مقررات التربية الاسلامية بالمغرب.. نحو تجاوز الانفصام و منطق {ما فرطنا في الكتاب من شيء}‎

السبت 6 أغسطس 2016
المصطفى الإسماعيلي
0 تعليق

AHDATH.INFO خاص - بقلم شادي عبد الحميد الحجوجي

بداية، لا بد من القول بأن مادة التربية الاسلامية بالمغرب، في مواضيع متعددة كما في مستويات مختلفة، تزخر بدروس قيمة، و لو أنها قليلة، يجب الاعتراف بالفضل لأهل الفضل، لكن وجب القول أيضا، بأن هذا ليس كافيا، و أن هناك عملا كبيرا يجب الاستمرار فيه، و هو تنقية المادة من كل ما لا علاقة له بالواقع المغربي و لا يتلائم معه، في هذا القرن، القرن 21 بالتقويم الميلادي، و القرن 15 بالتقويم الهجري.

لقدكان هناك دائما خلط بين التربية الاسلامية، و النصوص المقدسة عند المسلمين، و تم اعتبار أنهما نفس الشئ، في حين أن مقررات التربية الاسلامية، تم وضعها من طرف بشر، باختيارات بشرية، و مناهج بشرية، و فهوم بشرية، وبالتالي فهي ليست في نفس منزلة القرآن، وليست مثالية..

وفي خضم الحديث عن تغيير مناهج و مضامين هذه المادة في المغرب، سيكون من المهم التأكيد على أن التلميذ و الطالب، يجب أن يفهم من هذه المادة، أن القرآن الكريم، كتاب هداية فقط، ليس كتاب طب، و ليس كتاب هندسة، ليس دليل تكنولوجي، و ليس دراسة أكاديمية في الفضاء، و ليس بحثا في الفلك، كما أنه ليس مدونة سير لكل عربة بعجلات، و ليسا قطعا دستورا، لا للمسلمين و لا لغيرهم.

تحتفظ ذاكرتي بنموذجين، كنت أعتبرهما دائما، دليلا على العطب الذي أصاب عقول المسلمين بصفة عامة، الأميين منهم و المتعلمين، و الذي هو نتيجة "منطقية" للاستعمال المفرط من طرف الفقهاء و الوعاظ و الخطباء، ومن يختارون مواضيع مادة التربية الاسلامية، لما جاء في الآية 38 من سورة الأنعام: {ما فرطنا في الكتاب من شيء}.

المسلمون يرددون هذه اللازمة طبعا لتعظيم كتاب الله، لكنهم يجهلون أنهم يربون أنفسهم على الكسل بهذه الطريقة، و يجعلون عقولهم تقبل الخمول، كمصير أبدي.

النموذج الأول، هو لمسلم أمي، جمعتنا الأقدار في جنازة، و بصحبتي شباب من العائلة، وكان يردد {ما فرطنا في الكتاب من شيء}، كلازمة بعد كل فترة وحين، نحن نعرف أن في مثل هذه المناسبات، يحلو الحديث في الدين، و في خضم النقاش، قال صديق متحمس لقضية حوادث السير، أنه لو كان القرآن الكريم فيه كل شئ، لما كنا في حاجة لاصدار مدونة للسير بمئات الصفحات و عشرات الغرامات والأحكام بالسجن وباقي المقتضيات، فرد عليه الشيخ السبعيني المصر على {ما فرطنا في الكتاب من شيء}، و قال له : "كاع هاد القوانين ما عندنا ما نديرو بيها، راه الحديد صعيب ، و الله قال من زمان أن فيه بأس شديد، لاش علينا بشي مدونة، كلشي فالقرآن !!..".

بطبيعة الحال، و احتراما لشيبته، و لأجواء الحزن المخيمة، لم يرد أحد عليه، تبادلنا النظرات، و رمقنا في أعين بعضنا البعض، حزنا و قد تضاعف، خصوصا على الموتى الذين يعيشون بيننا، و ما أكثرهم..

النموذج الثاني، احتفظت به من كلية الحقوق، حيث كان طلبة من تيار الاسلام السياسي، يرفعون في مناسبات عدة، شعار "القرآن دستورنا".. و كنت أتسائل دائما كيف لانسان متعلم، و فوق هذا طالب في الحقوق، أن يعتبر القرآن دستورا ؟..

فالدستور توافق بين البشر، لا علاقة له لا بملائكة و لا بشياطين، ولا بقصص الأولين، و الدستور ينظم حياة المواطنين، و كتاب الله ينظم حياة من يؤمنون به، و شتان بين المواطن و المؤمن، فالمؤمن ليس دائما مواطنا اذا فضل الفتوى على القانون، و المواطن ليس دائما مؤمنا، و لا يشترط عليه الدستور هذا الأمر، و هذا الأخير ينظم مؤسسات حديثة، لم تكن أصلا زمن الوحي، فكيف لكتاب سماوي أن ينظم مؤسسات لم تكن عهد نزوله ؟.. أسئلة كثيرة كانت تدور بخلدي، و أكدت لي أن العطب في تفكير المسلمين، له علاقة أيضا بالتعليم، و من هنا ضرورة الانتباه لمادة التربية الاسلامية في مقررات الدراسة، لكن أيضا في "التربية الاسلامية" الأخرى، التي أصبحت بلارقيب في اذاعاتنا، و في بعض منابر مساجدنا، و التي تقول أي شئ، مادامت تغلفه ب.. سبحان الله..

من يختارون مواضيع مادة التربية الاسلامية "مهووسون" باقناع الطفل و المراهق و الشاب، بأنه {ما فرطنا في الكتاب من شيء}، رغم أنها مقولة انتزعت من سياقها، فحتى الله عز و جل لم يقصد بها ما يظن المسلمون أنها الغاية من قولها، فأنا اذا رغبت في معرفة النصاب في الزكاة، و اذا رغبت في معرفة كيفية الصلاة، فلن أجد هذه الأمور، على أهميتها، في كتاب الله، ومن هنا، فمن له حد أدنى من النباهة، سيعرف أنه اذا كان القرآن أصلا لم يقل كل شئ في الدين، فكيف يقول كل شئ.. في الدنيا..

ان القول أيضا بأن الناس قد اكتشفت مؤخرا فقط، أن بعض النصوص أصبحت متجاوزة، هو قول معيب، و غير صحيح معرفيا، و لا يصمد أمام مجهود صغير يمحص وقائع التاريخ الاسلامي، فعمر بن الخطاب رضي الله عنه قد اكتشف قبلنا، أن آية المؤلفة قلوبهم ، قد تجاوزها الواقع ، بعد أقل من خمس سنوات على وفاة النبي صلى الله عليه و سلم، فكيف بنا اليوم و نحن على بعد، ليس فقط خمس سنوات، و لكن على بعد خمسة عشر قرنا تقريبا من وفاة خير البرية صلوات الله و سلامه عليه ؟..

عمر رضي الله عنه لم يغير القرآن، هو فقط أوقف العمل بنص لم يعد الواقع يستدعي تطبيقه، كما فعل مع حد قطع اليد عام الرمادة، فلا تطبيق للحدود اذا انتفت شروط التطبيق..

لقد قلنا منذ سنوات خلت، بأن تدريس أحكام الجلد و الرجم و القطع و القتل اليوم لمراهقين في الاعدادي أو الثانوي، هو العبث عينه، ليس فقط لأن المغرب لا يطبق هذه الأحكام لانتفاء شروط تطبيقها، و لكن أيضا، لأن هذا الجيل مرتبط بالعالم الحر و قيمه عبر الفيسبوك و اليوتيوب و الفضائيات ، اضافة الى طبيعة مجتمعه القريبة من نمط عيش المجتمعات الغربية، و البعيدة عن نمط عيش قبائل العرب كما كانت في الجزيرة قرونا خلت..

هناك أحكام و مواضيع، مكانها هي مقررات الجامعيين المتخصصين الناضجين، جسديا و عقليا و نفسيا، لا مقررات تلاميذ في سن المراهقة، لم ينضجوا بعد لهكذا انفصام، بين واقعهم و الطرح النظري الذي يناقضه، لبعد المسافة بينهما.. الزمنية منها و المكانية..

تعليقات الزوّار (0)