مرميد من برلين : "نستعيد تدريجيا نرجس النجار

الإثنين 19 فبراير 2018
بقلم: بلال مرميد
0 تعليق

AHDATH.INFO"..

أيها السادة، نستعيد تدريجيا نرجس النجار التي عرفناها في فيلم "العيون الجافة"،
تعرفون ما هو المهرجان الناجح؟ هو الذي يتهافت فيه الناس لاقتناء تذاكر كلام الأفلام التي تعرض في كل الفئات، سواء فئة المسابقة الرسمية أو الموازية. تعرفون ما هو المهرجان الناجح؟ هو مهرجان برلين العالمي، لأن كل تذاكر فيلم "Apatride" "بدون موطن" للمغربية نرجس النجار بيعت بالكامل، و قاعة من ضمن عشرات القاعات التي تحتضن العروض امتلأت، و نحو ستمائة من المشاهدين حضروا و شاهدوا و ناقشوا و انتقدوا و رحبوا ثم غادروا.
أيها السادة، نستعيد تدريجيا نرجس النجار التي عرفناها في فيلم "العيون الجافة"،
يبدأ شريط "بدون موطن" هادئا، و تدور أحداثه في أجواء هادئة و ينتهي هادئا. هدوء و أحيانا تستأسد لغة الصمت. الهدوء و الصمت، قادران أحيانا على نقل المعاناة أفضل من الثرثرة و تجارب "ستيفان سودربيرغ" في هذا الباب تغني عن الكلام. في الفيلم نتابع معاناة "هانية"، هي واحدة من ضمن الآلاف من المغاربة الذي طردتهم الجزائر في العام خمسة و سبعين. إيقاع بطيء في البدء، و نرافق "هانية" في كل تحركاتها. نعيش معها علاقاتها مع محيطها و المحيطين بها، و نعيش معها أيضا ما تحس به في دواخلها. كاميرا تركز على ملامحها بشكل دقيق، و عن قصد تلف الضبابية بقية الوجوه. المخرجة ترغب في أن تنقل أحاسيس "هانية"، و الصمت لغة تتقنها أحيانا نرجس النجار. غاب الصمت و حضرت الثرثرة و اللقطات المجانية في شريطيها السابقية "انهض يا مغرب" و "عاشقة الريف"، و نالا ما ناله من إخفاق، و هنا في الفيلم الجديد نستعيد تدريجيا نرجس النجار التي تعرفنا عليها في شريطها الطويل الأول "العيون الجافة".
أيها السادة، نستعيد تدريجيا نرجس النجار التي عرفناها في فيلم "العيون الجافة"،
شريط بدون موطن، هو موطن الكثير من الحب الذي يلفه كثير من سواد و أنين داخلي ل"هانية"، يسمعه و يحس به المشاهد و لو أن المشاهد كانت طويلة أحيانا و قد تصير مملة بالنسبة للبعض، لكنها صادقة على كل حال، و هذا هو الأهم.
شريط ينتصر للإنسانية و لروح إنسانية، و إن كان يحكي تعاملا غير إنساني تعرضت له بطلة الشريط. شابة تعيش حلم إثبات هويتها، و يعسر عليها الأمر لأن الذين طردوا من الجزائر أغلبهم لم يتوفروا حينئذ على أوراق تثبت الهوية. فيما بعد تحلم بالحب، لكن هذا الحب سيصير بدوره عذابا. شابة تحب الإبن "محند"، و يتزوجها الأب العجوز. من يصعب عليه إثبات هويته، لا يتوفر أصلا على اختيار و يعيش مجبرا على قبول ما هو كائن، و ليس بإمكانه أن يحلم بما هو أفضل مما هو كائن. الاختيارات غير متوفرة، و الحياة تصير معقدة و تعقيداتها تزيد بعد أن تلتحق زوجة الإبن "لويز" (Julie Gayet) بزوجها "محند" في المغرب. "هانية" تضطر لأن تتعايش مع الوضع، و تخفي الحب و العذاب في الآن، و في الأخير تختفي أو تغرق، و تنسحب أو يلف قضيتها النسيان، تماما مثل مغاربة آخرين تعرضوا للطرد قبل نحو اثنين و أربعين عاما. هو ليس بالفيلم السياسي، و لا يتوفر أصلا على مقومات السياسي. هو فيلم بروح إنسانية، و الصمت عملته.
أيها السادة، نستعيد تدريجيا نرجس النجار التي عرفناها في فيلم "العيون الجافة"،
طريقة التقابل حاضرة، من خلال علاقة "هانية" بالزوج العجوز (عادل الفاضلي)، و بابنه (أفيشاي بنزرا) و بالجندي المرابط في الحدود. طريقة التقابل تحضر أيضا في علاقتها بنفسها، و بأخت الزوج (نادية النيازي)، و مع موظف الإدارة الذي لم يعثر على سبيل لقبول طلبها و إثبات هويتها الضائعة. بناء بسيط، و نرجس النجار تستعيد توازنها بهذا الفيلم الذي سينسي الجمهور فظاعات عمليها السابقين. "بدون موطن"، بنفس شاعري و بهفوات في الحوار كان بالإمكان تجاوزها و شخصيات غيابها مثل حضورها. في العمل التلفزي الأمر لا يزعج كثيرا، لكن في السينما "الشخصية التي لا تضيف شيئا، تنقص من قيمة الفيلم" كما يردد دائما الكبير "جون ليك غودار" . مع ذلك، هو شريط نحس من خلاله بأننا نستعيد تدريجيا مخرجة بدأت متألقة و مرت من فترة فراغ، إسمها نرجس النجار. فئة "Forum" محترمة هنا في برلين، و موضوع شريطها جد مهم، و عملها هذا بنقائصه، يبقى أفضل مقارنة ببعض من أفلام مغربية أخرى أنتجت مؤخرا، تصاب بالضنك حين تجبر على مشاهدتها. نرجس النجار هنيئا لك باستعادتك لتوازنك، و بإمكانك مستقبلا أن تقدمي الأفضل. مخرجة استعادت توازنها نسبيا، و ننتظر أن يستعيد مخرجون آخرون توازنهم. نحن هنا لمرافقتهم و تشجيعهم حين تكون المحاولة جادة، و فيلم "بدون موطن" محاولة جادة. في أول و آخر المطاف، لن نجد حرجا في دعم المحاولات الجادة. لا داعي لأن تركزوا أكثر من اللزوم مع قبلة فيلم "غزية"، لأن مخرجين مغاربة آخرين يحاولون و يجتهدون قدر المستطاع و من ضمنهم "نرجس النجار" و "هشام العسري" و "فوزي بنسعيدي" الذي سيعرض شريطه الجديد قريبا في القاعات المغربية التي لا زالت على قيد الحياة. آخر الكلام، بشريط "بدون موطن"، نحن نستعيد تدريجيا نرجس النجار التي عرفناها في فيلم "العيون الجافة و السلام.

تعليقات الزوّار (0)