قراءة في كتاب :"المرأة في الأمثال الحسانية  رْزَقْ لَمْرَ تَحْتْ كايْمَتْهَ" لابراهيم الحيْسَن

الأحد 9 يوليو 2017
محمد البوزيدي
0 تعليق

بداية فإن مثل *رْزَقْ لَمْرَ تَحْتْ كايْمَتْهَ*  الوارد في عنوان الكتاب  يقصد به أن رزق المرأة تحت فخذها، ويستطرد في عدم إلزامية خروج المرأة بحثا عن الرزق، بخلاف الرجل الذي يعاب عليه المكوث طويلا بالبيت لذلك تأتي تتمة المثل *ورْزَقْ ارًاجَلْ تَحْتْ كَدْمُ* أي رزق الرجل تحت قدمه..

صدر هذا الكتاب الجميل سنة 2013 عن مركز الدراسات والأبحاث الحسانية بالعيون ،وقد قدمت له الأستاذة  الموريتانية مباركه بنت البراء التي أكدت أن علاقة مؤلفه ذ ابراهيم الحيسن بالصحراء ظلت علاقة تواصل وانتماء ،تمتد عبر الزمان والمكان ،تحقيقا للذات وتأصيلا للهوية ،مما جعله يسعى من خلال بحثه الدؤوب الكشف عن تجليات هذه الذات، متتبعا مساراتها عبر فضائها المفتوح ،وراسما في كل مرة ملمحا من ملامحها ،ومحددا بعدا من أبعاد صورتها .

كما بينت أن الكتاب يكتسب وجاهته من ناحيتين:
الأولى : سعة مدونة الأمثال الحسانية والتباسها باليومي والمعيش،خاصة أن المثل مكون من مكونات الهوية الصحراوية، يختزن الكثير من مبادئها الأخلاقية وقيمها الإنسانية وأنماطها السلوكية ، ويكشف عن نية مبيتة في استجلاء صورة المرأة الصحراوية في أغنى وأشمل مدونة.
والثانية:  وعيه بما للمرأة الصحراوية من حضور جعلها تأخذ مساحة معلومة في التقاليد المروية ذلك أن خصوصية المرأة الصحراوية - والتي تشكل استثناء بالمقارنة مع مثيلتها في العالم الإسلامي- ، تجعل منها موضوعا ذا بال يستحق التوقف والدرس.

كما أبرزت أن هذا الكتاب لا يقف عند حدود التعريف بالمرأة وملابسات حياتها المحدودة ،وإنما يتعدى ذلك إلى نطاق أوفى وأشمل عن المجتمع الصحراوي بقيمه الأخلاقية ونظمه التربوية وعاداته وتقاليده ،وعقائده وأساطيره  كما أنه يمثل قراءة في عالم الصحراء بكل غناه وتنوعه ،خاصة أن الحيْسَن رجل سكنته الصحراء وألهمته وظلت تحدوه دوما إلى اكتشاف سرها الغامض وجمالها العصي ومافتئ يواصل حفرياته في تراثها بحثا وتوثيقا وتحليلا.

وقد قسم الكاتب مؤلفه إلى مقدمة وثلاثة فصول:

ففي المقدمة حدد أسباب نزول الكتاب، والدراسات التي سبقته في نفس الموضوع كما حدد منهجيته المتمثلة في الانطلاق من دراسة ميدانية تطلبت منه الرجوع للرواة من كبار السن في مدن صحراوية مختلفة، وتفريغ الحصيلة واستنتاج نتائج عملية لدراسة الأمثال.

أما في الفصل الأول المتعلق بالمفهوم والاصطلاح فتوقف ذ الحيْسَن عند دلالة المثل لغويا واصطلاحيا باعتباره تراث لامادي تتوارثه الشعوب بكيفية متواترة وفقا لتاريخها وخصائصها الاجتماعية والثقافية والعقدية، انطلاقا من مراجع مختلفة وتعريفات علماء قدامى ومعاصرين،كما استفاض في الحديث عن الأمثال الشعبية الحسانية باعتبارها دستور العامة مفصلا في مميزاتها و مقاصدها المختلفة وخصائصها المتنوعة .

أما الفصل الثاني المتعلق بمكانة المرأة داخل المجتمع الحساني التي تحظى فيه بمكانة متميزة بالمقارنة مع المجتمعات الإسلامية الأخرى انطلاقا من الأدوار التي تلعبها في مجتمع الصحراء، والتي استفاض فيها الباحث. فهي تنافس الرجال في ميادين ومجالات ظلت حكرا عليه لردح من الزمن لدرجة أن بعض النساء الصحراويات كن يرافقن أزواجهن خلال الحروب ويشاركن في القتال .

كما توقف الباحث عند عملية  لَبْلُوحْ/التبلاح وهي تأهيل وإعداد الفتاة للزواج من طرف أمها ضمن شعائر وطقوس غذائية محلية تجسد امتثال جسد الأنثى لقيم وعادات القبيلة عبر تزيينها وتسمينها وتوجيهها وشحنها بالنصائح وإخضاع كل تحركاتها للمراقبة انطلاقا من أن بدو الصحراء عرف عنهم حبهم للغلظة والسمنة والامتلاء والثقل في أعضاء جسد المرأة مفصلا في طريقته والمواد المستعملة فيه ومقارنته ماضيا وحاضرا .ومدللا على مدى حضور العملية في المجتمع عبر جرد العديد من الأمثال في هذا الإطار.مختتما الفصل بجرد خرافات وأساطير حول ولادة المرأة وتمثل المجتمع لذلك.

الفصل الثالث : المرأة في الأمثال الحسانية جرد فيه الباحث هذه الأمثال موزعة على 13 بابا موزعة على تيمات مختلفة، فتارة يدعو بعضها إلى القوامة وتفوق الذكورة، إلى جانب أخرى تدافع عن المرأة وتبرز قيمتها ودورها الوظيفي داخل المجتمع (صورة المرأة ومنزلتها   الزوجة والزوجية  النساء والمشاعر تجاه الأبناء  النساء مواصفات محمودة النساء )، فضلا عن ذلك يحتوي الكتاب على أمثال شعبية تحذر من مكائد النساء وأفعالهن الشيطانية المؤسسة على الكذب والشر والخداع والبلاء. (مواصفات مذمومة.. التحذير من النساء وأفعالهن الشيطانية  القوامة الذكورية في مواجهة سلطة النساء . تشبيه المرأة بالحيوانات) و بشكل عام قصص أمثال النساء.

وقد قدم الباحث هذه الأمثال التي تجاوزت 300 مثل بمنهجية جيدة تعتمد تقديم المثل في صيغته الأصلية مع ضبطه بالشكل التام، ثم شرحه وتقريب معناه للمتلقي بلغة عربية فصيحة، وجرد بعض الأبيات الشعرية الحسانية والعربية الفصيحة التي تقرب المعنى للمتلقي والتعريف ببعض المصطلحات ذات العلاقة بالمثل .

وانطلاقا من هذه الدراسة الميدانية القيمة خلص الباحث إبراهيم الحيْسَن إلى توصيات عدة يأمل تنزيلها على أرض الواقع وهي  :

  1. مضاعفة الاهتمام بمأثورات القول الحساني عموما (حكم /أمثال /أساطير/ شعر/ حوادث /يومية..)وحمايتها من أتون الضياع والاندثار
  2. إدماج الأمثال الشعبية الحسانية في منظومة التربية وبرامج التعليم لتساهم في تكوين النشء وتربيتهم على التراث
  3. توظيفها في برامج وأنشطة التنمية المجتمعية وجعلها سندا لتأصيل قيم وثقافة المجتمع.
  4. ضرورة انفتاح الإعلام بمختلف أنواعه، وجعله فضاء سانحا لإبراز أهمية الأمثال الشعبية في حياة المجتمع
  5. تشجيع الكتابة والتأليف في موضوع الأمثال الحسانية بشكل عام والأمثال الشعبية التي تتناول المرأة البيضانية بشكل خاص ضمن صور وتيمات متعددة.
  6. جمع وأرشفة الأمثال الشعبية الحسانية الخاصة بالمرأة البيضانية وتطوير مناهج دراستها وتثمينها.
  7. تكوين مكتبة ذات أبحاث ومراجع تم إنجازها بنفس الموضوع لتكون مرجعا للباحثين والطلاب

وعموما فإن كتاب" المرأة في الأمثال الحسانية رْزَقْ لَمْرَ تَحْتْ كايْمَتْهَ" يرصد بعضا من السمات والخصائص الأنتروبولوجية لمجتمع الصحراء انطلاقا من دستور العامة (الأمثال). كما استطاع أن يوثق حضور المرأة في الأمثال الشعبية ومأثورات القول الحساني كصورة وكخطاب يرسمان ما يترسب في المتخيل الشعبي من تمثلات وأحكام جاهزة وتعميمات تحفل بها الحياة اليومية في الصحراء .

 

تعليقات الزوّار (0)