محمد فال القاضي أكاه: مذكرات عائد موريتاني من جحيم معتقلات البوليساريو (ح:61)

الخميس 7 شتنبر 2017
محمد سالم الشافعي/ عبد الكبير اخشيشن
0 تعليق

في الطريق إلى الديار.. إجراءات ما قبل العودة لحضن أطار
أربعة أيام كأنها سنين قضيتها في ضيافة الحاكم أنتظر في كل لحظة الجواب الذي لا أدري متى يأتي، وفي كل يوم كنت أزداد إحباطا وأتمنى أن يكون اليوم الأخير لي في تلك المدينة رغم أن الرجل ظل يحرص على أن أبقى في جو مريح، فكان في كل صباح قبل أن يدخل إلى مكتبه يطل علي ليتأكد من أن كل شيء قد تم توفيره لي بما في ذلك الجرائد، وظل على ذلك الحال حتى صباح اليوم الخامس، حيث أخبرني أن أوامر جاءته بأن يصحبني عسكري ويسلمني لقيادة الدرك الوطني في مدينة أطار وطمأنني بأن الأمر لا يعدو كونه إجراء روتينيا من أجل التحقق من هويتي وأن تستصدر لي أوراق موريتانية ما دمت قررت أن لا أعود إلى صفوف البوليساريو‪.‬
وفي المساء كان عسكري مسلح يقودني إلى محطة النقل في المدينة ويجلس بجانبي في مؤخرة شاحنة صغيرة من نوع بيجو 404 لتنطلق بنا مع عدد قليل من الركاب نحو مدينة أطار، وكنت تلك المرة الأولى التي سأرى فيها المدينة التي أجبرت قبل سنوات على الاعتراف بأني تدربت فيها لأصبح مخابرا أعمل لصالح موريتانيا وفرنسا ضمن تلك الأكذوبة، التي اختلقتها قيادة البوليساريو لتصفية الكوادر الموريتانيين الموجودين في صفوفها.
وصلنا المدينة في حدود الساعة الحادية عشر ليلا واتجه بي مرافقي إلى مجمع سكني يبدو أنه خاص بأفراد الدرك، ومن المواقف المضحكة التي حدثت معي تلك الليلة أن مرافقي أحضر علبا من الحليب البارد وكنت أشعر بالعطش وأردت أن أفتح إحداها  لأشرب فلم أستطع إذ لم أعرف من أين تؤتى لشكلها الغريب بالنسبة لي‪،‬ فيوم رحلت من البلاد قبل 12 سنة تركت الحليب الألماني يأتي مزهوا بعباءته التي هي قنينة زجاج شفافة لامعة لها سدادة تشبه سدادة بخور أمي وفي بطاقة هويته يحمل اسم كانديا الذي أدمنت قراءته كل صباح على قنينة كانت عمتي تمنحها لي قبل الذهاب إلى المدرسة، واليوم وجدته متنكرا في كرتون يشبه مكعبات الثلج لا يعرف أسفله من أعلاه، وحين علم صاحبي القصة ضحك حتى أدمعت عيناه قبل أن يريني كيف أفتح ذلك الكرتون. ساعتها أدركت أن أشياء كثيرة قد تغيرت بعدي من طول الغياب.
في الصباح اصطحبني المرافق إلى قيادة الدرك وأدخلني على قائده وكان رجلا يدعو مظهره الخارجي للرهبة والخوف لمن هم مثلي يرعبهم الحبل بعد لدغ الأفعى‪،‬ فقد كانت تتجسد فيه خشونة الرجال من ضخامة في الجسم وصرامة في النظرات، لكن سرعان ما اكتشفت أن ظاهره لا يعكس باطنه، إذ بادرني وبأسلوب مهذب بأن أتفضل بالجلوس وطلب لي شرابا ولم يسألني عن أي شيء سوى اسمي الثلاثي، وعن المنطقة التي أنتمي لها وعما إذا كنت سأعود للبوليساريو أم لا  فتذكرت حمارنا الأخضر (أحمد سلامه) يوم كبل يدي وراء ظهري وأمرني بالجلوس، ثم ضربني بحذائه العسكري على المعدة لأسقط مغشيا علي فوق الكرسي.
بعد أن دون قائد الدرك إجابتي على أسئلته المقتضبة أحالني إلي نائبه من أجل استكمال إجراءات التحقق من هويتي، ولم يكن نائبه أقل منه لطفا في التعامل معي، فبعد أن زودته بمعلوماتي الشخصية أخبرني بأنهم سيرسلونها إلى الجهات المختصة في مدينة روصو في الجنوب الموريتاني، باعتبار أن مقاطعة واد الناقة التي هي مسقط رأسي تتبع إداريا لتلك المدينة، وكان صادقا معي، حيث قال لي بأن الأمر قد يتطلب بعض الوقت، ولكن علي أن أعتبر نفسي بين أهلي.
وبالفعل فقد عاملني كما لو كنت ضيفا عنده، فبعد نهاية الدوام اصطحبني إلى بيته وأكرمني، بل إنه خصص لي غرفة بحمامها من أجل أن أقيم فيها في انتظار الرد على الرسالة التي بعثوها والمتعلقة بمعلوماتي الشخصية. وأمام هذه المعاملة الطيبة لم يبق أمامي سوى أن أخفي عدم ارتياحي الناتج عن رغبتي الجامحة في أن تحل اللحظة التي أرى فيها وجه أمي وكل أفراد أسرتي، وكان مضيفي (نائب قائد الدرك) خلال المقيل قد سألني إن كنت أعرف قريبا لي يدعى أبآبه يعمل رئيسا لمحكمة أطار (المدينة التي نوجد بها).
وحين سألته عن اسمه العائلي، قال إنه نسيه وسيخبرني إن تذكره، وفي المساء بينما كنت أستعد لدخول الحمام من أجل الاستحمام نادى علي وقال لي إنه تذكر الاسم العائلي لرئيس المحكمة وهو (أمين)، والذي هو اسم عمه فعرفت على الفور من خلال الاسم العائلي أنه أحد أخوالي لم يسبق أن رأيته في حياتي، ولكني كنت أسمع وأنا صغير الناس يضربون المثل في طول المدة الزمنية التي قضاها وهو يدرس في المدارس الأهلية، فعرض علي أن نقوم بزيارة له في داره فوافقت دون تردد لأنني أدركت يقينا أن مشكلتي حلت.

تعليقات الزوّار (0)