دافقير يكتب: يسار آخر ممكن !

الجمعة 13 يوليوز 2018
بقلم: يونس دافقير
0 تعليق

AHDATH.INFO

بعيدا عن الريف وتعقيداته، انبعثت من الدارالبيضاء رسالة أمل في يسار بإمكانه أن يتغلب على أنفاس احتضاره.

ولأنه خيب آمال الذين كانوا ينتظرون تشييعه إلى مثواه الأخير، رأينا كيف انفجر سعار الكثيرين: غضبت العدل والإحسان، واستل بعض القياديين في البيجيدي سبة «بقايا اليسار»، مثلما خرج حمقى الوطنية الزائفة ليجعلوا من حزب مارس دوره في تأطير المواطنين خائنا للوطن وثوابته.

ولأن العدل والإحسان هالها أن يكون لهذا اليسار قدرة على تعبئة آلاف المواطنين الذين حضروا مسيرته بوعي واختيار ذاتي وليس بالتجييش، ها نحن نرى كيف تسابق الزمن وتخلط الأوراق لتنتقم للبساط الذي تم سحبه من تحت أقدامها، ولو تطلب منها ذلك المتاجرة بمعتقلي الحسيمة وعائلاتهم في سوق حسابات الربح والخسارة مع خصومها السياسيين في الدولة والمجتمع.

وستكون مسيرتها في الرباط أكبر وأضخم من مسيرة الدارالبيضاء، لكن اليسار لم يكن يوما كما بشريا، كان دائما ذاك الحضور النوعي المقلق، وهو أكثر من ذلك صاحب وضوح في مطالبه وخطابه، لا يبشر بقومة ولا بثورة، يريد فقط إصلاح ما استطاع إليه سبيلا، دون أن يدعي نبوة أو يحتكر حقيقة.

هذا اليسار، الذي اقتات المحافظون الدينيون من الفراغات التي تركها خلفه ومن حوله، دون أن يقدروا على طرح أسئلته الجوهرية، مازال مؤمنا بأن المستقبل قابل للتدارك، ولذلك نراه، ومهما بدا عليه من ارتباك أو اندفاعات راديكالية أحيانا، يسعى لاستعادة المبادرة، لأنه يعرف أن هذا قدره، وأن استعادة توازن ميزان القوى في المجتمع واجبه الذي لا مفر له منه.

منذ سنوات لم يعد بإمكان اليسار أن يكون قوة انتخابية، ليس فقط في أنه لم ينجح يوما في أن يستقطب إليه الفلاحين والعمال والطلبة كما تقول الأغنية القديمة، ولا لأن الطبقة الوسطى التي توصف ب«عاهرة الطبقات» مستعدة لأن تنقلب عليه وترافق أول عابر في سبيل السياسة، هو لم يعد انتخابيا لأن الزمن ككل لم يعد زمنه، منذ أن صار الإسلاميون والتقنقراط الزبائن المفضلين لكراسي السلط والتمثيلية.

ولم يعش اليسار يوما إلا مسلحا بالشارع، حتى أن كل الذاكرة اليسارية لما تريد تمجيد ماضيها لا تقف إلا عند تواريخ من قبيل 1965 و1981 و1984 و1991.. ولم يكن يوما ممكنا ذكر اليسار دون أن يكون مرفوقا بالإضرابات والاحتجاجات والتعبير عن نبض الشارع.

ويوم تخلى اليسار عن الشارع، استوطنته جحافل الإسلاميين والعدميين الذين لا لون سياسي ولا إيديولوجي لهم.

لااليسارصارحاكماولاهوبقيسيدالمعارضة،كانتلحظةتيهعسيرةجابفيهاصحراءالنضال،وانتهىبهالمطافيتيمافيبضعمقاعدبرلمانية وقلة قليلة من الأصوات يحصدها أي ملتح بارع في خطابة الدين من داخل دائرة انتخابية واحدة.

ومن الدارالبيضاء حيث احتشد الآلاف تلبية لنداء يساري صادق، كانت الرسالة تفيد أن هذا اليسار لم يمت، وكلما عاد إلى جذوره وأصوله الأولى كلما استعاد لياقته الجماهيرية حتى وإن تسلح بمجرد خطاب سياسي وحقوقي مخفف من أعباء الأيديولويجيا.

كانت الأيديولوجيات المتقادمة واحدة من أسباب ترهل اليسار، وحتى الأكثر جدة منها تسببت في عزلته وسط مد طافح بالمحافظة، وفي المقابل كانت السياسة منقذه دائما، لكنها لم تكن وحدها تكفي في غياب تحويلها إلى عرض اجتماعي تسنده قاعدة جماهيرية.

وهنا كل الحكاية ومكمن الداء الذي يسعى بعض من اليسار لعلاجه، وليس أمامه من خيار آخر غير رفع راية النجاح في وجه الشامتين في حاضره والناقمين على ماضيه.

   

تعليقات الزوّار (0)