الشرعي يكتب: شجاعة امرأة

الجمعة 18 مايو 2018
بقلم: أحمد الشرعي
0 تعليق

AHDATH.INFO

«الضحية التي روت، لثلاث ساعات متوالية تفاصيل العذاب الذي عاشته، أفادت قضية المرأة أكثر من كل الملتمسات النسائية مجتمعة».

تقف امرأة أمام هيئة المحكمة، في ساعة متأخرة من الليل، لتحكي أهوال العبودية الجنسية التي كانت ضحية لها. على امتداد أزيد من ثلاث ساعات، لا تتردد في تقديم أدق التفاصيل، وأكثرها إيلاما، حول الاستعباد الذي فرض عليها قسرا، حتى وهي حامل. المتهم بهذه الممارسات لم يقو على الاستمرار في الاستماع إلى الشهادة الصادمة حول إمعانه في إذلال امرأة... إنسانة... عبر ابتزاز مادي وتراتبية معنوية

بوح هذه السيدة بهذه الوقائع،يتحول في هذه الحالة إلى تطهير داخلي يسمح لها بالتخلص،عبر إخراج كم كبير من المسكوت عنه،من ثقل كبير جثم على نفسيتها. ومن خلال جسامة الأفعال المرتكبة في حقها، يمكن أن نتفهم عدم قدرتها على إخبار أقربائها أو زوجها بما حدث.

 هذه المرأة، وباقي النساء اللواتي استطعن فضح الاعتداءات الجنسية التي تعرضن لها، لا يمكن سوى الانحناء لشجاعتهن في رحلة البحث عن كرامة مهدورة. في مجتمع ذكوري، حيث الأنساق الاجتماعية تبتعد كثيرا عن مفهوم الحق، تواجه هؤلاء النسوة خطر العزل، بل الأنكى، خطر تحامل محيط اجتماعي معادي بالأساس، لأنه ينبني على قواعد تفترض «أنهن مشاركات في الفضيحة الجنسية» في وقت هن لسن سوى ضحاياها

رائعات حقا هؤلاء النساء لأنهن امتلكن هذه الجرأة، وعبرها يفتحن الطريق لضحايا أخريات، لكي لا يتسنى لكل مفترس جنسي أن يتمتع بوهم «اللاعقاب»، لأنه يتوقع دائما أن لا تقوى ضحاياه على فضحه.

في الغالب، وبإقدامهن على فضح ما تعرضن له، تخاطرن بفقدان كل شيء... العمل... الحضن العائلي... والأزواج الذين سيعانون قطعا من ضغط اجتماعي رهيب، لأنهم سيصبحون في عرف هذا المجتمع «أزواجا مغفلين»، وسيفقدن أيضا أبناءهن في المدارس، إذ يمكن أن يوصموا بعار لم تقترفه أياديهم، إلى الأبد.

الأمر لا يطاق، وهو مرعب. لكنها للأسف الحقيقة الصادمة لمجتمع يعاني انفاصاما فعليا، إذ يعتبر دائما أن مفهوم «الحشومة» يجب أن يقدم على الحقيقة، وأن امرأة مغتصبة، يجب عليها أن تتضرع لخالقها، وأن تحمده سرا وليلا ونهارا أن الناس لم تعرف بما وقع لها عوض أن تطلب القصاص في العدالة... بدون أدنى مراعاة لوضعها النفسي.  

الضحية التي روت، لثلاث ساعات متوالية، تفاصيل العذاب الذي عاشته، أفادت قضية المرأة أكثر من كل الملتمسات النسائية مجتمعة.

شجاعتها ستفتح المجال لنساء أخريات لمحاكاتها،وستدفع أولئك الذين يتصورون بأن المستخدمات لديهم لسن سوى دمى جنسية تحت إمرتهم،تلبين ماسولت لهم انحرافاتهم المثيرة للغثيان متى شاؤوا،لأن يعاودوا التفكير مرتين وثلاثا وعشرة قبل الإقدام على ممارسات مماثلة.

 ما حدث يسائل مجتمعا بأكمله. المدرسة والأسرة وطبعا الهيئات غير الحكومية، الأحزاب السياسية التي أصبحت ملزمة بأن تضع على رأس أولويات القضايا التي يجب الدفاع عليها، أشكال العنف الممارسة ضد النساء، والتحرش والاغتصاب، والاستعباد بكل ألوانه.

في انتظار أن يتحقق ذلك، سيكون أكثر إيلاما لهؤلاء الضحايا، بعد انتهاء المحاكمة، أن يتخلى عنهن الجميع. الضحايا يحتجن إلى مواكبة نفسية، واستماع مطول، وتأطير متخصص.

في حالة بعض منهن، الحاجة ملحة لإيجاد عمل في أقرب وقت ممكن، لتفادي تردي وضعهن المادي، ما سيضر لا محالة بوضعهن الاجتماعي وحالتهن المعنوية. وعلى الجمعيات المختصة أن توفر لهن كل أشكال الحماية والمؤازرة الممكنة

 في سياق متصل، على المشرع أن يستلهم من هذه الحالة تغييرات في القانون الجنائي المغربي، تقضي بإلغاء الفرق بين الاغتصاب بالعنف أو من دونه، مع إحلال عقوبات صارمة تشبه العقوبات التي تصدر في حق مقترفي جرائم القتل، وإشهارها على الرأي العام ما أمكن.

كلنا مدعوون أخلاقيا، لإبداء ردود فعل أقوى، لأن تضحية وشجاعة هؤلاء النسوة لا يجب أن تذهب سدى.

هذا واجبنا تجاههن، من منطلق احترام كرامتنا أيضا، والتي لا يمكن أن تكون منفصلة عن كرامتهن

تعليقات الزوّار (0)