صورة المغرب الإفريقي

الإثنين 4 ديسمبر 2017
عبد الكبير اخشيشن
0 تعليق

بوابة الصحراء: عبد الكبير أخشيشن

بدت صورة محمد السادس في القمة الإفريقية الأوروبية مثيرة. مختلف التغطيات والقراءات توقفت عند ذلك التبجيل والتبئير على صورة محمد السادس. مختلف القادة الأفارقة يتوجهون للسلام، وكلمات الترحيب الأوروبية والإفريقية بأرت على شخص قائد إفريقي بزي مغربي أصيل، لم يكن يترأس القمة، ولا يستضيفها، ومع ذلك انتزع كل هذا الاهتمام. لماذا؟
في قمة أبيدجان كان الأفارقة على موعد يجمعهم بالاتحاد الأوروبي، وفي ثنايا هذه المقابلة كثير من التاريخ، وكثرة كاثرة من تحديات الواقع الراهن، وبالرغم من تركيز جدول الأعمال الرسمي للقمة على قضايا الشباب والتنمية، فقد قفزت صور الهجرة المحرجة، والإرهاب الذي يخيف القارتين، إلى صدر الاهتمامات، وانتبه قائد أوروبي شاب قبل القمة إلى وصفة تيسير الحوار مع قارة جريحة من الماضي والحاضر، فنوه ببوركينافاسو وبمحمد السادس في مقاربته للإشكاليتين معا.
مانويل ماكرون، كان يلخص بدهاء ما تراكم داخل القارة من وعي، زرع نبتته هذا القائد الشاب، الذي وجه عقله وقلبه نحو القارة منذ سنة 2000 حين كانت القاهرة تحتضن القمة الأولى للقارتين. حينها قذف بالسهم الأول، وألغى كل ديون الدول الإفريقية الضعيفة، كان حينها بعيدا عن أجهزة الاتحاد، لكن بعد 17 سنة من العمل المستمر داخل القارة، سيعود إلى حضنها، ليقول للأفارقة:
«كم هو جميل هذا اليوم، الذي أعود فيه إلى البيت، بعد طول غياب! كم هو جميل هذا اليوم، الذي أحمل فيه قلبي ومشاعري إلى المكان الذي أحبه! فإفريقيا قارتي، وهي أيضا بيتي»، حينها كان عدد من دول القارة يعرفون حقيقة هذ الشعور، ولذلك كانوا متحمسين لفتح الأبواب على مصراعيها، في حين كانت قلة تواصل عنادا تكلس بفعل سنوات من السيطرة على مفاصل الاتحاد.
الملك محمد السادس كان يفهم جيدا هذا الواقع، لكن الأهم هو تفهمه له، ولذلك خاطب كل الأفارقة بلسان المتواضع المطمئن قائلا: «إن المملكة المغربية تسعى أن تكون الريادة للقارة الإفريقية»، مضيفا: «وإننا ندعو، بكل حماس، الأمم الإفريقية إلى الانخراط في الدينامية التي أطلقتها بلادنا، وإعطاء دفعة جديدة لقارتنا برمتها»، بل ووجه سهم الكبرياء الإفريقي إلى صدر قادته الجدد قائلا: «إن إفريقيا اليوم، يحكمها جيل جديد من القادة المتحررين من العقد، يعملون من أجل استقرار شعوب بلدانهم، وضمان انفتاحها السياسي، وتنميتها الاقتصادية، وتقدمها الاجتماعي».
وبعد أن أنهى شق مخاطبة عقل ووجدان القادة الأفارقة، توجه رأسا لمخاطبة كبرياء القارة في دواخلهم، معتبرا أن هذا الجيل من القادة تحرر من عقدة وصاية الشمال ليركز على تجربته الخاصة، قائلا: «إنهم يعملون بحزم واقتناع، ولا يعيرون أدنى اهتمام، لأي «تنقيط» أو تقييم من طرف الغرب». هنا كان يزرع محمد السادس عناوين الوعي الإفريقي الجديد في التعامل مع الغرب.
كان هذا الغرب يتابع وينصت بإمعان لهذا الخطاب الجديد، لكن في الوقت نفسه كان يعرف جيدا أنه أمام قائد يتقن فتيل خيوط الواقعية، يجعل من الشراكة عنوانا واسعا لتحقيق السلم والأمن، ويمنح للغرب ما يحتاجه من إجابات تحفظ مصالحه، ورؤية تتخلص من الثنائية المقيتة، التي تجعل كل شرور إفريقيا مرتبطة بالاستعمار، دون أن تقدم حلا لمعضلاتها، وفي الوقت نفسه تخليص أوروبا نفسها من تعاليها على قارة لا ترى فيها سوى مستنقع للشرور والتخلف.
هي ذي الصورة التي كان يحملها الأفارقة إلى قمة أبيدجان، منهم من واصل الإيمان والإشادة بها، ومنهم من كان يتأملها طيلة الفترة الفاصلة بين القمتين، ولذلك كانوا جميعهم على موعد مع نقطة جذب موحدة لصورة ملك أعادوا في أبيدجان نفس بروفا الترحيب التي تمت في قمة أديس أبابا، ووجد الأوربيون أنفسهم أمام حقيقة ظل بعضهم يتابعها من بعيد، فيما كان المؤثرون فيهم على دراية بكل التفاصيل، فاختلطوا مع الأمين العام للأمم المتحدة في رسم صورة تقدير مشتركة مع باقي الأفارقة لملك منح قلبه وعقله لهذه القارة.
لم يجد الماكرون الباحثون عن صورة أخرى، تم رسمها بناء على فرضيات أهملت حقيقة عودة المغرب لحضن قارته، فرصة تجميع تشتتها. لم يكن في القاعة عدسة محترفة، ولا كاميرا موجهة لعموم المشاهدين بعيدة عن مشهد الصورة الأولى، ضاع وتبخر الرهان على صورة مفترضة لملك مغربي في وضعية محرجة وهو يجالس انفصاليا يمثل جمهورية عجيبة، حققت أخيرا انتصارها التاريخي، ضاع كل شيء في قاعة قمة لا حس ولا خبر فيها لكل هذه الأوهام.
خارج القمة كان حجم الصورة الأولى يكبر بمفاجآت من العيار الثقيل، محمد السادس يستقبل الرئيسين الجنوب إفريقي جاكوب زوما، والأنغولي. حجم المفاجأة كان كبيرا، لذلك استسلم كثير من المعاندين، وفهم الأهالي في تندوف أن «اللعبة انتهت»، وحدها وسائل إعلام النظام الجزائري والبوليساريو واصلت البحث عن انتصار في صورة جماعية يطل فيها زعيم البوليساريو باندهاش على وزير خارجية الجزائر وهو يصافح محمد السادس، المنشغل بالحديث لماكرون والبقية المهمة.

تعليقات الزوّار (0)