دفنا شراع المهنة، وبقي لنا "الشبيه" !

يوم السبت الماضي كان يوما حزينا فقدنا فيه خالد وعبد القادر، قبله بيومين كان الخميس مرعبا في حزنه وبرشلونة تموت على يد من قيل لنا في نشرات الأخبار إنهم مغاربة (مثلنا؟) أو تقريبا مثلنا، وقبل ذلك بأيام معدودة كنا نضع في التراب عبد الكريم غلاب، وندفن ماضيا جميلا ونطلق شراع الراحلين فيه وعبره إلى الخلود، ونحتفظ فقط بالشبيه في كل شيء طالما أن الأصليين اليوم يهربون تباعا ويتركون المكان - عن طيب خاطر أقسم بذلك - لجماعة عصية على الوصف من الأشباه، ومن أشباه الأشباه.

الإثنين 21 غشت 2017
بقلم: المختار لغزيوي
0 تعليق

AHDATH.INFO

في البدء كان غلاب، وكانت "مع الشعب"، وكانت الروايات على تعداد تعددها قادرة على إقناعنا أنه ليس من الممكن فقط، بل من الضروري للصحافي أن يكون أديبا قادرا على الإمساك بناصية اللغة لكي يتحدث مع الناس بلغة يفهمونها، نعم، لكنهم لايستطيعونها جميعا.
دفن غلاب الماضي، وجعل من شخصية المعلم علي عنوان التقاء لجيلنا - قرابين السبعينيات نحن - ولجيل سبقنا بقليل ولجيل تلانا مباشرة، ثم انتهى عهد القراءة في البلاد
أصبح من سقط المتاع، من نوافل الوقت وعابراته. أضحت عيبا في كثير الأحايين، وأصبح يقال لمن يمتطي كتابا إنه شبه مختل عقلي، لا زال يؤمن في زمن الشات عبر الفيسبوك وتويتر ومراقبة التافهات، بأن كتابا يمكنه أن يهديك عوالم لن تجدها أبدا في أي مكان عداه.
في البدء الثاني كان مشبال. علاقة أذن نفس الجيل - جيل القرابين المهداة للتجربة الزمنية فيها أي سبعينيات القرن الماضي، والجيل الأقدم منا قليلا وبعض من التابعين ومن تبعهم بأذن مرهفة إلى يوم الدين - بصوت الرجل عبر طنجة وما أدراك ماطنجة
كانت دولية ذات زمن آخر، وكان "البوليفار" فيها طقس حضارة استبق كل تتار الوقت الطارئين، وكانت مكان التقاء جميلات العالم وجواسيسه وكبار قادته و محظييه الأغنياء الراغبين في إبراز ثرائهم، وكانت محل الأدباء والشعراء والمثقفين.
مدينة مثل طنجة وحدها تصلح عنوان التغير الأكبر الذي مس عديد الأشياء، هي التي كانت عنوان الأناقة كلها، ثم أصبحت مستباحة حد ابتذال لا معنى له إلا رغبة الذات في تدمير نفسها بنفسها.
مثال طنجة مع مشبال هو مثال المشهد الحضاري العام في المغرب. يوم كان خالد فارسا للميكروفون، كانت الأذن تتسقط صوته أينما كانت، وكان الليل صديق العشرة الإذاعية المتميزة، وكانت عناوين المحطة التي كتبها الرجل بإيمانه بالحرفة هي التي تأتي بالمغاربة دون أي ضغط إلى أثيرها لكي يضبطوا الموجة على ماستقدمه لهم من هدايا ويكتفون.
لم يكن حينها التلفزيون قادرا على تقديم إلا ساعات قليلة ومضحكة من البث، ولم تكن هناك قنوات فضائية. كنا نقرأ كثيرا، وكنا نستمع للإذاعة، ننتقل من "هنا لندن" الشهيرة إلى دكان أبي الصواب في الزوال، ونتذكر للكوراري أحضان الوطن، ثم ننام ليلا مستيقظين على ماتقدمه لنا تصورات مشبال لطنجة وإذاعتها
لكن للسياسة في هذا البلد تصورا خاصا للأمور. افترق رفاق عن رفاق وتغيرت أزمنة، وصار من الضروري لكي يبني جدد مجدهم القادم أن يطيحوا تماما بما اتفقت عليه الأجيال الفائتة من جماليات.
هرب خالد من الإذاعة ومن السمعي البصري بعد أن فهم المقلب، وانتقل إلى لعبة انتحارية لا يقدم عليها إلا المجانين: تقريب القراءة من شعب لم يعد راغبا فيها، فأطلق "شراع"، وأطلق معها مغامرة جميلة، لكن حزينة، كانت توحي في بدايتها أنها علامة من علامات النهاية، من دلالات الأفول، ومن الهبات الأخيرة التي ينتفض فيها الجسد رغبة في المقاومة والحياة مع علمه أنه حتما سيموت..
ثم في البدء الثالثة كان عبد القادر شبيه، ومع رجل مثل هذا تتذكر دوما المقولة الشهيرة "قاتل بسعد وإلا فدع"، وتقول إنه كان سيكون بمسار أكثر تميزا بالنظر إلى قيمته وقامته لولا الحظ العاثر أو لولا الحياء الطبيعي ذلك الذي يمنع كثيرا من المتمميزين من المطالبة بأبسط حقوقهم، فيما الفقاعات وأشباه المبدعين بل عديمو الموهبة يتصدرون الواجهات دون وجه حق، ويتحدثون في كل شيء وفي اللاشيئ، وينتقلون من المناصب إلى المناصب، ولا يشبعون.
حتى في لحظة وفاته خان الحظ شبيه، فانتقل إلى رحمة ربه يوم وفاة خالد مشبال ماجعل الأغلبية تنشغل مع الهرم الإذاعي وتنسى أن صحافيا كبيرا ورئيس تحرير مرموق، قد فارقنا إلى غير رجعة في صمت يشبه إلى حد كبير عناوين حياته الكبرى.
يوم السبت الماضي كان يوما حزينا فقدنا فيه خالد وعبد القادر، قبله بيومين كان الخميس مرعبا في حزنه وبرشلونة تموت على يد من قيل لنا في نشرات الأخبار إنهم مغاربة (مثلنا؟) أو تقريبا مثلنا، وقبل ذلك بأيام معدودة كنا نضع في التراب عبد الكريم غلاب، وندفن ماضيا جميلا ونطلق شراع الراحلين فيه وعبره إلى الخلود، ونحتفظ فقط بالشبيه في كل شيء طالما أن الأصليين اليوم يهربون تباعا ويتركون المكان - عن طيب خاطر أقسم بذلك - لجماعة عصية على الوصف من الأشباه، ومن أشباه الأشباه.
رحم الله المهنة، رحم الله من رحلوا ولا عزاء، لكن أيضا لا اعتراض، فتلك سنة الله في الخلق وهي سائرة فينا دون أي كلام.

تعليقات الزوّار (0)