الدكتور جحاح: الطقوس الكناوية عالم من الرموز والدلالات المخبوءة..!

الثلاثاء 26 ديسمبر 2017
إنجاز: حسن البوهي
0 تعليق

AHDATH.INFO

القراقب، الكنبري (الهجهوج)، الطبل...معدات موسيقية بسيطة تُشيّد بإيقاعاتها صرح سيمات عالم موسيقي يمتزج بطقوس احتفالية غرائبية تستلهم جوهرها من تراثيات افريقية انصهرت في البيئة المغربية لتنسج لنفسها لونا غنائيا روحانيا متفردا... ينقلكم  الموقع في هذا التحقيق للتعرف على هذا اللون الموسيقي، وتميط اللثام عن خباياه وأسراره المتوارية خلف مجموعة من الممارسات والطقوس التي يتحاشى العديد من رموز هذه الموسيقى الحديث عنها، فما هي أصول موسيقى كناوة وامتداداتها الطقوسية؟ وما حقيقة استحضار الجن والأرواح في ليلة دردبة؟ وكيف يتم ذلك؟ وما هي دلالات ذلك من وجهة نظر علمية؟

14- الدكتور جحاح: الطقوس الكناوية عالم من الرموز والدلالات المخبوءة..!


في هذا الحوار يتحدث الدكتور محمد جحاح الأستاذ الباحث في علم الأنتروبولوجيا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس عن المرجعية القيمية التي تستند عليها الطقوس والممارسات الكناوية رابطا إياها بالتصوف الشعبي وامتداده في الوسط المجتمعي، بالإضافة إلى رواسب معاناة العبيد الذين تم استقدامهم للمغرب حاملين معهم مؤثرات إفريقية امتزجت بخصوصيات الثقافة المغربية المحلية.

وفي تحليله للتفاعلات الجسدية ل"الجاذب" وما يرافقها من إيحاءات أشار محمد جحاح إلى السفر الطقوسي الذي يتجاوز حدود الجسد والزمن التاريخي نحو عالم روحي وسيكولوجي، يتم فيه الانتقال من لحظة "الحضور" العيني إلى "استحضار" اللامرئي (أرواح الأسلاف وملوك الجن...)

وتوقف المتحدث ذاته عن الأسباب والمؤثرات التي ساهمت في استمرارية الطقوس الكناوية منذ بداية ظهورها بالمغرب إلى اليوم، مشيرا في السياق ذاته إلى المبررات الثقافية، الاجتماعية والمادية التي تجعل الاقبال على (التداوي أو العلاج) بهذه الطقوس والممارسات رغم وجود مؤسسات عصرية تُعنى بذلك كمصحات الطب النفسي والعقلي...المزيد من التفاصيل في الحوار التالي:

•    من وجهة نظر أنتروبولوجية ما هي المرجعية القيمية التي تستند عليها الطقوس الكناوية في مراسيمها من قبيل استحضار الجن والتخاطب مع قوى غيبية غير مرئية...؟

في الواقع، لا يمكن فهم الطقوس الكناوية سواء كممارسات أو كنسق من الرموز والقيم والمعتقدات التي تمنحها منطقها لدى ممارسيها، من دون معرفة السياق التاريخي والاجتماعي الذي أطر نشأتها وتجدرها أيضا كطائفة صوفية محسوبة على تيار ما يعرف بـ"التصوف الشعبي" بالمغرب.

وفي هذا الإطار فقد درج الباحثون في مجال التدين والطوائف الصوفية بالمغرب (مؤرخون وعلماء أنثروبولوجيا) على التمييز بين تصوف عالم، كما تجسده طرق النخبة العالمة (التيجانية، الناصرية، البودشيشية...إلخ)، وبين تصوف شعبي هو الأكثر تجدرا من داخل الأوساط الشعبية (العيساوية، الحمدوشية، الهداوية، الكناوية... إلخ)..
لكن، ومع تحفضنا على الدلالات التي قد يكتسيها هذا التمييز لدى البعض، باعتباره تمييزا بين مجالين متعارضين من التدين: الأول رسمي مرتبط بإسلام الدولة وتحت رعايتها والثاني يكتسب شعبيته من هامشيته أو بالأحرى من معاكسته لسنن هذه الرعاية؛ فإننا مع ذلك نحتفظ بهذا التوصيف (شعبي) في "نسبيته" للتعبير عن الطبيعة الدينامية للتدين التي قد تعكس في الآن نفسه غنى وتنوع وتغير الحقل الديني ككل، (فشعبي الأمس قد يصبح رسمي اليوم والعكس صحيح)، ولعل هذا ما تؤكده اليوم السياسة الدينية (الصوفية) للدولة برهانها الكبير على طرق التصوف هذه التي كانت محسوبة على الهامش، وذلك لمواجهة "إسلام" كان بالأمس القريب تحت رعاية الدولة وفي خدمتها.

بالعودة إلى الطائفة الكناوية إذن، ومقارنة بباقي الطوائف الصوفية "الشعبية" الأخرى، تعتبر هذه الطائفة الأكثر أهمية من حيث عدد أتباعها المنتشرين بكثرة وعلى امتداد مدن المغرب وقراه، كما أن ما يميزها عن غيرها كطريقة، هو بساطة بنائها التنظيمي، والذي يتوازى طبعا مع طبيعة تكوين مريديها وأتباعها، هذا علاوة على ارتباطها العضوي بقاعدة اجتماعية – إثنية "خاصة" ممثلة في الزنوج من أصول إفريقية..

لكن وعلى عكس ما قد توحي به هذه البساطة، فإن طقوس وممارسات هذه الطائفة تمثل بحق مجالا يكتنفه الكثير من الغموض والتعقيد أيضا؛ ولعل هذا يبقى مؤشرا على خصوصية وغنى تجربة صوفية يمتزج فيها الديني بالسحري والواقعي بالمتخيل والمحلي بالإفريقي (الثقافة الزنجية) والعربي بالبربري...

وربما هذا ما شجع الكثير من الأنثروبولوجيين - الذين اشتغلوا حول المعتقدات والممارسات الدينية بالمغرب وشمال إفريقيا - على تطوير أطروحة "البقايا الوثنية"، كمحاولة لتأكيد استمرارية الصراع بين بنيتين عقديتين الأولى توحيدية (كما يجسدها الإسلام) والثانية وثنية، معتبرين التصوف (بمعتقداته وطقوسه الغريبة) بمثابة خلطة "خيميائية" بين البنيتين.. ولعل هذا ما أسس له عمل إدوارد وسترمارك الموسوم بـ"البقايا الوثنية في الحضارة المحمدية"، وسار على منواله الكثيرون: (إدموند دوتي، ألفرد بيل، ميشو بيلير، ديرمنغهام، إميل لاووست، هنري باسيه...).
ومن ثمة فتحديد المرجعية القيمية التي تستند عليها الطقوس والممارسات الكناوية لا يستقيم إلا باستحضار الأصول الإفريقية وما يوازيها من "ثقافة زنجية" لدى هؤلاء، كل هذا في تفاعل طبعا مع معطيات الثقافة المحلية والدينية.. مع ما يعنيه كل ذلك على مستوى المخيال الاجتماعي وفي علاقة أيضا بسيرورة تشكل الهوية الجماعية لديهم.. ولا ننسى، في هذا السياق بالذات، الدور الحاسم الذي سيلعبه "وضع العبودية" الذي أطر استقدام هؤلاء واستقرارهم أيضا بالمغرب؛ لدرجة يمكن معها الجزم بأن معظم - إن لم نقل- كل طقوسهم وما يرتبط بها من رقص وجذب وغناء هي انعكاس بشكل أو بآخر لمعاناتهم كعبيد.

. كيف يمكن تفسير التفاعلات الجسدية للجاذب؟ وهل لها علاقة في الاتصال بقوى غيبية كالجن مثلا؟

إننا هنا بصدد نوع من السفر الطقوسي يتجاوز حدود الجسد نحو "الروحي"، وحدود الزمن التاريخي نحو السيكولوجي، كما يتجاوز لحظة "الحضور" العيني نحو "استحضار" اللامرئي (أرواح الأسلاف وملوك الجن...).. كل ذلك يتم في جو تتواطأ فيه ومن خلاله كل "الحواس": (يتحول السمع إلى سماع، والرؤية إلى رؤيا، واللمس إلى مس وحلول...)، بغية الإفلات من قبضة الإحساس بالعالم المادي ووقف كل مصادر ومصائر الألم الناجمة عنه.

كل شيء ينطق إذن بلغة الألم والحسرة: حركات الجسد لحظة الجذب توحي بردات فعل هستيرية على لسع السياط، عنف الضرب على الطبل لا يقابله سوى عنف الجلاد على جسد العبد، صوت "القراقب" أشبه هنا بحشرجة الأغلال التي كانت توضع على العنق والرجلين أثناء اقتياد "العبيد" نحو أسواق النخاسة، أو إبان اشتغالهم بحقول "أسيادهم"، كما أن آلة "الهجهوج" أو "الكنبري" بإيقاعاتها الحزينة، وفي تناغم مع مقاطع غنائية تتخللها الآهات والصياح (كما هو الشأن بالنسبة لـ"محلة أولاد بامبارا" أو "كويو")، تعبر عن نوع من البكاء والأنين.. لكن الممارسة الطقوسية عند كناوة لا تبقى محصورة - طبعا- في هذا الحيز السيميائي الضيق.

لتوضيح الصورة أكثر، وفي علاقة ببعض الطقوس الاستشفائية كما درجت الطائفة الكناوية على ممارستها، (خاصة فيما يتعلق بحالات المس والسحر)، لا بد من الوقوف على نموذج من هذه الممارسات في شخص ما يعرف لدى هذه الطائفة بـ"الليلة الكناوية" أو "ليلة الملوك"، حيث يتم فيها استحضار ملوك الجن لأجل التفاوض معهم توسلا لتدخلهم بغرض المساعدة على العلاج أو لتصفية الحسابات:( سيدي شمهاروش، لالة ملكية، لالة ميرة، سيدي حمو، لالة جميلة، سيدي ميمون، لالة عيشة...).

باختصار شديد، تتخذ الليلة الكناوية صيغة نزول أو هبوط متدرج يخضع لإيقاعات الموسيقى ولحركات الجسد المملوك  ولتراتبية الألوان. وتسمى عملية "النزول" هذه لدى العارفين بأحوالها بـ"الدردبة" أو "الدرديبة"، (وربما تبرز هنا واحدة من نقاط الاختلاف الجذري بين تصوف "عالم" يقوم على فكرة المعراج، كصعود وارتقاء نحو الأعلى "السماء"، وبين تصوف "شعبي" يكرس لرحلة عكسية نحو التحت حيث عالم الجن)..

تلعب الألوان – كما الإيقاعات الموسيقية - دورا حاسما في ضبط عملية النزول أو "الدردبة"، بحيث أن كل لون يوازي "مقاما" أو "محلة" من المحلات العشر التي ترسم الرحلة الطقوسية الكناوية لاستحضار "ملوك الجن". هناك سبعة ألوان أساسية تنضاف إليها ثلاثة أخرى - كمزج بين بعضها - حتى يتناسب عدد الألوان مع عدد المحلات: (محلة الأبيض، الأسود، الأزرق، الأحمر، الأخضر، الأصفر، البنفسجي، ثم المبرقش، ثم الأبيض والأسود، والأبيض والأصفر)؛ كما أن لكل لون أصحابه من ملوك الجن (وأصحاب الحال)..

تبدأ الليلة بالفاتحة وبذكر الله وأوليائه الصالحين، فيكون ذلك تمهيدا لـ (محلة البويض) أصحاب اللون الأبيض حيث يتم النداء على "م.عبد القادر الجيلالي"؛ ثم تأتي (محلة الكوحل) أصحاب اللون الأسود، خاصة في جذبة "المس"، حيث يتم النداء على "س. بلال" كرمز مقدس، وأيضا على "س. ميمون" و"ل.ميمونة" ككائنين مختلطين؛ وفي نفس السياق أيضا تأتي (محلة الزرق) أو "السماوي"، ليتم النداء على "س. موسى"؛ وبعدها تصل الدردبة إلى (محلة الحمر)، أو (أولاد بلحمر) لتتم المناداة على "س. حمو" و"س. حمودة"..

وجدير بالذكر أن هذه المحلة مشروطة بإراقة الدم لإرضاء الملوك (أصحاب الكرنة)، سواء أكان دم الذبيحة (تيس أسود) أو دم الجسد المجذوب كجسد طقوسي يستعير رمزية الذبيحة (القربان)، فيما يمكن أن نصطلح عليه هنا بـنوع من "العنف الأضحوي" (ضرب المجذوب جسده بسكين أو آلة حادة لإسالة الدم).. وهكذا يستمر النزول مع (محلة الخضر)، ثم (رجال الغابة) لتستقر "الدردبة" في نهايتها عند (محلة ملكات الجن) أو (العيالات)، حيث تراتبية الألوان تعكس مدى قدرة كل واحدة منهن الخارقة على تحقيق الطلب وتفعيل البركة الكناوية..

يحضى اللون الأصفر من بين كل الألوان هنا برمزية السطوة والهيمنة، وهكذا تتربع "لالة ميرة" (صاحبة هذا اللون الذي يرمز إلى شعاع الشمس) على عرش هذه المحلة.. وليس بغريب أن يصادف وصولها بداية بزوغ الفجر، لتكشف تباعا عن حضور ملكات أخريات من قبيل "لالة مليكة" صاحبة اللون البنفسجي، ثم "لالة رقية" ذات اللون الأحمر، و"لالة عيشة" بلونها الأسود، والتي يعتبر مقامها من أقصى مقامات الجذبة الكناوية التي يكون القصد منها تخليص الجسد والروح من شرها الأسود.

كل شيء في "ليلة الملوك" هذه يخضع لإيقاع مضبوط: فالموسيقى تتوزع هنا وفق إيقاعات متدرجة، بحيث كل إيقاع يتناسب مع (محلة خاصة) وكل محلة هي حضور لملك من ملوك الجن السبعة، وكل لون من الألوان السبعة هو تعريف بأحد هؤلاء الملوك، وكل ملك مسؤول عن نوع خاص من الأذى (المس، العقم، السحر، العجز الجنسي...)، ولكل ملك نوعه المفضل من البخور، وفي كل محلة يكتب الجسد "المجذوب" لغته الخاصة وهو في لحظة سفره الطقوسي بحثا عن الشفاء والاقتلاع من الضيق..
كل هذا يتم تحت إشراف "المعلم" الكناوي (الذي يضبط الليلة على إيقاع آلة "الهجهوج" التي يعزف عليها)، وتساعده وسيطة روحية (شوافة أو عرافة) مهمتها تيسير سبل التواصل مع ملوك "المحلات".. ولعل رمزية العدد هنا لها قيمتها المركزية، فالرقم سبعة الذي يحضر بقوة في كل الطقوس الكناوية، وعلاوة على كونه يندرج ضمن خانة الأعداد الفردية المقدسة – كنقيض للأعداد المزدوجة بما تحيل عليه من ثنائية الخير والشر- (الله واحد، خمس صلوات، أسماء الله الحسنى تسع وتسعون...)، فإنه يتخذ رمزيته أيضا من الألوان السبعة لقوس قزح، بما يعنيه هذا الأخير: من جهة كحاجز بين السماوات السبع والأرض، وأيضا كجسر للعبور والتواصل مع الغيب..

حتى لا ندخل في مزيد من التفاصيل فيما يخص الليلة الكناوية، وكل ما يرتبط بها من طقوس وممارسات، وجب التنويه هنا إلى أنه، وبرغم مظاهر الغرابة والخرق La transgression التي قد يلمسها الملاحظ على امتداد اشتغال هذه الطقوس، فإن هناك نظاما صارما يحكمها ويوجهها.. إننا هنا أمام عالم من الرموز والدلالات المخبوءة، والتي لا يمكن الكشف عن منطقها إلا بمسائلة البنيات الثقافية والذهنية والنفسية أيضا التي تتعاضد فيما بينها مشكلة نوعا من "الهابيتوس" بالمعنى الذي حدده بيير بورديو..

. كيف يمكن تفسير استمرارية الطقوس الكناوية وما يرافقها من ممارسات غرائبية  إلى اليوم؟ وما هي في نظركم الأسباب التي تجعل الاقبال على (التداوي أو العلاج) بها رغم وجود مؤسسات عصرية تُعنى بذلك كمصحات الطب النفسي والعقلي؟

لايزال الحضور "الكناوي" فاعلا اليوم، ولعل هذا ما يمكن تفسيره، إلى جانب عوامل أخرى طبعا، باستمرارية الطلب الاجتماعي على هذا النمط من الممارسة الصوفية، سواء في بعدها الروحي التديني، أو على مستوى أبعاد أخرى وظيفية (فنية، استشفائية...). ولعل انتشار فروع الطريقة الكناوية في شخص طوائفها عبر أهم القرى والمدن المغربية: (الصويرة، مراكش، مكناس، فاس، صفرو، الرباط...)، لدليل على ذلك.

من الناحية الروحية/ الصوفية، وفي سبيل تعزيز مشروعيتهم الدينية، على غرار بقية الطرق الصوفية بالعالم الإسلامي، يربط المنتسبون إلى الطائفة الكناوية نسبهم الروحي (السلسلة الدينية) بالصحابي "بلال الحبشي"، وذلك تثمينا لرمزية العبيد ودورهم التاريخي في إنجاح الدعوة إلى هذا الدين الجديد الذي رأوا فيه مشروعا لتحررهم ..

ولتأكيد ذلك على مستوى الواقع، سعى هؤلاء إلى اتخاذ ضريح "سيدي بلال" الموجود غرب مدينة الصويرة مركزا روحيا لطائفتهم، وقبلة تشد إليها الرحال كل سنة في العشرين من شهر شعبان لإحياء الموسم الكناوي؛ هذا على الرغم من عدم توفر أية معطيات تفيد برسم صورة واقعية عن هذا "الولي" الذي يبقى محسوبا على فئة الأولياء مجهولي النسب والهوية ضمن خارطة الصلاح بالمغرب.. لعل هذا ما يضفي سمة الغرابة أكثر على هذه الطائفة، لا تضاهيها سوى غرابة طقوسها وممارساتها..

•    مقاطعا- في علاقة بالأسباب التي تبرر الاقبال على (التداوي بالطقوس الكناوية) رغم وجود مؤسسات عصرية حديثة مختصة، هناك من يُبرر ذلك بـ"فرضية العوز" أو الغياب، كغياب الثقة مثلا في جدوى ونجاعة هذه المؤسسات البديلة، أو كغياب للإمكانيات المادية والاجتماعية لولوج هذه المؤسسات أصلا، ما هي وجهة نظركم في هذا الإطار؟

في الواقع، وحتى لا ندحض نهائيا هذه الفرضية، وإن كانت صدقيتها تظل مرتهنة بحالات وسياقات محدودة، فإننا ننتصر هنا لنمط من التحليل الأنثروبولوجي الثقافي.. ولعل المسألة يمكن تفسيرها هنا بالعودة إلى طبيعة المرض أولا ثم إلى فهم طبيعة "تمثل هذا المرض" في الثقافة الشعبية السائدة، خاصة لما يتعلق الأمر بأمراض لها حساسيتها الخاصة من داخل مجتمع لم يتصالح بعد مع المرض، (وأعني هنا تحديدا الأمراض النفسية والعقلية والجنسية، وهي نفسها الحالات التي تلتمس هذا النمط من العلاج الروحاني).

إننا هنا أمام مجتمع لا يزال فيه الاعتقاد في ثقافة "المس" و"الجن" و"الأرواح" قويا، ليس فقط في الأوساط المسماة "شعبية"، بل وحتى في أوساط أخرى يفترض أنها "أرقى" من الناحية الاجتماعية والثقافية أيضا. ففي علاقة بما تقدم، غالبا ما تكون طبيعة المرض مبررا أو دافعا قويا كي نلقي بأسبابه خارجا عنا، وهكذا وبدلا من البحث عن هذه الأسباب في جسدنا وفي ذاتنا نقوم بإلباس حالاتنا المرضية "لبوس التآمر" من قبل "الآخر" أو"الخارجي" أو "الغيبي"..

وبذلك يصبح "السحر" أو "المس" La possession كشكل من أشكال "التلبس"، هو الشكل "الملتبس" الذي نشخص من خلاله حالاتنا وبالتالي نبرر طريقة تعاطينا "الملتبسة" معها. إنه الخوف من الوصم La stigmatisation إذن، خاصة إذا كان الأمر يتعلق - كما الشأن هنا – بحالات تكون طبيعة المرض فيها تعلن إدانة مسبقة لأهلية المريض ومكانته الاجتماعية، خاصة في مجتمع يتأسس على قيم ثقافية تعلي من شأن (الفحولة، الرجولة، العقل والاستقامة..) لعل الأمر يتعلق هنا باستراتيجية تنزيه الذات بإلقاء اللوم على الآخر وشيطنته.

عوض اللجوء إلى الطب العصري إذن، (خاصة في حالات المرض النفسي أو العقلي وكذلك حالات العجز الجنسي)، حيث يتم تشخيص الحالة بالبحث في ذات المريض وعضويته، يتم اللجوء إلى أساليب "العلاج الروحاني" التي يلقى باللوم فيها دائما على قوى خارجية وغيبية شريرة: وهكذا يصبح العجز الجنسي عند الرجل، وعلاوة على أسباب قد تكون مرتبطة بالسحر، نتيجة مس أو "تملك" من قبل (عايشة) مثلا، كما يصبح البرود الجنسي لدى المرأة أيضا نتيجة تملك جسدها من قبل (حمو العاشق) أو (الكزار)، أو نتيجة أذى سلط عليها من قبل (الجنية ميرة) المعروفة بغيرتها المدمرة من النساء الجميلات..

بحيث تتشكل ثقافة خاصة بالمرض (كتآمر وعدوان خارجي)، مما ييسر ويشرعن أيضا طرقا للعلاج تقضي بالتخلص نهائيا من "المس"، كمس أولا وأخيرا بالرأسمال الرمزي والاجتماعي للشخص المصاب: (الفحولة، الرجولة، الخصوبة ورجاحة العقل...). وبالعودة إلى حالات المرض النفسي والعقلي، وبغض النظر عن إستراتيجية الهروب من الوصم الاجتماعي (حتى لا ننسى أيضا التكلفة المرتفعة جدا من حيث ميزانية المال والوقت التي يقتضيها العلاج العصري).

هناك سبب آخر يجعل الناس يفضلون عدم إيداع مرضاهم في المصحات العقلية، لعل الأمر يتعلق هنا بطبيعة تعريف المرض ودلالاته الثقافية.. فبينما يتحدد هذا الأخير، بالنسبة للطب العصري، كـ"حالة" تؤشر على خلل واضطراب يضع صاحبه "اجتماعيا" في وضع الأحمق والمعتوه وعديم الأهلية، نجد بأن العلاج الروحاني - وبتواطؤ مع ثقافة "البركة الضرائحية" - يحول هذه "الحالة" (المدانة) إلى "حال" منشود من أحوال الخرق والكشف الصوفيين: (بوهالي، هبيل، مجذوب، زوهري...).. فما هو "انحراف" عن العقل في قاموس الطب العصري، يصبح - في ثقافة "الطقس الصوفي" - مؤشرا على نمط خاص جدا من الرؤية والإدراك، أو لنقل من "المعقولية". إننا هنا أمام "ثقافة صوفية" متجدرة برموزها وقيمها ومقدساتها ومؤسساتها.

 

انتهى

تعليقات الزوّار (0)

أدب و ثقافة