مواطنة... ومواطنة بموجب مرسوم

الخميس 28 يوليو 2016
عصام كرامة
0 تعليق

AHDATH.INFO– خاص – سعيد الشطبي

وجدتُني، في نازلة "خدام الدولة" هاته أعيد النظر في كثير أشياء أبلعها بشق الحلق. وجدُتني أسأل نفسي لماذا لا أُصنف ضمن "خدام الدولة الأوفياء" أنا الذي لم أفعل شيئا آخر غير أنني ظللت وفيا للدولة منذ ولدت على هذه الأرض. على الأقل، لم أزعجها في شيء... لم أكن، يوما، انقلابيا ولا مطالبا بمأذونية ولا بأي شيء... فقط، وجدتُني أقضي سنوات طويلة من عمري في الذهاب والعودة من وإلى البيت ومدرسة السوق – قبل أن تسمى على اسم الزرقطوني- ثم إعدادية ابن خلدون فثانوية بئر أنزران بالفقيه بن صالح قبل الهجرة... الهجرة إلى إيطاليا، لا إلى مدينة آل سعود. الدولة- هاته التي لها خدامها الأوفياء دون بقية المواطنين- جربت في جيلي أحد أولى نماذج التخبط التخطيطي التعليمي. نظام احتساب فروض الدورات. لكن في الباكالوريا فقط. أفلتنا من التعريب المعيب. فدرسنا الرياضيات والفيزياء والعلوم الطبيعية بالفرنسية. الحمد لله. في هذه، أنصفتني الدولة. كلما ارتكبته أنا في حق الدولة هو أنني أزعجتها بمطالبي في الشغل في ذلك المكان البئيس الذي كان يتخذه فرع جمعية المعطلين بالمدينة مقرا له... أزعجنا قليلا موظفي أمن الدولة وعيونه الخفية التي كانت تترصدنا. لكن سرعان ما تداركت خطئي تجاه دولتي بأن وعيت بأن لا مناص لي من السعي الفردي إلى العمل... لا بل إنني كفرتُ عن خطئي بأن حاولت – أيام الضياع- الالتحاق بصفوف الأمن، ضابطا فيه... لكن، نفضتني الدولة- كعادتها- لسبب لا تعرفه إلا هي... حسنا فعلت...

هو ذلك التيهُ الذي تضيع في دروبه. لا تعرف لمصيرك طريقا ولا مخرجا. تغيب عنك الدولة. لا توجيه ولا شيء قبل أن تصطدم بآثار ما ارتكبته الدولة في حقك حين خضعت لإملاءات مؤسسات المال الدولية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. هكذا كان حالنا.

سألني أبي رحمة الله عليه ذات يوم عن أجرتي. ابتسمتُ. قلت مازحا، مخفيا الحقيقة: "ستين آلف ريال". قال المسكين: "خيْر كثير هذا"... ضحكتُ، وقلت في نفسي كم أنت بسيط وعفيف يا أبي. أعطيتَ الدولة مواطنتك وصدقت مع المصدقين ظهور وجه الملك محمد الخامس في القمر وآمنت بضرورة عودته من منفاه وبالمقاومة من أجل ذلك، إلا أنك لم تطالبها بشيء. لا بل إنك لم تستوعب مفهوم الدولة حتى. لم تؤمن قط بجدوى بطاقة التعريف الوطنية التي نسيتها في ثنايا جلابيبك إلى أن انتهت صلاحيتها بسنوات وأعوام... لم نرث عنك لقب "مولاي" ولا "سيدي" ولا بقعا أرضية وهبتها إياك الدولة نظير مواطنتك. ورثنا عنك اسما عائليا وشخصيا أخطأ موظف الدولة في كتابته وشوه معالمه اللاتينية حتى لم يعد له معنى. ورثنا عنك شيبا، لكن كثيرا من أشياء أخرى لا تُعطى ولا توهب مع العطايا المجانية. فقط، جعلت أسرتنا تعرف بآيت الفقيه، لأنك كنت حافظا للقرآن، تلقنه أبناء المسلمين على اللوح وتعتاش على صدف الحياة والقليل مما يأتيك من البادية... لكنك، كنتَ تعرف المخزن حق المعرفة. كنت تعرف القايد والشيخ. تعرف القبيلة. لم تخذل الدولة قط. هي التي خذلتك. لماذا أذكرك الآن في مناسبة "خدام الدولة" هاته؟ لست أدري. ربما لأنني رأيتك ترحل دون أن تعرف أن كان لك حق في هذه الدولة التي تعطي غيرك ما لم تعطه إياك. أنت المواطن التي عشت على الكفاف والعفاف، وربما لأن فيك كل الآباء والرجال الذين انتموا إلى دولة دون أن تنتمي هي إليهم.

أما عني أنا ثانية، فقد عرفت الدولة. عاصرت مؤسساتها. نظامها. مخزنها. انتخاباتها. خبرت تعليمها قبل أن تطاله أيادي العبث. أذكر استفتاءاتها ودعوات المقدمين المبطنة بالتهديد إلى التصويت بـ "نعم". شاركت في انتخاباتها. قاطعت منها الكثير. رأيت وزراءها يتعاقبون البعض تلو البعض... عاينت تحولات وعقدت آمالا على بعضها... قررت أن أصير إيجابيا... أن لا أرى الجزء الفارغ من الكأس. اقتنعتُ بعديد أشياء لم تكن من قناعاتي. وجدتُني أساير الدولة في كل ما تريد ولا تسايرني في ما لي حق فيه. عاينت انسحابها من حياتي. من حياة أسرتي. من حياة أبنائي. وجدتُني أحمل ابني المريض إلى الطبيب الخاص. أعلمه في المدرسة الخاصة. أسافر به على سيارتي الخاصة. أحسن تكوينه عند الخواص. وأخشى عنه من جشع كل ما هو خاص. أخاف عليه من مستقبل خاص. كل شيء خاص. لم تعد الدولة راعية. تنصلت من مسؤولياتها دون أن تتنصل من شروطها علي. من ضريبتها علي... من قانونها التي تطبقه كيفما شاءت علي... من غراماتها علي في الطريق... تنصلت مما يعنيني ومصلحتي وراحتي ومستقبلي ومستقبل من هم في عداد محميي وأبقت على كل ما لها فيه من مصلحة... ورغم ذلك، لست من "خدام الدولة" بموجب مرسوم.

قالوا انتهى عهد "سيدي" والألقاب الشريفة والحقوق التي تعلو على كل الحقوق. استبشرنا خيرا. لكن، ها نحن نصنف – مرة أخرى- إلى "خدام الدولة" و... ماذا؟ لا أعرف من نحن الآخرون في هذا التصنيف. كتب صديقي على جداره الفيسبوكي أن ليس في الأمر إلا ألقاب قديمة وأن في القضية ترجمة سيئة لعبارة "Commis d’Etat" المستعملة حتى لدى الفرنسيين. قلت ربما. لكن الذي انكشف تعدى حدود الخطإ اللغوي إلى الخطإ في حق أمة بأكملها. أمة تتوق إلى زمن الكرامة والمساواة بين الناس. ليس الغرض هنا الدعوة إلى نصب المشنقة للمستفيدين من الريع. بل الغرض هو شنق الريع. فعلى هذا الوطن من يستحقون أن يكونوا مواطنين بكل حمولة اللفظ. لأنهم ببساطة شديدة خدام الدولة... كلهم.

تعليقات الزوّار (0)