الشطبي يكتب: وتُلعب المسرحية مرة ومرات...

الخميس 29 شتنبر 2016
المصطفى الإسماعيلي
0 تعليق

AHDATH.INFO- خاص - بقلم: سعيد الشطبي

said
فجأة يصبحون بسطاء. يغادرون مكاتبهم. يستعيدون صحتهم. يتخلون عن ادعاءات تعب العمل ووعكات السكري والكلي والمفاصل. يستعيدون شهية الشباب. تصبح معدتهم قوية بمحرك ديزل ألماني جديد. تطحن كل شيء... الهندية، البيصارة، الشفنج، التقلية... لا يهم. الزمن ليس زمن الكياسة. لا يهم أن يتخلوا عن توصيات الأطباء والحمية والتحذير من الإفراط في أكل الدهنيات والسكريات والأملاح... يكفرون بالماء المعدني فجأة. يشربون ماء الآبار في القرى... وماء «الكراب» في الأسواق. لا يهم أن تتبلل أقمصتهم بالعرق. لا يهم أن تطالها البقع الوسخة. لا يهم أن يمدوا أيديهم للبسطاء. لا يهم أن تكون الأكف التي يقبضون عليها في مصافحتهم للأهالي نظيفة. حسبُهُم أن يسلموا فقط. أن يبينوا للناس أنهم هاهنا. أنهم مثلهم بشر. أنهم يأكلون وبشربون ويتغوطون مثل كل الناس. آدميون... يعلنون في الناس أن ما يقال فيهم ما هو إلا إشاعات. ينصحونهم بأن لا يصدقوا كلام البهتان عنهم. ينشرون بيانات الحقيقة بينهم. يعانقونهم. تقترب الأجساد من بعضها البعض. والأنفاس أيضا. يشمون بعضهم البعض. لا عطر الآن. الآن: لحظة البساطة. النزول إلى درك الناس... الإنصات إليهم.
فلتسقط الإيديولوجيات. فلتسقط النظريات العلمية. فلتمت الكتابات التاريخية. طز في ماركس وترهاته. طز في كل من كتب عن الطبقات الكادحة وصراع الطبقات والمادية التاريخية... ما هذه؟ طلاسم؟ ألغاز؟ أي نعم...كلام فارغ قيل وكُتب في زمن قديم. الآن لم يعد لها موجب وجود.
لا يهم أن ننسلخ عن هوياتنا الثقافية. إذا وُجدت. لا يهم أن نتحدث بلغة النفاق السياسي. لا يهم أن نتبدل. أن نتغير. أن ندور كما تدور الأرض. كما تدور رؤوس جميع الناس. الرأس التي لا تدور «كدية»، يقول لسان الناس.
يضعون القبعات على الرؤوس. لا يهم المنظر. المهم أن يرى الشعارَ- الرمزَ الناسُ. أن ينغرس في ذاكرتهم. أن لا ينسوه. الصورة أو الرمز أقوى على الانغراس في الذاكرة الجاهلة، التي لا تقرأ، التي لا تميز الحروف... التي تُركت لتبقى كذلك. تُركت لمثل هذه المناسبات. هنا والآن يحتاجون إلى الذاكرة الفارغة إلّا من كلام محفوظ مكرور يومي عن همّ الأكل والشرب ورعاية الأطفال والمدرسة والنقل والاستشفاء والخوف من جبروت السلطة المحلية... أسماء الأحزاب؟ أسماء الزعماء؟ ما ذا فعلوا ومن أين جاؤوا؟ بمَ يعدون؟ برامجهم؟ محاسبتهم؟ إحراجهم؟... عمَّ تتكلم أنت؟ لا يهم كل هذا. لم يرشد القوم بعد. ما زالوا قاصرين عن سن الوعي. تلزمهم أضعاف عمرنا المقاس بسنوات الإثني عشر شهرا. تلزمهم، ربما، أعوام ضوئية حتى يبلغوا سن السؤال. ليسوا مستعدين بعد للرشد. دعوهم صغارا. قاصرين.
بسطاء هم، هؤلاء الذين تلعب أمامهم اللعبة نفسها إياها في كل «نوبة» ولا يتذكَّرون... أو تراهم ينافقون. يتظاهرون بالنسيان، وهم العاقلون. مهما يكن، هم بسطاء في نهاية المطاف. لو لم يكونوا كذلك لما رسموا لهم في كل مناسبة الرسم نفسه ونالوا عنه العلامة الكاملة. المسرحية نفسها يلعبونها أمامهم. الممثلون لا يتغيرون. الديكور واحد. الأضواء واحدة. الكومبارس أنفسهم لا يتبدلون إلا من قضى نحبه. ورغم ذلك، ينجحون في الإخراج والتمثيل وفي كل شيء. يعرفون أن الذاكرة تنسى. يعرفون أن هموم الناس أخرى وأنهم، في النهاية، لا يكترثون لمن سيصل إلى القبة ولا لمن سيحتل مقعد الجهة أو الجماعة. الأمر صار سيان بالنسبة إليهم. تراهم أذكياء إذن؟ ربما... لأن التظاهر بالجهل والغباء يكون من شيم الذكي أحيانا... تلك طامة أخرى. ذلك وبال عظيم. أن تترك الجمل وما حمل، وتنصرف إلى همّك، وتتحمل مصيرك بنفسك من غير إدراك لما لأولئك الناس من واجب وما لك من حق عليهم... ففي ذلك اعتداء كبير على نفسك.
المهم أن المسرحية لا تحتاج إلى تغيير ما دامت تصلح لكل الناس وفي كل مناسبة. لا نغير الحصان الرابح. وصفة معروفة لها مفعولها السحري بين أقوام تبني مواقفها فقط على إن كنت تقول لها «السلام عليكم» كلما صادفتها أو لا... يقولون «تا هذاك ما تيقول تا السلام عليكم»... هكذا يصنفونك.
ثلاث دقات... ينفرج الستار. تشتعل الأضواء. مبهرة غير خافتة. يطل البطل من الزاوية. يصفق الحضور. ينحني البطل احتراما. يشرع في الخطبة. يصفق الحضور ثانية وثالثة ورابعة وخامسة... التصفيق صار من شخصيتنا الطبيعية. يبتسم البطل. يحيي الحضور. يمثل دور البسيط. ابن الشعب. الذي يأكل كل شيء مثل الشعب. يجلس إلى أفراد الشعب في المقاهي، في الحارات، في الحمامات، في الدكاكين. يشرب الشاي الأحمر في كؤوس عليها بصمات أصابع البسطاء. يحتسي البطل البيصارة وعينه على عدسة المصورة. يأكل الإسفنج، يصافح المريض، يعانق البئيس، وفي الأخير يعرج على حجام الحي ليقص شيئا من شعره غير مبال – هذه المرة- لا بنظافة المقص ولا الشفرة ولا المكان... هو الذي تبدو عليه آيات النظافة مذ حبا في هذا الحياة... هو الذي لم يعتد الكلام بالدارجة إلا قبل أعوام قليلة، يسيرة... هو الذي يتباهى بتمثيله لحي شعبي في مدينة عمالية بامتياز رغم نزوحه من قاع عتيق.
ويواصل البطل اللعب على الخشبة. حيله في لعبه كثيرة. السياسة، الأخلاق، الدين، الشعبوية، الكلام الخشبي... كل الحيل قابلة للاستعمال. والحيلة الدينية أكثرها استغلالا وأثرا على الحضور. يبكي البطل. ينتحب حتى. لا تعز دموع الرجال لحظة التمثيل. يبكي البطل بلا حرج ولا ضيق. كلوا الرجولة أنتم أيها الرجال. اشبعوا رجولة. يفتي البطل. يربط التصويت عليه بالواجب الديني المفضي إلى الحور العين على صراط مستقيم. يتوعد البطل المخالفين بأوخم العواقب. يلعب لعبة لي العنق. والحضور يصفق. تنتهي المسرحية. يصفق الحضور. تنطفئ الأضواء في انتظار الموسم الموالي.

تعليقات الزوّار (0)

أحداث سياسية