أحمد الدافري يكتب عن العبث بالمفاهيم

الأربعاء 31 أغسطس 2016
المصطفى الإسماعيلي
0 تعليق

AHDATH.INFO- خاص - بقلم: أحمد الدافري
من بين أهم القضايا شديدة الأهمية التي ينبغي أن يوليها التلفزيون المغربي اهتماما كبيرا لكي يمارس الخدمة العمومية الموكولة له على مستوى التثقيف بطريقة ناجعة، هي قضايا المعرفة العلمية المرتبطة بشؤون الدين. والسبب في ذلك هو التشويش الكبير الذي تمارسه مجموعة من الجماعات الإسلامية، سواء كانت سلفية أو تدعي الاعتدال، على هذه المعرفة. ولعل أبرز أوجه هذا التشويش، هو العبث بجملة من المفاهيم التي لا تتماشى مع أفكار وأجندات هذه الجماعات، وتقديمها للشباب على أساس أنها مفاهيم تمس بالدين وتقوض قيم المجتمع، ومن بين هذه المفاهيم، يمكن أن نشير إلى مفهوم العلمانية.
ولأخذ صورة عن بعض التشويه المعرفي الذي تمارسه الجماعات الإسلامية على مفهوم العلمانية، والذي يتبناه شبابنا بكل تلقائية، معتقدين أنهم يتبنون معرفة دقيقة، يمكن التأمل في تدوينة كتبها شخص مغربي في الفيسبوك، في إطار الجدل الذي أثاره ترويج وسائل الإعلام لصورة سيدة مهاجرة جزائرية، خيرتها عناصر شرطة بلدية مدينة نيس الفرنسية بين إزالة اللباس المسمى البوركيني، أو مغادرة الشاطئ، انضباطا لقرار كانت قد أصدرته بلديات مجموعة من مدن جنوب شرق فرنسا، فاختارت السيدة التخلي عن لباسها، والتخلي عن حريتها الفردية في الاختلاط مع أشخاص شبه عراة، تُحرّم العقلية الإسلاموية المتطرفة الاختلاط بهم. التدوينة، تقول :  "هؤلاء المحللون المغاربة يسمون أنفسهم علمانيين، والعلمانية بريئة منهم. فهي كلمة مشتقة من العلم، والعلم كلمة أوروبية لا يفقهون فيها شيئا. فالجاهل لا يمكن اعتباره عالما، لأنه لم يخترع شيئا. فهم يدعون أنهم علمانيون لكي يثبتوا علمهم بواسطة الكلام الفارغ، والتبعية للمجتمعات المتحضرة، فيصبحون ما هم مغاربة ولا هم فرنسيون، كاللقلاق الذي يحاول تقليد مشية الحمامة، فيصبح دجاجة علمانية". ورغم محاولتنا تشذيب لغة هذه التدوينة، وتصحيحها شكلاً لكي تنضبط لقواعد التعبير العربي السليم، فهي تبدو صادمة من حيث المحتوى. فقد انتقلنا من خلالها من مفهوم العلمانية ذي الأصل الغربي، الذي يعني تنظيم المجتمع من خلال فصل الكنيسة عن الدولة، وتنحية الكنائس عن كل منصب يسمح لها بممارسة سلطة سياسية أو إدارية، وبالخصوص، سلطة تنظيم الإدارات، والتدخل في المقررات الدراسية، إلى مفهوم جديد للعلمانية، يعبر عن القصور المعرفي الفظيع الذي يُعاني منه بعض المغاربة الذين يحاولون الانخراط في نقاشات كبرى، وهم لا يحملون من أسلحة علمية ومعرفية سوى ما يقبع في أذهانهم من مفاهيم مشوهة ومغلوطة، حيث تم هنا إرجاع كلمة العلمانية إلى العلم، علماً أن العلمانية هي ترجمة رديئة لكلمة اللائكية (laïcité) الفرنسية، ولا علاقة لها بمفهوم العلم، وعلماً أن الجماعات الإسلاموية تروج للعلمانية على أنها مرادفة للإلحاد والزندقة، في الوقت الذي تنص فيه قوانين الدول العلمانية، بما فيها تركيا التي ينظر الإخوان المسلمون إلى نظامها السياسي نظرة الإعجاب، على حرية المعتقد الديني، وحماية ممارسة الطقوس الدينية في الأماكن المخصصة لها.
التدوينة المُشار إليها، وعدد كثير من الكتابات الأخرى المشابهة التي نجدها في مواقع إلكترونية أو في صحف ورقية، تعبّر عن انحسار خطير في المستوى العلمي ببلدنا، يحتاج الإعلام المغربي المسؤول أن يعالجه، ويتصدى له، وإلا فإن المصير سيكون كارثة.

تعليقات الزوّار (0)

أحداث ميديا آرت