبرا للسلع التي يصدرها المغرب إلى السوق الأوربية... دون اهتمام حقيقي، أكان ذلك في علاقة بقضاياه الوطنية أم غيرها، بما لإسبانيا في المحفل الأوربي وفي غيره، هذا فضلا عن التاريخ المشترك والجوار وقرابة المليون من المهاجرين ونصف مليون من الزواج المختلط وأزيد من ستة آلاف طالب مغربي...إلخ، من أدوار حقيقية وتأثيرات ضخمة في السياسات وسوى ذلك. يفقد المغرب من منظوره المتخلف، غير الواعي فيما يبدو بسبب العمى الفرنسي، قوة عظمى في العالم الإبيروأمريكي برمته.

هذا مع الاعتراف بأن إسبانيا الرسمية قامت بمحاولات شتى لإعادة صياغة وجودها الثقافي والتاريخي والاقتصادي (الحالي) في المغرب بطرق شتى وبأموال ضخمة وباستراتيجية واضحة لبناء موقع متقدم في البلاد (سبع مركز ثقافية لسرفانطس، إثنا عشرة مدرسة إسبانية، مائة وخمسون شركة اقتصادية... واستثمارات مهمة في قطاعات مختلفة..). وهناك اليوم نخبة من الكفاءات المغربية من ذوي التكوين الإسباني في مختلف الجامعات المغربية، بالإضافة إلى مجهودات محمودة على مستوى الكتابة والترجمة والبحث والمشاركات الثقافية المختلفة.. ولعل الذي لا يرقى إلى مستوى هذا المجهود المدني هو غياب إطار يَنْظِم تلك المجهودات واستراتيجية تلملم شتاته وتضعه في اتجاه أفق واضح يبلور ما يمكن الاصطلاح على تسميته بالاختيار الإسباني اللاتيني عموما المبني على الاستقلال في المبادرة والتوجه وفي الفعل والمشاركة... وتلك مهمة تستحق الإنجاز خصوصا مع توفر الوسائل الحديثة الضامنة للتواصل السريع والفعال والقادرة على التأثير بتكلفة أقل من المعتاد في تحقيق التأثير العام قصد بلورة الاختيار.

تعليقات الزوّار (0)

أدب و ثقافة