عمر القزابري و التعري.. أو «العري» الفكري «الفاحش»

السبت 27 أغسطس 2016
المصطفى الإسماعيلي
0 تعليق

AHDATH.INFO – خاص - بقلم شادي عبد الحميد الحجوجي

 

في تدوينة نسبت الى الشيخ عمر القزابري، صاحب الصوت الندي الذي يمتعنا، تحدث إمام مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء، الذي صلينا وراءه أكثر من مرة، و ما فعلنا ذلك الا لتواضعه و دماثة خلقه و طيبته و ابتعاده عن الغلو و الخوض فيما يزرع الفتنة بين أبناء هذا البلد، عن موضوع لا يمكن أن يتم التطرق اليه بهذه الخفة، و لا بتلك المقاربة العنيفة الصادمة و الخارجة عن أي منطق يوافق العصر و العقل.

لقد صدمت فعلا من السطحية التي تناول بها الشيخ عمر القزابري الموضوع الشائك الذي عنونه ب"التبري من التعري"، و الذي استنكر فيه "التعري الفاحش" (كذا)، و توعد مواطنات مغربيات بنار جهنم، كما لو أن الأمر بهذه البساطة، و الحكم فيه بهذه الرعونة و الجهل.

"علم" عمر القزابري، و"زخرفه" في القول، لا يعني أنه يتوفق دائما في اختيار مواضيع "تدويناته"، و قد لاحظنا مؤخرا تحزبه و ميله لنصرة التيار الوهابي في المغرب، و هذا يتنافى مع منصبه كامام يصلي بجميع المغاربة، مهما كانت انتماءاتهم السياسية و الفكرية، كما أن تعليقاته بدأ يغلب عليها الطابع السياسي و المحرض على أطراف مجتمعية مغربية أخرى، أما رأيه فيما حصل في تركيا، فقد قدمه على أنه نصر للأمة الاسلامية (كذا)، في حين أنها لعبة جيوستراتيجية لنظام حليف لاسرائيل و لايران و سيعيد تحالفه مع بشار الأسد ليقمع الأكراد، تحت مظلة "الناتو"..

خطورة "رجال الدين" تكمن في أن كثيرا منهم يعرضون على الناس بضاعة مغلفة بالرحمة و باطنها العذاب، ظاهرها علم و باطنها جهل مركب، و هذا ما حصل مع التدوينة الفجة الأخيرة للشيخ عمر القزابري.

أولا اختيار "الشيخ" لحديث "الكاسيات العاريات"، ليس اعتباطيا، فهو بحكم سنواته في السعودية، تأثر بالجو "الفكري" العام في هذا البلد الذي "يحتفي" أيما احتفاء بكل ما ينتقص من النساء و يعنفهن و يقصيهن و يحبسهن و يحرمهن.. ثم يتوعدهن بالنار في الأخير..

ثانيا، "الشيخ" لم يسرد لنا الحديث كاملا، لأن الحديث "يتوعد" أصحاب السوط، و نحن نعلم أن "المطاوعة" في السعودية وفي غيرها أكثر الناس استعمالا ل"السوط"، كما أن الجلد، و هي عقوبة تبناها الاسلام، لا تتم الا به، يقول الحديث: ((صِنْفَان مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ. وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ. لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا)). (كذا)!..

هذا الحديث قاله اليهود قديما، و نقله كعب الأحبار الى أحاديث النبي صلى الله عليه و سلم ضمن الاسرائيليات، و أصله: ((مَالِي أَرَى فِي التَّوْرَاةِ صِفَةَ قَوْمٍ لَمْ أَرَهُمْ بَعْدُ؟ فُحَشَةٍ مُتَفَحِّشِينَ فِي أَيْدِيهِمْ سِيَاطٌ مِثْلُ أَذْنَابِ الْبَقَرِ، مِنْ أَهْلِ النَّارِ. مَالِي أَرَى فِي التَّوْرَاةِ صِفَةَ نِسَاءٍ لَمْ أَرَهُنَّ بَعْدُ؟ نَاعِمَاتٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مِنْ أَهْلِ النَّارِ)).

اذا كان هذا المضمون بهذه الصيغة، قد تناقله اليهود مئات السنين قبل بعثة النبي محمد، فالأكيد أنه ليس قائله..

ثم لنفترض جدلا أن الحديث "صحيح"، و أنه ليس مما نقله أبو هريرة عن كعب الأحبار من أحاديث اليهود، ما الذي يدفع "الشيخ" القزابري للاقتناع بأن الكاسيات العاريات في الحديث، هن "بالضبط"، ما يراه في القرن الواحد والعشرين في فصل الصيف، فصل الاستجمام و البحر و الشمس و التخفف من اللباس للرجال كما للنساء؟!!..

قال ابن العربي في شرح الحديث: «وإنما جعلهنّ كاسيات لأن الثياب عليهنّ، وإنما وصفهنّ بأنهنّ عاريات لأن الثوب إذا رَقَّ يصفهنّ، ويبدي محاسنهنّ..». قال القرطبي: «هذا أحد التأويلين للعلماء في هذا المعنى. والثاني: أنهنّ كاسيات من الثياب عارِياتٌ من لباس التّقْوَى الذي قال الله تعالى فيه: {وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ}. وقال ابن الأثير: معنى الحديث أنهن كاسيات من نعم الله، عاريات من الشكر..

في هذه التفاسير، و هي لعلماء دين أجلاء، و ليست ل"علمانيين دخلاء"، لا نجد فهما حصريا لمعنى كاسيات، و لا لمعنى عاريات، ولا ربطا للأمر بالضرورة باللباس بمعناه الذي نعرف، الا أن التفسير الذكوري الذي انتصر عبر القرون هو ما أعجب "الشيخ"، و أطربه..

بعد لفظ "كاسيات عاريات" يأتي تعبير "رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة"، فما هو معناه؟، وهل هذا "البخت" موجود فعلا في ثقافة لباس المغربيات؟، التعبير معناه أن النساء "يكبرن رؤوسهن بعمامة أوعصابة أو نحوهما"، ومعنى هذا أن النساء كاسيات، وشعورهن مغطاة بعمائم أو عصابات ملفوفة بطريقة تشبه أسنمة البخت أي سنام الإبل!!..

فالحديث هنا يتحدث عن نساء يغطين رؤوسهن بالعمائم و العصابات و يجب أن تكون مائلة لا مستقيمة (مائلة بأي مقياس؟)، و لا يتعلق الوصف فقط بظفائر الشعر العاري!!..

ان الأوصاف التي يحبل بها هذا الحديث هي ابنة بيئة صحراوية، حيث "أسنمة البخت"، و"سنام الإبل"، و مع ذلك يجد "فقهاء" الاسلام المختصون في النساء، تفسيرات تقريبية حتى يقولوا بأن معنى الحديث هو قصة الشعر الفلانية، طبعا دون ذكر حكاية العصابات و العمائم لأنها تفسد عليهم خطتهم..

ثم مابال هذا "الحديث" يتمعن في وصف الصور و الهيئات و قصات الشعر و لباس الموضة قديما و حديثا، فيما حديث آخر يفنده و يدحض منطقة؟

"إن الله لاينظر إلى صوركم وأجسادكم بل ينظر إلى أعمالكم وقلوبكم".. والمهم هو التساؤل الملح الآتي، اذا كان الرجل يزني و يدخل الجنة، و يسكر و يدخل الجنة، بل يمكنه أن يقتل و يدخل الجنة كما يفهم الارهابيون اليوم، فكيف لامرأة في شبابها أو مراهقة اذا تخففت من بعض ثيابها في الصيف، أن تدخل النار.. مباشرة ودون "نقاش" ؟!!..

ثم ان الخليفة عمر كانت له اماء مسلمات، و كان ينهاهن عن تغطية شعرهن، فهل كان يحجز لهن مقعدا في جهنم؟ و الإماء المسلمات عند علماء الاسلام عورتهن كعورة الرجل، من السرة إلى الركبة!!.. وبهذا المعنى، فالأمة المسلمة كاسية عارية، فهل ستدخل النار؟..

ثم لماذا "التركيز" على النساء في هذا الفصل، و غض الطرف عن "الرجال"؟ أليس هناك حديث "ما أسفل الكعبين فهو في النار"؟!!.. ل"التقصير"، و نحن نعلم موضة السراويل القصيرة لدى الذكور هذه الأيام، "التقصير" نعم!!.. ، لكن ليس لهذه الدرجة!!.. "المشكلة" أن هذه الموضة في "التعري" عند الذكور، لم يخبرنا بها كعب الأحبار!!..

كيف يفعل.. وهو "رجل"؟!!.. أليس كذلك "شيخنا" القزابري؟..

يقول لنا "الحديث" أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ير كاسيات عاريات، و نحن نعلم أنه عاش أربعين سنة قبل البعثة فى مكة، و نعلم أنه كان يرى الناس وهم يعيشون حياة "إباحية" تقريبا، و كانوا يقولون: ما كان أعلى الإزار فهو للخل، وما كان أسفل منه فهو للزوج، فهل يعقل أنه لم يشاهد "نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات" طوال أربعين سنة ؟!!..، و الناس أصلا كانت تطوف طيلة هذه العقود عرايا حول الكعبة ؟!!..

حديث "الكاسيات العاريات" ضعيف المنطق و المبنى و المعنى و فيه أخطاء نحوية و بلاغية يضيق الوقت لشرحها، و مع أنه موجود في موطأ مالك، الا أن الموطَّأ وقفه على أبي هريرة، فيما رفعه مسلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، و لمن لا يعلم، فالحديث الموقوف، ليس حجة لأمرين، الأمر الأول، ما كان للرأي فيه مجال -أي يمكن أن يقوله الصحابي عن اجتهاد- فهذا ليس بحجة، و الأمر الثاني، إذا علم أن هذا الصحابي كان يأخذ من كتب أهل الكتاب، و معروف أن أبا هريرة كان يجالس كعب الأحبار كثيرا، و أن الاسرائيليات انما دخلت أكثرها من هذا الباب، حتى أفسدت على المسلمين دينهم و نظرتهم للحياة.

يقول "الشيخ" القزابري بتنطع نأسف له، بأنه "ليس هو المتوعد بالنار، وإنما هو الرسول الذي لا ينطق عن الهوى". و القزابري هنا، كمثل الارهابيين الذين يقولون بأن الله هو من يأمرهم بالقتل، ثم يعطوك آية مبتورة من سياقها ليدلسوا عليك.. منطق سطحي للغاية، لا يليق بمن يؤم الناس في أكبر مسجد بالمغرب.. دع عنك الكلام عن "عشق البلد و حب الملك"، فذاك كلام لا اعتبار له وسط السعي للفتنة بين المواطنين و تحريض بعضهم على بعض، والقزابري يعلم أن أغلب متابعيه وعيهم ضعيف و علمهم أضعف، و قد يخرج منهم من يرتكب الحماقات، فتزهق أرواح، و تهرق دماء، بسبب تدوينة بلهاء..

على وزارة الأوقاف أن تعلم "الشيخ" القزابري و أمثاله، أن من يريد "نجومية" مواقع التواصل الاجتماعي، و المزايدة بالتدوينات، أي منها ستكون الأشد و الأكثر اثارة و متابعة و تهييجا للجموع، أن يتركوا مساجد المملكة و منابرها، و يتفرغوا للرسائل النارية.. و "أراك لجيم و جوبارطاج".. بعيدا عن وقار المنصب، و مستلزمات حياده عن المهاترات الفارغة.. و"تنواض العجاج"..

تعليقات الزوّار (0)