محمد فال القاضي أكاه: مذكرات عائد موريتاني من جحيم معتقلات البوليساريو (ح:59)

الثلاثاء 5 شتنبر 2017
محمد سالم الشافعي/ عبد الكبير اخشيشن
0 تعليق

حين وصلت سيارة الفرج.. محمد الأمين أحمد يطلب مني أن أكون سفيرا لدعاية جديدة
اتجهت إلى الإدارة لأستطلع الأمر لأستفسر عن الأمر، فأخبروني أن الرسالة وصلتهم وعلي أن أنتظر لأنه لا توجد وسيلة نقل لإيصالي، ولأني لا أريد أن يفهم الأسد أني خائف إن جريت، فقد عدت إلى زملائي في هدوء وكأن شيئا لم يتغير، وبدأت أجهز لعرض أفلام وثائقية كان مبرمجا عرضها للمتربصين في تلك الليلة، وبينما كنت منشغلا بضبط جهاز العرض بين صلاة المغرب والعشاء إذا بي أسمع الأصوات من عدة اتجاهات تنادي باسمي أن أتوجه إلى الإدارة، فقد أعلن ما يشبه الاستنفار بعد أن حضر سائق محمد الأمين أحمد شخصيا في سيارته الشخصية يريدني على عجل ليوصلني إلى المكان الذي ستنطلق منه القافلة غدا في اتجاه موريتانيا.
انطلق بي ذلك السائق نحو المكان المنشود، وبالرغم من أنه لا يبعد عنا سوى أربعين كيلومترا، فقد خيل إلي أننا استغرقنا من الوقت أكثر مما ينبغي لشد تشوقي لأن أترك ورائي كل المسافة التي تفصلني عن بر الأمان، الذي تركته غير مكره قبل أكثر من عقد من الزمن لأجد نفسي وقد جرفني تيار قاتل كنت أحسبه امتدادا لذلك البر الآمن.
أوصلني السائق إلى حيث مقصدي فوجدت أمامي خليطا من الرجال والنساء والأطفال يفترشون حصائر في الهواء الطلق وكانوا يتهيأون للنوم، فاتخذت مكاني في الطرف لأنام، ولكن تبين أني كنت أطلب المستحيل، إذ لم يغمض لي جفن طوال الليل بسبب التفكير فيما إذا كنت في حلم أم أن فرحتي ستتم فأغادر تلك الأرض التي لفظتها روحي كما لفظني من لهم الكلمة فيها هم وأبواقهم من غثاء سيل تيندوف ولخبي ولعباضلة، ومن الممكن أن أكون مساء الغد داخل الحدود الموريتانية.
كانت القافلة تتكون من شاحنتين كبيرتين وسيارة لاندرو فير واحدة، وقد أمضينا اليوم الموالي في تحميلها بشحنة كبيرة من المواد الغذائية، التي اتضح أنها هبات لبعض سكان البوادي التي مررنا بها في الطريق، وفي ذلك اليوم أحضر لي أحد عمال وزارة التعليم حقيبة مليئة بالملابس النسائية (الملاحف)، وقال إنها مساعدة من الوزير محمد سالم السالك، من أجل أن أقدمها كهدايا لأخواتي فاستلمتها وطلبت منه أن يبلغ شكري للوزير، ويخبره أني إن كنت قد تركت أخواتي عرايا فلم أعدهن بجلب الملابس، وأن محتوى الحقيبة أولى به أخواتي الصحراويات لأنه أصلا جلب من أجلهن ثم أفرغت الحقيبة، ووزعت ما فيها من ملابس على نساء كن ضمن القافلة فأصبح كل متاعي هو العصا والهرة كما قال أبو هريرة، يعني أن كل ما معي هو الملابس العسكرية التي أرتديها ورواية البؤساء للأديب الفرنسي فيكتور هيغو، التي كنت قد بدأت قراءتها قبل أيام ولم يتسن لي أن أكملها فحملتها مع مثيلتها التي لعبت فيها دور البطل جان فال جان وإن كان بيننا فارق في حرم كل منا، فأنا لم أسرق خبزا لإطعام أبناء أختي وأخف هويتي كما قيل.
في المساء، بعد أن أصبحت الشاحنات جاهزة بحمولتها ولم يبق سوى أن نصعد، تم استدعاء الجميع إلى باحة المجلس الوطني، حيث اجتمع بنا محمد الأمين أحمد من أجل أن يودعنا، وبعد كلمة توجيهية مقتضبة أوضح خلالها أن مدة ترخيصنا محددة في ثلاثة أشهر، بدأ يصافح الرجال إيذانا بانطلاق القافلة، وكانت تلك اللحظة من اللحظات القليلة التي أرى فيها مسؤولا في مناسبة كهذه يحجم عن مصافحة النساء.
وعندما وصل إلي أمسك يدي بيسراه قائلا إن وداعه لي سيكون خاصا، وبعد أن انتهى من مصافحة البقية انزوى بي جانبا وقال إنه من خلال الفترة التي سأقضيها في موريتانيا يجب أن أكون سفيرا وسط الشباب الموريتاني في الصالونات من أجل إيصال رسالة تدعو إلى ضرورة وحدة البظان، وخاصة بين الموريتانيين والصحراويين الذين أصبحوا مهددين في وجودهم من الشمال والجنوب في إشارة واضحة إلى المغرب، الذي تقاتله البوليساريو والسنغال التي خرجت للتو من أحداث دامية مع موريتانيا.
وقد تمنيت في تلك اللحظة أن يكون وضعي يسمح لي بأن أقول متهكما إنني لست ذاهبا إلى موريتانيا وإنما أنا ذاهب إلى «أهل لكريعات»، وهي العبارة التي طالما أزعجني نعت أهل موريتانيا بها، ومع ذلك فقد آلمني كثيرا كوني لن أستطيع الوفاء بآخر ما طلبه مني رجل أدين له بفضل عتقي من الذل والمهانة بمنحي ترخيصا ولو مشروطا بالعودة إلى بلدي وكان آخر ما قاله هو إنه يعتمد علي في العودة إلى قسمي مع بداية السنة الدراسية القادمة، وتلك مناسبة كنت أفرح بها منذ سنين خلت، فقد كنت فيما مضى أجد متعة في لقاء تلاميذي وبدء سنة جديدة. غير أن ذلك الزمن قد ولى يوم ولى أشباه رجال عن الزحف ولم يجدوا من ساحة بديلا عن ساحة الوغى يثبتون فيها رجولتهم المفقودة سوى ساحة للإجرام يجربون فيها ساديتهم ضد أبرياء كنت منهم جاؤوا للمساعدة في حمل الثقل.
بعد مراسيم الوداع تلك صعدنا إلى ظهور الشاحنات فبدأت تتحرك وكانت الشمس قد بدأت سحب آخر خيوط نورها من فوق أرض كانت لسنوات خلال رحلتها الأبدية شاهدا على عتامة الظلم الذي مورس فوقها، وكنت شاردا أحدق في تلك الخيوط كمن يخيل إليه أنه جزء منها كان يحاول بث النور في تلك الأرض فطغت العتامة على نوره، وقرر في نفسه أنه لن يعود للشروق مجددا.

تعليقات الزوّار (0)