النقوش الصخرية تعكس عراقة الحضارة الصحراوية

السبت 20 ماي 2017
النجار
0 تعليق

أكادير:

انعقد بأكادير خلال  الاسبوع الماضي  الملتقى الوطني للفن الصخري بالمغرب، وكان مناسبة للاستماع إلى بحوث ومداخلات مجموعة من الباحثين المتخصصين من المغرب وفرنسا وإيطاليا. الهذف منه كما أعلن المنظمون يكمن في تحسيس المسؤولين والمواطنين بأهمية هذا الموروث الوطني الممتد على مساحة كبيرة  تنطلق من الصحراء لتصل فكيك بالمغرب الشرقي عبر مجالات درعة تافيلالت والرشيدية.

الملتقى تخلله معرض للنقوش الصخرية والرسومات، يستمر خلال ما تبقى من شهر ماي  في استقبال مئات الزوار بقاعة غرفة التجارة والصناعة بأكادير، حيث كان مناسبة ليتعرف جمهور عريض من الحضور على جغرافيا النقوش الصخرية بالمغرب، وليقف على أهمية هذا الموروث بالصحراء المغربية التي تعد امتددادا لتحركات الإنسان عبر تخوم زمية سحيقة عبر الصحراء  وصولا عبر الجنوب إلى النيجير ومالي. كما كان مناسبة لتكريم شخصيات كان لها وزن كبير في الالتفات بشكل متأخر لما لهذا التراث من أهمية بعدما ظل حتى السنوات الأخير مجرد أحجار منقوشة متناثرة، لا قيمة لها.

الملتقى كان لحظة اعتراف لخمسة  رجال، أكد المنظمون أنهم ضحوا بالوقت أو بالمال للفت الانتباه لهذا الموروت،  ويأتي في مقدمتهم الباحث أندري سيموني الذي كلف من قبل "وزارة الشؤون الثقافية" سابقا لإنجاز جرد شامل لكل مواقع النقوش الصخرية سنة 1977 فأصبحت البحوث المنجزة من قبله مرجعا لكل الباحثين.

" ريتشار وولف " ثاني شخصية مكرمة نظرا للمجهودات الفردية التي بذلها للكشف عن هذا التراث والبصمات العلمية التي تركها للباحثين. كما تم تكريم عبد الله العلوي مدير مديرية الثرات الوطني بوزارة الثقافة باعتباره، من الباحثين الجادين لتوثيق هذه الذاكرة، ومن أوائل مؤسسي الجمعية المغربية للفن الصخري.

الإمام دجيمي الفنان الصحراوي المقيم بأكادير  ثالث شخصية مكرمة باعتباره أول من خاض حملة تحسيسة توعية لجماية المواقع والمنشآت الصحراوية من كل اشكال التدمير الذي تعرضت له خلال عقود طويلة، سلك التوعية بريشته ولوحاته، كما باللقاءات والندوات الصحافية التي عقدها للفت الانتباه لما تتعرض له مواقع بالصحراء للتدمير من قبل شركات البناء، ومن قبل مهربين أجانب لهذه الثروات
.
عبد الخالق المجيدي الأستاذ بمعهد الآثاثر والتراث، الملكف بالمركز الوطني للفن الصخري الذي يوجد مقره بأكادير كان رابع مكرم في هذا اللقاء العلمي الكبير لما اسداه للفن الصخري من خدمات انطلاقا من موقعه الوظيفي.  خبر جغرافيا الفن الصخري من إقليم الساقية الحمراء حتى حدود فكيك.

الصحراء المغربية مهد النقوش الصخرية

الفن الصخري والنقوش الصخرية حظيت في هذا اللقاء بنصيب الاسد على اعتبار أن الأبحاث العلمية تشير بأن الصحراء المغربية شكلت البداية. سيدي محمد بيبا الذي حضر الملتقى الوطني بأكادير المكرم الخامس يشغل رئيسا لجمعية ميران لحماية الآثار والمستحثات بالسمارة، يعود له الفضل في التعريف بهذا التراث بهذا الإقليم، اكشتشف 57 موقعا أثريا بالساقية الحمراء، وكان سباقا للتنبيه إلى ما تتعرض له المواقع الأركيولوجية من تخريب وتدمير من بينها موقع عصلي الريش بجماعة سيدي احمد العروسي بإقليم السمارة الذي كان تحت مرمى عمليات تخريب بالسمارة سنة 2013  وكان دور هذه الجمعية حاسما في لفت انتباه السلطات والدولة بصفة عامة لمكانة هذا الموقع، فاتخذت بشأنه جملة إجراءات حازمة سيأتي الحديث عنها.

ملتقى  أكادير الأول كان بحسب الامام دجيمي المشرف عليه مناسبة للكشف عن مجموعة من الأبحاث الميدانية حول الفن الصخري ومستجداته، إلى جانب المواقع الحديثة الاكتشاف.

ومن بين هذه المواقع " بريكة سلوان" بالساقية الحمراء الذي يضم آلاف النقوش الصخرية والرسوم الصباغية، تناوله الاستاذ الباحث المصطفى الحمري بالبحث والتحليل بدقة عالية بحكم الابحاث التي يجريها هناك في إطار اطروحة لنيل الدكتورا.
يرى الباحث أن موضوعات  النقوش والرسوم والأدوات الحجرية تختلف أركيولوجيا بالصحراء عن مواقع أخرى مثل درعة والاطلس الكبير وفكيك، حيث كانت البداية بالصحراء من خلال موقع " تازينة" بالجزائر، وتؤكد المعطيات، أن  النقوش الصخرية بهذا الربع ابتدأت بمرحلة القناصين المتنقلين، ليأتي التدجين كمرحلة ثانية بظهور " البقريات"، يبدو ذلك من خلال رسوم ونقوش تكشف عن مشاهد قيادة الابقار أو الركوب عليها، وتدجينها بهدف تكثيرها، هذا المؤشر يضيف الباحث يحيل على مرحلة للاستقرار التي تعود لحوالي ستة آلاف سنة قبل الميلاد.
المرحلة الثانية بالصحراء كما تكشف النقوش يشير المصطفى الحمري، تخص مرحلة الخيول والفرسان والعربة، لتأتي مرحلة ثالثة سميت بالمرحلة الليبية الأمازيغية التي تؤشر عن ظهور الكتابة الليبية القديمة والأسلحة المعدنية.
النقوش والرسوم بالصحراء يؤكد الحمري تحيل على أن المنطقة عرفت في السابق تمركزا بشريا قادما من الشمال ومن الجنوب، ما يؤشر عن وجود ثقافة صحراوية وثقافة متوسطية شمالية تمكنت من الانصهار  الذي يتأكد من خلال التنوع والتعدد المجالي للمجموعات البشرية الذي خلق تنوعا إثنيا.

قساوة المناخ تعمل على تدرج النقوش نحو الشمال

يستنتج الباحث المصطفى الحمري أن المناخ لعب دورا حاسما في الحياة، من خلال عيش الإنسان بالصحراء داخل مناخ رطب أساسه الاستقرار الذي تكشف عنه رسوم الغزلان والضباء والدلافين والزرافات، قبل أن تقسو التغيرات المناخية على المكان والإنسان، فكانت الهجرة نحو درعة والأطلس الكبير باتجاه فكيك ، وقبيل  هذه الرحلة بحثا عن الاستقرار يؤكد الحمري كانت مرحلة الجمل آخر محطة بالصحراء وتكشف عن قساوة الظروف التي لا يمكن أن يتلاءم معها سوى هذا الحيوان.
تدرجت النقوش من الصحراء إلى درعة والأطلس الكبير باتجاه فكيك وتكشف بهذه المناطق عن ظهور معطيات جديدة من بينها استعمال المعادن والخزف والسيراميك الذي يحيل على ثقافة الادخار الحديثة العهد.
الصحراء المغربية غنية بمواقع أثرية أخرى من بيتها موقع الغشيوات المكتشف نهاية سنة 2009 يضم أزيد من أربعة آلاف نقش صخري بجماعة أمكالة بإقليم السمارة، وموقع طاطا الذي يضم 130موقعا أركيولوجيا، ومواقع زاكورة  وحوز مراكش..

النقوش الصخرية الوثيقة للصامتة لحضارة الصحراء

وزارة الثقافة يؤكد الفنان التشكيلي الإمام دجيمي انتبه إلى هذا الموروث فقامت خلال آونة الأخيرة بمجهودات كبيرة لحمايته من خلال إنشاء محافظات بكل موقع، ووضع حراس عليها، إلى جانب وضع خارطة وصورا بهذه المحافظات لتمكن الزوار والسياح من الاطلاع عليها.
الفن الصخري يحبل بمعطيات تاريخية ، ويعتبره المصطفى الحمري الوثيقة الصامتة الوحيدة التي يمكن أن نستقرئ من خلالها التاريخ بمنطقة الصحراء، تحيل على الانسان والمجال، والعوامل والمتغيرات المناخية كما تحيل على نمط عيش الانسان ومعتقداته الدينية.
من أجل ذلك يؤكد الإمام دجيمي بأن وزارة الثقافة أوفدت فريقا من الباحثين الإسبان إلى الصحراء لاستقراء تاريخ الفن والإنسان بهذا المكان بشكل علمي وذلك بالرجوع إلى عصور سحيقة تعود إلى 12 ألف سنة قبل الميلاد، وكانت وزارة الثقافة انتبهت مند سنة 2010 لأهمية النقوش والرسوم فوقعت اتفاقية شراكة مع  المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمنتخبين والجميعات المهتمة بالفن الصخري على أساس حماية حماية هذه المواقع، وكانت الاتفاقية تجسيدا  للقاء وطني عقد يومها بالرباط. الغجراءت تم بعدما قامت شركات بتخريب هذه النقوش فتحولت أرصفة المدينة وتم طحت بعضها لتصبح أحجارا صغيرة صالحة للبناء، وبعد اكتشاف أن مهربين أجانب حولوا نقلوا هذا التراث بشكل سري إلى خارج الوطن.

تعليقات الزوّار (0)