مدير مركز الأندلس للدرسات وحوار الحضارات عبد الواحد أكمير: موقف إسبانيا من قضية الصحراء المغربية صار خاضعا لمقاربة استراتيجية

الخميس 13 أكتوبر 2016
المصطفى الإسماعيلي
0 تعليق

AHDATH.INFO – خاص - حاوره عبد العالي دمياني

 

مدير مركز الأندلس للدرسات وحوار الحضارات عبد الواحد أكمير قال إن الجارة الشمالية ترفض قيام كيان وهمي يهدد أمنها الاستراتيجي

 

* تشهد فرنسا منذ ما يقرب من عقدين سجالا حادا حول الإسلام والمسلمين وقيم الجمهورية، وقد بلغ اليوم هذا السجال أوجه بإجراءات منها إنشاء مؤسسة "إسلام فرنسا".

** في فرنسا صدر قانون العلمانية عام 1905، وهو القانون الذي يفصل الدين عن الدولة، وبالتالي فالدولة لا تتدخل في الشأن الديني لا إيجابا ولا سلبا؛ ولا تساهم في تمويل المؤسسات الدينية أو في تسييرها. هجرة المسلمين إلى فرنسا بدأت كما نعرف منذ أكثر من مائة سنة، أي قبل الحرب العالمية الأولى. وكان المهاجرون الأوائل من الجزائر ثم من المغرب فتونس... كانت هجرة أناس يفكرون دائما في العودة، ولم تكن هناك حاجة لمأسسة الشأن الديني، والدليل أن مسجد باريس الكبير والذي شيد عام 1926، أسس بقرار سياسي وليس بتأثير من الجالية المسلمة التي لم تكن تُلفت الانتباه إليها كأقلية دينية، وكانت أمورها الدينية تعتبر شأناً غير عمومي، وفي الكثير من الأحيان  كان  المهاجرون يعودون  إلى أرض الوطن في المناسبات الدينية مثل رمضان وعيد الأضحى لقضاء إجازتهم السنوية وليس في العطلة الصيفية. كان الدين إذن مرتبط بالوطن وليس بالمهجر الذي كان يعتبر دار غربة. لكن ابتداء من مطلع السبعينيات، ومع الأزمة التي مست أوروبا والمرتبطة بأزمة البترول تغيرت الأوضاع، حيث وضعت البلدان الأوروبية عراقيل على الهجرة، وصدرت قوانين بهذا الصدد منها قانون التجمع العائلي. وقد  فتح ذلك الباب للزوجة والأبناء للالتحاق بعائلهم، وهذا أدى إلى ظهور الجيل الثاني المزداد بفرنسا.

أبناء هذا الجيل هم من الناحية القانونية مواطنون فرنسيون، لأن فرنسا تعمل بما يسمى الأرض وليس الدم، أي أن كل شخص ولد على أرض فرنسا فهو فرنسي. من هذا المنطلق يرفض الدستور الفرنسي مفهوم الأقليات أو الجاليات. والمواطنة حسبه يشكلها الانتماء إلى أرض فرنسا وإلى الثقافة الفرنسية، وليس إلى أقلية عرقية أو دينية. لكن هنا يجب التنبيه أن هذا يبقى في الكثير من الأحياء محصوراً في المستوى النظري، لأن الواقع هو شيء آخر؛ فالشبان الفرنسيون المتحدرون من أصول مسلمة، يحسون في الكثير من الأحيان أن لهم مواطنة قانونية ولكنهم لا يتوفرون على  المواطنة الاجتماعية، وذلك بسبب ما يعانونه من إقصاء يقودهم إلى الفشل بأشكاله المختلفة. وهو فشل يساهم فيه بشكل كبير طبيعة البنية الاجتماعية التي ولدوا وتربوا فيها؛ فثقافتهم في البيت عربية مسلمة وفي الشارع والمدرسة أوروبية، وهو ما يجعلهم يعيشون ازدواجية الشخصية وازدواجية الثقافة التي ليس من السهل خلق تجانس بينها، وكل هذا  يترتب عنه فشل في الدراسة وفي الحصول على عمل ومن ثم في الاندماج. وفي ظل هذه الأزمة السوسيولوجية والنفسية والثقافية، لا يبقي أمام هؤلاء الشبان في الكثير من الأحيان  إلا الدين الذي يلتجؤون إليه باحثين فيه عن هويتهم، والحقيقة أن الأمر لا يتعلق بممارسة دينية سليمة بقدر ما يرتبط بالتدين، وبالرغبة في إبراز الاختلاف مع مجتمع لا يعترف بهم. وفي هذا الإطار أعتبر أن قضية الحجاب والبوركيني، واطلاق اللحية وارتداء اللباس الأفغاني بالنسبة للرجال، ظواهر اجتماعية وثقافية أكثر منها عقائدية.

إن فرنسا بإعلانها عن إنشاء "مؤسسة إسلام فرنسا" تحاول أن تجد مخرجاً لمعضلة مسلمي فرنسا، وقد أصبحت تقول إنها لا تريد أن تجعل الإسلام الفرنسي مرتبطا بالخارج. ولكن الإسلام الفرنسي فشل لحد الآن في العثور على هويته للأسباب التي ذكرت لك بعضها. فرنسا ترغب في إسلام فرنسي خالص، ولكن عند العودة إلى الاتفاقيات التي وقعتها مع بلدان المغرب العربي أو مع بلدان إسلامية أخرى والتي تهم مجيء الأئمة والشأن الديني بشكل عام، يظهر الخلل، حيث إن هذه الاتفاقيات لا تأخذ بعين الاعتبار خصوصية فرنسا أو ما يسمى بالإسلام الفرنسي.

في تقديري سيكون مهماً أن يتأقلم الإسلام مع واقعه، لأن الاسلام ديانة كونية تتجاوز المكان، يمكن أن يكون هناك إسلام فرنسي بل وإسلام أوروبي، كما هناك إسلام إفريقي وإسلام عربي وإسلام أسيوي يأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الثقافية لكل منطقة. الشرط الوحيد هو أن يحترم هذا الاسلام الفرنسي أو الأوروبي ثوابت العقيدة، ويحترم ما يوجد في الآيات المحكمات، وما دون ذلك يفتح فيه باب الاجتهاد الفقهي، في إطار ما يسمى بفقه الأقليات والذي أراه شبه غائب لحد اليوم في أوروبا، أو يتحدث عنه أناس إما لهم خطاب يحاولون من خلاله استرضاء أصحاب القرار في البلدان الأوروبية، أو أناس لهم خطاب قديم لا يمكن أن يساير واقع أوروبا الحداثية الليبرالية التي ترفض ما يسمى بالمطلق وتتشبث بالنسبية في كل شيء. ويكفيك الاستماع إلى بعض ضيوف القنوات الفضائية العربية والفرنكوفونية لتصل إلى هذه الخلاصة. ولكن هنا لا أريد أن أسقط في التعميم، فهناك دائماً استثناءات، أعتبرها شخصياً حاملة لواء تجديد الخطاب الديني الإسلامي.

 

* أين يكمن وجه الاختلاف بين النموذج الفرنسي و النموذج الإسباني؟

** النموذج الإسباني مغاير لكل النماذج الأوروبية وليس فقط للنموذج الفرنسي. الإسلام في إسبانيا لم يرتبط بالمهاجرين. عندما نتحدث عن الإسلام في فرنسا نربطه بالمغاربيين، وفي ألمانيا بالأتراك، وفي بريطانيا بالباكستانيين. أما في إسبانيا فإنه يرتبط بالإسبان أنفسهم؛ فالهجرة إلى إسبانيا حديثة، وإلى حدود انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، كانت تُصدر الهجرة ولا تستقبلها. كانت إسبانيا شبه محسوبة على إفريقيا، وكان بقية الأوربيين يقولون إن حدود قارتهم تنتهي عند جبال البرانس. إذن الإسلام ارتبط في البداية بقلة قليلة من الإسبان حافظت على ديانتها في الخفاء، أي أن الإسلام لم يختف مع طرد الموريسكيين لأن نصف هؤلاء بقوا في البلاد وانعزلوا في مناطق نائية حتى لا يلفتوا الانتباه، وحافظوا علي تقاليدهم الإسلامية على مدى قرون. وكانت محاكم التفتيش تطاردهم، وحتى لما اختفت محاكم التفتيش لم تكن هناك قوانين خاصة بالحرية الدينية. شخصياً تعرفت على عدد من هؤلاء المسلمين الذين مارسوا التقية، وقد زار أحدهم وهو المستعرب "رودولفو خيل بني أمية" مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات قبل وفاته بقليل، وألقى محاضرة حكى فيها أنه في مرحلة الديكتاتورية، كان على غرار مسلمين آخرين يمارس التقية، وكان هو وأمه ووالده يؤدون الصلاة دون أن يلفتوا انتباه أحد، وكان والده يؤمهم ويبدأ الصلاة بالتبريك مردداً "لبيك الله ما لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك".

مع عودة الديموقراطية، عرف الإسلام في إسبانيا صحوة غير مسبوقة، وقد حرص دستور 1978 على التعددية ليس السياسية فقط وإنما الدينية كذلك. وفي إقليم الأندلس وحده اعتنق الآلاف الإسلام. وعادوا إليه كعقيدة وحضارة في نفس الوقت، وبذلك تبنوا مفهوما كان قد ظهر في بداية القرن الماضي، وضعه من يعرف اليوم بأب الوطن الأندلسي، وهو "بلاس إنفانتي"، وهو مفكر قومي اعتنق الإسلام في عشرينات القرن الماضي، وقد أعدمه الديكتاتور فرانكو عام 1936 وكانت آخر جملة تلفظ بها قبل إعدامه هي "عاشت الأندلس حرة". ومن جملة أفكاره أن أندلس القرن العشرين تستمد خصوصيتها ومرجعيتها من الحضارة الأندلسية الإسلامية. هذه الأفكار التي تم الاستناد إليها لتأسيس حزب سياسي بعد عودة الديموقراطية، هو  "الحزب الأندلسي" الذي كان له نواب في البرلمان الإسباني والبرلمان الأوروبي، كما تولى عمودية عدد من مدن إقليم الأندلس، وكان عدد من أعضائه على الديانة الإسلامية. بعض هؤلاء عندما أتحدث معهم اليوم عن فقدان الأندلس، يقولون لي هذه الأمور ربما تحسون بها أنتم أما بالنسبة لنا فالأندلس هي إسبانيا وإسبانيا هي الأندلس، فنحن مسلمون في بلادنا ولم نفقد شيئاً. هذه هي خصوصية الإسلام الإسباني. وهؤلاء هم الذين فرضوا على الدولة الإسبانية توقيع اتفاقية 1992 التاريخية، والتي جاءت لتصحيح نقض هذه الدولة لاتفاقية 1492، التي وقعها الملكان الكاثوليكيان مع آخر ملك مسلم في إسبانيا. الإسلام مكون من مكونات الهوية الإسبانية.  وقد سبق هذه الاتفاقية قانون لا يقل أهمية هو قانون 1989، الذي يقول إن الإسلام ديانة متجذرة في إسبانيا.

 

* وماذا عن دور المهاجرين المسلمين، الذين يحتل المغاربة المرتبة الأولى بينهم؟

**التحديات أمام الجالية المسلمة ليست اجتماعية فقط وإنما ثقافية كذلك، فالشأن الديني يعرف تشعباً كبيراً، بحيث هناك الإسبان المسلمين، وهناك المهاجرين، وهناك أبناء المهاجرين الذين ولدوا بإسبانيا، وهم مواطنون إسبان ولكن في نفس الوقت أصولهم مهاجرة. المهاجرون المغاربة يشكلون الأغلبية كما قلت، ولكن بجانبهم هناك المشارقة والأفارقة والأسيويين. وداخل كل مجموعة هناك اسلام يختلف في بعض مظاهره عن اسلام المجموعة الأخرى، وكذلك داخل كل مجموعة هناك المعتدلين ومن هم أقل اعتدالاً، وكل هذا يعقد الشأن الديني، بحيث لم يتم لحد الآن الوصول إلى توافق يرضي الجميع.

وبالإضافة إلى الشأن الديني هناك مشكل آخر ثقافي يمس الجالية المسلمة هو قضية التربية والتعليم. في الوقت الحاضر يوجد في المدرسة العمومية الإسبانية أكثر من مائة ألف تلميذ مسلم يعانون مشاكل بالجملة، من بينها تلقينهم اللغة العربية والديانة الإسلامية، فرغم أن اتفاقية 1992 ضمنت هذا الحق للجالية المسلمة، فإن ذلك لا يطبق، بدعوى النقص في المؤطرين. ولا يتجاوز اليوم عدد المعلمين في المدارس العمومية الإسبانية الذين يطلعون بهذه المهمة ستين معلماً، في حين أن الطلب يقدر بعشرات الآلاف. وبسبب هذه النقص يلتجأ بعض الآباء إلى مدارس خاصة قد لا تلقن التلاميذ إسلاماً يمثل العقيدة الصحيحة التي تدعوا إلى الوسطية. والذي يعقد الأمر أكثر هو أن اللجنة الإسلامية في إسبانيا المشرفة على الشأن الديني، والممثل الرسمي للمسلمين أمام السلطات الإسبانية، تعيش انقسامات عميقة على المستوى المؤسساتي، بسبب الخلافات بين الفدراليتين الرئيسيتين اللتين تشكلانها.

 

* رغم أن المغرب يحتل المرتبة الأولى من حيث عدد المعاهد الثقافية الإسبانية في الخارج إلا أنه يرتهن، باستثناء الشمال، للأفق الفرنكفوني، لم هذا الإحجام عن التجاوب مع الفعل الثقافي الإسباني؟

** إسبانيا لها اليوم 22 معهدا لتعليم اللغة الإسبانية عبر  العالم، منها 11 معهدا في المغرب، أي 50 في المائة من المجموع. وهذا له دلالة؛ فالبلد الأول في العالم غير الإسبانوفوني من حيث المتحدثين بالإسبانية هو الولايات المتحدة الأمريكية، تليها البرازيل، وكلاهما يتجاوز عدد سكانه سكان المغرب بكثير، ويأتي في المرتبة الثالثة المغرب. وبالإضافة إلى المعاهد التعليمية المخصص للأطفال، هناك معاهد ثرفانتيس المخصصة للكبار، التي يبلغ عددها بالمغرب ستة، أي المرتبة الثانية بعد البرازيل. لكن أهمية البعثة الثقافية الإسبانية في المغرب، لا تعود فقط إلى العدد، وإنما إلى تجذرها التاريخي، بحيث يفوق عمرها مائة سنة. ومع ذلك فهذا لا يرقى إلى قوة وتجذر الثقافة الفرنسية. أولا لأن المغرب وجه نظره بشكل كامل بعد الاستقلال إلى فرنسا، وهذا نجم عنه لوبي فرنسي مسيطر بشكل كبير على الثقافة والتعليم. وأعطيك مثلا واحدا؛ عندما عدت حاملا شهادة دكتوراه من جامعة "كومبلوتينسي" بمدريد منذ أكثر من ربع قرن، لم يتم الاعتراف بها مع أنها أهم جامعة في إسبانيا، وبقيت سنة وأنا أشتغل بالجامعة دون أن يكون هناك اعتراف إداري بشهادتي، وكان علي أن أقوم بإجراءات إدارية كثيرة حتى تتم معادلة الشهادة. إذا قمت اليوم بإحصاء لأصحاب المناصب العليا من التقنوقراط وحتى السياسيين المغاربة الذين درسوا بالخارج، ستجد أعلى نسبة منهم من المتخرجين من الجامعات الفرنسية وأن عدد المتخرجين من الجامعات الإسبانية محدود جداً.

 

* ماذا يخسر المغرب بإدارة ظهره لهذا الأفق الإسبانوفوني الممتد حتى أمريكا اللاتينية؟

** يخسر الكثير، إسبانيا هي رابع قوة اقتصادية بأروبا، وواحدة من أهم مراكز الثقافة والبحث العلمي في العالم، وهناك مجالات مثل الطب والهندسة الالكترونية وهندسة الطرق وإدارة الأعمال متطورة جداً. وسأعطيك مثال معبراً، إذا قمت ببحث في الانترنت، حول معاهد الماركيتينغ التي تحتل المراتب الأولى على المستوى الأوروبي، ستجد "معهد إدارة الأعمال" في مدريد في المرتبة الثانية أو الثالثة حسب السنوات، وإذا واصلت البحث عن جنسيات الطلبة به، ستجد أنهم ينتمون إلى أكثر من ستين بلد، ولكن إذا بحثت عن عدد الطلبة المغاربة به، فإنهم لا يتجاوزون رؤوس الأصابع، علماً أن مثل هذه المدارس تفتح أفاقاً واسعة للتعاون الاقتصادي بين البلدين، خصوصاً إذا علمنا أن إسبانيا هي الشريك التجاري الأول والشريك الاقتصادي الثاني للمغرب. نفس الشيء يقال عن تخصصات أخرى، مثل الطب؛ فجامعة "نفارا" ومستشفاها الجامعي قطعا أشواطاً بعيدة جداً في مجال البحث العلمي المتعلق بعلاج السرطان، حيث تقارن بكبريات الجامعات الأمريكية، ولكن التعاون معها لا يرقى إلى مستوى التعاون الذي قد نجده مع الجامعات الفرنسية.

 

* اللغة والثقافة الإسبانية لا تقتصر على إسبانيا وإنما تمتد إلى بلدان أمريكا اللاتينية حيث هناك جهل كبير بها بمشكلة الوحدة الترابية للمغرب؟

**هذا الجهل هو الذي جعل عدد من بلدان أمريكا اللاتينية تعترف بالبوليزاريو. وبشكل عام يمكن أن نميز في موقف بلدان أمريكا اللاتينية من ملف الصحراء، ثلاث مجموعات، الأولى لم يسبق لها أن اعترفت بالبوليزاريو، وهي مقتنعة بالطرح المغربي كما أن أهمية معاملاتها الاقتصادية مع المغرب تجعلها ترى بأن مصلحتها هي الإبقاء على موقفها كما هو، على رأس هذه البلدان هناك البرازيل والأرجنتين. المجموعة الثانية تضم بلداناً سبق لها وأن اعترفت بالبوليساريو، لكنها سحبت اعترافها مثل البيرو وكولومبيا والبراغواي. والمجموعة الثالثة تضم بلداناً لا زالت تعترف بالبوليزاريو، أهمها تنتمي إلى ما يسمى بالتحالف البوليفاري، وهو تحالف تقوده فنزويلا وكوبا وبوليفيا ونيكاراغوا. هذه البلدان ليس لها أي استعداد لسحب اعترافها، لأن سبب دعمها للبوليزاريو تحركه دوافع إديولوجية، فخطابها لا زال ينتمي إلى مرحلة الحرب الباردة. غير أن الأنظمة القائمة بها والتي تسمي نفسها "اشتراكية القرن الواحد والعشرين"، تعرف اخفاقات مستمرة اقتصادية وسياسية، ولعل أبلغ مثال هو فنزويلاً وهي أكبر خصوم المغرب في أمريكا اللاتينية، فالمظاهرات الشعبية التي تطالب بعزل الرئيس "مادورو" لا تتوقف، بحيث نظمت خلال الشهر الجاري وحده ثلاث منها، وصل عدد المشاركين في إحداها حوالي مليوني شخص. وهنا أظن أن زوال هذه الأنظمة والذي لن يتأخر في تقديري، قد يخلق استعداداً أكبر لدى هذه البلدان لتفهم أكثر موضوعية لقضية الصحراء.

 

* رغم كثافة المعاهد التعليمية والثقافية الإسبانية بالمغرب يكاد الإسبان يجهلونه. يمكن الاستشهاد بخوان غويتيصولو، الذي يقول "عدم المعرفة بالمغرب في إسبانيا يبدو لي أمرا غير عادي وغير مفهوم، لأن المغرب بلد قريب جدا". كيف تفسر هذه المفارقة؟

** أفسرها بمقولة تاريخية كان يقولها فيلسوف إسباني في بداية القرن العشرين اسمه "أورتيغا إيغناسيت": "إسبانيا هي المشكلة، أوروبا هي الحل". كانت إسبانيا التاريخية ترى أن حل مشاكلها يكمن في التوجه إلى أوروبا، ولم تكن تريد الالتفات إلى الجنوب، بل كان يقال وهذا تؤكده الوثائق التاريخية الإسبانية: "العدو يأتي دوما من الجنوب". كل هذه الأمور تنتمي إلى مرحلة تاريخية أصبحت متجاوزة اليوم. "خوان غويتيصولو" يعبر عن حالة تصنيف تميز المجتمع الإسباني، الذي هو إما مع الإسلام أو ضده، مجتمع لا يعرف موقف وسط بخصوص علاقته بالإسلام؛ الذي مع الثقافة والحضارة العربية الإسلامية يعتبر تاريخ الإسلام وما يرتبط به جزءا من تاريخه وهويته هو، أما الطرف الآخر فيتصور بأن الإسلام هو عدوه. هذه النظرية تجاذبت الأوساط الأكاديمية ومع الأسف سقط فيها الساسة واستعملوها كإيديولوجية. تجاذب بين أولئك الذين يتبنون ما يسمى بمفهوم القومية الكاثوليكية ونظرية عبقرية العرق، التي وضع أسسها  "مننديس بيدال" و"كلاوديو سانشيز ألبورنوث"، وممن تبنوها "خوصي ماريا أثنار" رئيس الحكومة السابق. هؤلاء ينظرون إلى المغرب بعيون العداء، ولم يستطيعوا تطوير تصورهم، ليكون موازياً  للتحولات الاستراتيجية التي عرفها العالم. في المقابل هناك اتجاه يأخذ بمفهوم "التاريخ المشترك" بين المسلمين والإسبان،  ويقول مثلاً إن دولة بني أمية التي أسست الخلافة في الأندلس هي دولة إسبانية، بل وهي السلالة الملكية التي حكمت أطول مدة في إسبانيا. مفهوم "التاريخ المشترك" هو الرسالة التي نريد إيصالها في مركز دراسات الأندلس وحوار الحضرات، لأنه هو الكفيل بتنقية التاريخ من ظواهر التلوث التي لحقت به. وقد نظم المركز منذ سنوات في مالقا مهرجانا لمدة ثلاثة أسابيع لم يكن موجها للجامعة والأوساط الأكاديمية وإنما إلى الجمهور الواسع، وقد تميز بعروض في الموسيقى الأندلسية ومعارض للطبخ والألبسة ومسرح الأطفال؛ كان الهدف تصحيح المغالطات التي كرسها كتاب معاصرين من أمثال "سيرافين فانخول"، الذي حقق مؤلفه "إسبانيا في مواجهة الإسلام" نسبة مبيعات عالية.

 

* تعج وسائل الإعلام والتواصل الإسبانية بصور وتعابير العداء العنصري تجاه المغرب، إلى اليوم لم تزل عبارة المورو تستعمل على نطاق واسع خصوصا في لحظات الأزمة. وهنا استشهاد بغويتيصولو الذي قال "من الصعب محو مثل هذه الأوصاف التي كرستها الكنيسة والنزعة القومية الكاثوليكية واليمين الإسباني والمرتبطة بشبح التهديد الذي يمثله المورو". هل يتعلق الأمر بفوبيا متأصلة؟

** بكل تأكيد هي فوبيا متأصلة، ولهذا أقول بأن الإسلاموفوبيا قبل أن تظهر في أوروبا ظهرت قبل ذلك بقرون في إسبانيا، أي منذ طرد الموريسكيين في القرن السابع عشر، بسبب خوف وهمي من تحالف الموريسكيين مع العثمانيين والسعديين والعودة لاحتلال إسبانيا. وثمة كتاب معبر لباحث إسباني اسمه "إلوي مارتينيس" بعنوان "صورة المغاربي في إسبانيا" يتضمن العديد من الأمثال الشعبية التي احتفظت بها الذاكرة الجماعية الإسبانية، والصور الكاريكاتيرية، أقواها تلك التي ترمز إلى من يسمى ب "El moro malo" "المورو الشرير". وبما أنه تقع أحداث تاريخية من حين لآخر تحرك ما هو نائم في المخيال الجماعي، فإن هذه الصورة لم تختف، وقد حدثت في القرن العشرين العديد من الوقائع التي حركت أشياء موروثة من القرون الماضية، مثل الحرب الأهلية الإسبانية ومشاركة المغاربة فيها بكثافة (حوالي 80 ألف)، وحرب الريف التي قتل في معركة واحدة منها هي أنوال أكثر من 10 آلاف جندي إسباني، وأحداث إليخيدو التي طارد فيها سكان تلك البلدة، المهاجرين المغاربة واضطروهم إلى الفرار إلى الجبال، وتفجيرات مدريد الإرهابية. وهنا أستحضر حكاية معبرة؛ في مارس من عام 2004 نظم مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات ندوة داخل قصر الحمراء، وقد تزامن الحدث مع تفجيرات مدريد الإرهابية. لفت انتباهي وجود مجموعات كبيرة من تلامذة المدارس مع أساتذتهم في رحلة للقصر (يزوره سنويا مليونا سائح، و33 ألف تلميذ)، اقتربت من مجموعة منهم وسألت "كيف كانت الزيارة؟"، فقال لي طفل في حدود العاشرة من عمره "زيارة مملة"، سألته عن السب فقال لي بأنه لم يجد المسلمين، أخبرته أنهم يعيشون بأعداد كبيرة في إسبانيا، فرد علي أنه يعني المسلمين الذين يلبسون العمامة ويركبون الخيل وليس المسلمين الذين يضعون المتفجرات في القطارات..!

علينا ألا ننسى أيضا أن المغاربة والمهاجرين العرب بشكل عام الذين يصلون إلى إسبانيا ليسوا كلهم مثاليين، فتصرفات بعضهم تدفع إلى أخذ موقف سلبي من الجميع، وهنا نجد أن العنصرية كردة فعل قد تأتي أحياناً من شخص غير عنصري. هناك كذلك صعوبة العلاقات المغربية الإسبانية وتشعبها، وهو ما ينجم عنه أحياناً فتور بين المغرب وإسبانيا يجعل المواقف في الشارع تصبح في بعض الأحيان راديكالية.

 

* ما هو دور البرامج التعليمية في تكريس مثل هذه الصور العدائية ضد الإسلام والعرب والمغاربة؟

** البرامج التعليمية هي كل شيء، ما يأخذه الطفل في طفولته يبقي معه طول حياته. أعرف الكتاب المدرسي الإسباني وأعود إليه باستمرار، خصوصا كتب التاريخ والمواطنة، والحقيقة أني ألمس في الكتاب المدرسي الحالي بعض التحول الإيجابي ونوعا من الإنصاف مقارنة بالمقرر الدراسي قبل ثلاثين أو أربعين سنة حيث كان يتضمن تحاملاً على المغرب والإسلام. وكانت هذه الكتب في الكثير من الأحيان خاضعة لمراقبة الكنيسة والنظام الديكتاتوري المتعاطف معها. الآن عندما تعود إلى الكتاب المدرسي الإسباني تجد فيه مثلا فصلا عن الأندلس، وتجد قراءة جديدة لحروب الاسترداد مختلفة تماماً عما كان عليه الأمر في الماضي. في عهد فرانكو مثلاً كان الكتاب المدرسي الخاص بالتاريخ، إما يزيف الحقائق التاريخية، أو بكل بساطة يقفز على ثمانية قرون، هي فترة حكم المسلمين، كأنه لا تاريخ.

 

* هل يمكن التأسي بتجربة الحزب الاشتراكي الإسباني الذي عوض المقرر الديني بمقرر المواطنة؟

** "مادة المواطنة" اعتمدتها كل الدول الأوروبية بعدما أقرها الاتحاد الأوروبي، وذلك عندما أدرك الاتحاد أن القيم التقليدية أصبحت متجاوزة. كانت هذه القيم قائمة على التاريخ الوطني والوحدة الوطنية والعرق الواحد. إلا أن الهجرة غيرت كل شيء وصارت المجتمعات الأوروبية متعددة الأعراق. لذلك تم اعتماد القيم الكونية مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان وتكافؤ الفرص، كأساس لتدريس مادة المواطنة، وأصبح الشعار المدرسي هو "لنتعلم كيف نعيش معا حتى نعيش معا". مع الأسف المشروع لم ينجح في إسبانيا وتم إلغاؤه، وذلك لأسباب متعددة منها حسابات إقليمية ترتبط بنفوذ القوميات التاريخية في أماكن حكمها، وسيطرتها على قطاع التعليم؛ فالكتاب المدرسي في كاتالونيا مثلا تضعه حكومة الإقليم، وهو يتضمن تفسيرات راديكالية معادية لإسبانيا نفسها، مثل القول:  "إن نهر "إيبرو" ينبع من كتالونيا ويصب في بلاد غريبة" (يقصد إسبانيا)، أو أن اللغة الكتلانية هي الجواز الوحيد الذي يضمن الرفاهية للإقليم. والأمر لا يختلف كثيراً عن ما يتضمنه الكتاب المدرسي في إقليم الباسك.

في المغرب وغيره من والبلدان العربية المسلمة حان الوقت كذلك لإدراج مواضيع لها علاقة بالهجرة والتعددية في الكتاب المدرسي. لقد تحول المغرب من بلد يصدر الهجرة إلى بلد يستقبلها كذلك، وهذه الهجرة في تزايد، وهي تقدر اليوم بعشرات الآلاف، ربما يتجاوز عدد المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء وحدها، بمن في ذلك غير الشرعيين، 80 ألف. صحيح أن هذا الرقم هو أقل عشر مرات من عدد المهاجرين المغاربة في إسبانيا، ومع ذلك لابد من أن يركز الكتاب المدرسي على قيم التعددية، بحكم أن المهاجرين الأفارقة سيسجلون أبنائهم في  المدرسة العمومية المغربية لأن أغلبهم لا يتوفر على الامكانيات المادية لتسجيلهم في المدارس الخاصة، لذلك لامناص من الأخذ بعين الاعتبار أن هذا الطفل قادم من ثقافة وعرق وديانة مختلفة. وأنا أدعو من منبر "الأحداث المغربية" أن تكون هناك لجنة من الخبراء تضم رجل الدين المتفتح وعالم الأنثروبولوجيا ورجل السياسة والاقتصاد والتربية لوضع برامج تراعي التحولات التي يعرفها المغرب في هذا الصدد.

 

* وصف سامبريرو، الذي يحتفظ للمغرب بكل أنواع الهجاء، سبتة ومليلية بأنهما مدينتان تحتضران وذلك في تحقيق أورد فيه أن نسبة الهدر المدرسي في صفوف المغاربة تصل 80 في المائة وأن نسبة البطالة تفوق 75 في المائة، مما يجعلهم مرشحين نموذجيين للتطرف الديني. ألا يشكل التعامل مع المدينتين السليبتين نموذجا مصغرا لسياسة التمييز الممارسة في إسبانيا؟

**الكثير من الأمور التي يقولها سامبريرو غايتها الإثارة أكثر من أي شيء آخر ، لذا فهي تفتقد إلى المصداقية، مثلما هو الحال في كتابه الأخير "إسبانيا الله" والذي يتحدث فيه عن أماكن التطرف الديني الإسلاموي في إسبانيا بالنسب المئوية وكأن الأمر يتعلق بعملية إحصائية دقيقة للسكان. الأمور بالطبع ليست بالطريقة التي يزعمها هو، وهذا ما وضحته في برنامج تلفزيوني حول الموضوع قمت فيه بالرد على هذا الكتاب. لكن بالنسبة لما أوردته في سؤالك حول وضعية المغاربة في سبتة ومليلية، أظن أن فيه بعض الصحة، وقد وقفت على تلك الوضعية في دراسة ميدانية يتضمنها كتابي عن الجالية العربية في إسبانيا. فمن بين كل دفعة من التلاميذ المغاربة الذين يدخلون المدرسة سنوياً، فقط ثلاثة أو أربعة هم الذين ينهون جميع أسلاك التعليم ويصلون إلى الجامعة دون أن يكرروا أية سنة دراسية ودون أن يغادروا المدرسة في سن مبكرة، وهنا ربما نجد أنفسنا أمام واحدة من أعلى نسب الهدر المدرسي في العالم؛ بعبارة أخرى الأطفال المغاربة في سبتة ومليلية لا ينتهون بالفشل بل يبدؤون به.

بخصوص الشق الثاني من سؤالك، أظن أن قضية التمييز السلبي بأشكاله المختلفة هي أعلى بكثير في سبتة ومليلية مما هو عليه الحال في بقية إسبانيا. إن أحياء المغاربة في المدينتين هي غيتوهات عرقية بكل معنى الكلمة بحيث لا يقطنها غيرهم. إننا حيال جدار برلين من نوع آخر؛ جدار ثقافي واقتصادي واجتماعي وسيكولوجي. في هذه الأحياء تطغى الأمية ويتفشى الإجرام وتجارة المخدرات وتبييض الأموال، وهي أمور تساعد على تفريخ التطرف الديني، وتجعلها على فوهة بركان. والخلايا الإرهابية الكثيرة التي يتم تفكيكها في المدينتين دليل على الفشل، وكما نعرف فإن أقصى درجات الفشل هو الإرهاب. وأنا أرى أن التعاون بين المغرب وإسبانيا بخصوص المدينتين هو ناجح على المستوى الأمني، لكن ليس على نفس المستوى من النجاح بخصوص الملفات الأخرى، لذا أظن أنه قد يكون من المفيد التفكير في استراتيجية شمولية تهم الاندماج الاجتماعي والاقتصادي والتأهيل الديني والمجال التربوي.

 

* وأي دور تلعبه اللجنة التي تم تشكيلها بين المغرب وإسبانيا؟

**إذا كنت تقصد لجنة ابن رشد والتي تشكلت منذ عدة سنوات، فهي لم تقدم لها الإمكانيات اللازمة، لذلك لم تظهر نتائجها؛ وأظن أنها لا تزال موجودة لكنها شبه مجمدة. أما إذا كنت تقصد خلية التفكير التي دعا الحسن الثاني رحمه الله لإنشائها، فكانت الغاية منها هي تقديم مقترحات بخصوص مستقبل سبتة ومليلية، لكن اسبانيا تحفظت دائماً على قبول لجنة من هذا النوع، وكان الحسن الثاني بحسه الاستشرافي يقول إن المغرب يجب أن يستعيد سبتة ومليلية لما  تستعيد إسبانيا جبل طارق. هذا النوع من القناعات نجده في الوقت الحاضر حتى عند بعض السياسيين الإسبان، بل وألف أحدهم وهو "ماكسيمو كخال" وكان مستشاراً لرئيس الحكومة السابق ثباتيرو، كتاباً يتبنى هذا الطرح، عنوانه "أين تنتهي حدود إسبانيا". إن المدينتين لا يمكن أن تبقيا مستعمرتين إلى ما لانهاية، لأنه هذا يتنافى مع الصيرورة التاريخية. وفي الوقت الحاضر أماكن قليلة جداً في العالم هي التي لازالت لها وضعية شبيهة بالتي للمدينتين.

 

* ما هي ركائز السياسة الاستراتيجية الخارجية لإسبانيا مع المغرب، خصوصا مع توقع وصول حزب بوديموس، الذي أعلن أنه إذا ما صعد إلي الحكم سيعترف بالبوليزاريو؟

** هناك أربع ركائز تصنع السياسة الإسبانية تجاه المغرب هي: الاقتصاد، الأمن، الثقافة، ثم ملف الصحراء. كل واحدة من هذه الركائز ضرورية، وهذه الخلاصة هي التي انتهى إليها كذلك التقرير الاستراتيجي السنوي الذي يضعه أهم مركز للتفكير الاستراتيجي في إسبانيا وهو "المعهد الملكي الكانو" الذي يرسم السياسة الخارجية الإسبانية. التقرير شارك فيه أكثر من مائة خبير، من بينهم عدد من وزراء الخارجية السابقين، وقد صادق عليه مجلس الوزراء الإسباني في أكتوبر الماضي، أما خلاصته فهي أن "المغرب بلد محوري وأساسي في السياسة الخارجية الإسبانية" وهو يأتي مباشرة من حيث الأهمية بعد الاتحاد الأوروبي. هذا التقرير عندما يتوقف عند قضية الصحراء يقول بصريح العبارة إنه "ضار جدا بإسبانيا أن يُشَكّل في الصحراء كيان من بضع آلاف من الأشخاص لأنه سيكون مكانا لتفريخ الإرهاب".

بخصوص كلام زعيم بوديموس "بابلو إغلاسياس"، والذي يقول إنه سيعترف بالبوليزاريو إذا وصل إلى الحكم، يجب توضيح مجموعة من الأمور، على رأسها أن وصوله إلى السلطة هو أمر مستبعد جداً، فبدون تحالفات لا يمكنه أن يحكم، لأنه لم ولن يحصل على العدد الكافي من الأصوات، وقد تراجع حزبه بأكثر من مليون صوت عندما تمت أعادة الانتخابات في شهر يونيو الماضي، وإذا ما تمت إعادتها للمرة الثالثة في ديسمبر المقبل كما هو متوقعاً، فسيتراجع أكثر كما تؤكد استطلاعات الرأي. أما بخصوص مشاركته في حكومة ائتلافية فهو مستبعد كذلك بسبب خطابه الراديكالي، وخصوصاً بسبب مطالبته بتنظيم الاستفتاء في كتالونيا، وهو ما يجعل حتى أحزاب اليسار مثل الحزب الاشتراكي ترفض التحالف معه. أنا أصنف كلامه في خانة الشعبوية الانتخابية التي تخاطب شريحة من المجتمع الإسباني، هي التي تجهل بشكل كامل عمق قضية الصحراء، وتسلم بالدعاية التي تقودها بعض وسائل الاعلام وبعض المنظمات غير الحكومية المعادية للمغرب. أظن أن إسبانيا تعي اليوم أكثر من أي وقت مضى أن مصلحتها الحقيقية هي مع المغرب وليس مع أطراف أخرى، ولن تغامر أية حكومة بتعكير صفو العلاقات معه. وأعطيك مثالاً معبراً؛ في الوقت الحاضر هناك ألف شركة إسبانيا موجودة في المغرب، ولكن هناك 20 ألف شركة موجودة في إسبانيا ولها معاملات تجارية مهمة مع المغرب، ورقم معاملاتها، يتجاوز سبعة ملايير يورو في السنة، وفيها يعمل عشرات الآلاف من الإسبان، وكل من سيتحمل المسؤولية السياسية في إسبانيا يعي بذلك، ويعي بأن قضية الصحراء عليها إجماع المغاربة، لذا لن يقبل أحد من أصحاب القرار في إسبانيا بما يذهب إليه زعيم بوديموس، لأن ذلك بكل بساطة فيه مس بالمشاعر الوطنية للشعب المغربي.

تعليقات الزوّار (0)