لغزيوي يكتب: « مضاربين مع مهرجان! »

الإثنين 23 يوليو 2018
بقلم: المختار لغزيوي
0 تعليق

AHDATH.INFO

لاأعتقد أنه مجرد موسم أو مهرجان. هو في الحقيقة حكاية من الجيد أن تروى للأجيال التي لم تعايش بدايتها، ولم تعايش منتصفها، وعايشت فقط بالسماع البعيد، وصولها هاته السنة إلى الأربعين عاما من الانعقاد والإصرار على هذا الانعقاد..

يتعلق الأمر بموسم أصيلة الثقافي الذي أقفل هاته السنة عقده الرابع، والذي اختار هاته السنة أن يكرم مؤسسه محمد بن عيسى، اعترافا منه بفضل هذا الأخير عل المدينة التي جعل منها المكان/العلم الذي يعرفه الجميع اليوم، بعد أن كانت قرية صيادين صغيرة وفقيرة توجد في  مكان ما بين كل الأشياء، لا تعرفها العين المتوقفة إلا نادرا ومن خلال صدف حياتية قد لاترتب نفسها إلا بعد كثير عناء .

لماذا التنويه بحدث مثل هذا وقد بلغ الأربعين، وله محبون مثلما له مناهضون كثر لاينظرون له ولا لمؤسسه بعين الرضا؟

لأن الخطوة تستحق الانتباه ولأن الإصرار عليها يستحق الثناء، ولأنها في نهاية المطاف قصة تصلح نموذجا لعديد المدن والقرى التي لم تستطع أن تمتلك إشعاعا مثل الذي تحقق لأصيلة من خلال هذا الموسم.

في سالف العقود والسنوات، وعندما كانت الثقافة تحدد نفسها وقيمتها بالاصطفاف مع المعارضة أو مع الأغلبية سمع هذا الموسم كلاما كثيرا، وتلقى وابلا من النقذ غير المبني على أساس فعلي إلا أساس المعارضة لوجه الخصومة السياسية. لكنه ظل. استطاعت الخصومات السياسية أن تطوي نفسها بنفسها مع توالي السنوات، وبقي الرهان على الثقافة سببا ومسببا للإشعاع ممكنا وعلامة تميز في هذه المدينة أكثر من غيرها

واليوم ونحن نرى مهرجانات تؤدي ثمن المعارضة السياسية هجوما عليها، أو انتقادا لها أو مطالبة بتوقيفها، نجد أنفسنا ملزمين بتذكر أصيلة والمحن الكثيرة التي مرت على أصيلة، والحروب المتشنجة التي تم خوضها ضد أصيلة والكلام الكبير الذي كان يتم اقترافه لكي يتوقف الموسم. لكن شيئا من ذلك لم يحدث، واستطاع هذا الموعد الثقافي أن يضمن لنفسه وتيرة الانعقاد والصمود وإن خفت الاهتمام بالثقافة في السنوات الأخيرة بشكل واضح، وإن تغيرت معالم وأسماء الحاضرين، والثقل المعنوي لغالبيتهم لكن الفكرة المؤسسة بقيت وواصلت العناد الجميل معلنة التحدي، ومخرجة اللسان لكل الذين كانوا يعتقدون أنها ستسقط.

هاته الحكاية يجب أن تعمم على بقية المواعد الثقافية الحقيقية، المرتبطة بفكرة ما، المبنية على أساس معرفي ما، والممتلكة لرسالة توجهها لجمهور ما.

حتى في عز الهجوم عليه لأسباب منها الشخصي ومنها السياسي ومنها المزايد الفارغ ومنها الراغب في الإيقاف فقط الحاقد على التنظيم والانعقاد والاستمرار وما إليه، يجب أن يمتلك الفعل الثقافي القدرة على المقاومة، وإرادة الصمود هاته، والرغبة في قول لا لكل محاولات القتل هذه .

عندما ينطفئ مهرجان ما، عندما يموت موعد ثقافي ما، عندما يعلن تجمع للفكر أو الأدب أو الفن أو الثقافة الاستسلام ويرفع الراية البيضاء، ويقول "فعلا الناس لا تحتاج هذا الترف الفكري أو الثقافي أو الفني. الناس تحتاج خبزا وكثير مرق والسلام"، شيء ما في دواخل الدواخل الجماعية ينتكس، يتلقى ضربة سيئة، قد لا نستشعرها في حينها، قد لانفهم قوتها في الحين. لكن مع الوقت، مع تقدم الزمن، مع  سيادة الفراغ وسطوة الظلام وانتشاء كل البذاءات والتفاهات والرداءات نلتفت هنا وهناك ونتذكر هذا الموعد الذي كان ينعقد في هاته المدينة ولم يعد، وذلك الموعد الآخر الذي كانت تحتضنه تلك القرية ومات، والموعد الثالث الذي كان في تلك الأرجاء ولم يعد له اليوم أثر..

نقول لأنفسنا إن فن إضاعة الفرص فن حقيقي هو الآخر قائم على أساس فعلي من جهل، وأننا نتوفر على علماء كبار فيه يحددون لنا أحايين كثير أشكالا غريبة لأعداء أغرب، من الصعب أن تقتنع أنهم أعداء لك، ومن الغباء المستعصي على العلاج أن تتصور أنهم مشكلك الأساسي.

ذلك أنه لايمكن إطلاقا لمهرجان غنائي أن يكون عدوا لإنسان سوي.

يستحيل على موعد ثقافي أن يكون أداة تناحر لأناس عاقلين..

يستعصي حد اللاإمكان أن يقتنع أصحاء نفسيا وعقليا أن القضاء على حدث ثقافي أو فكري أو فني أو مدني هو انتصار لأي شيء لديهم.

العكس هو الصحيح أيها السادة. العكس هو الصحيح. وعندما تنطفى جذوة شيء ما جميل في البلد أينما كان ومهما كان حجمه، كبيرا تخصص له القنوات التلفزيونية كل التجنيد، أو هامشيا يحضره المنظم لوحده رفقة أصدقاء له شاركوه الفكرة والحلم بها، فإن أشياء كثيرة أجمل بكثير هي التي تنطفى في دواخلنا إلى مالانهاية..

أعترف أن هذا التكبر الأمي على الثقافة أصبح يرعبني. أعترف أن هذا الاكتفاء بالجهل أصبح يثير لدي مشاعر الهلع، وأعترف أن إعلاننا الجماعي الاستغناء عن كل أغذية الروح من موسيقى وغناء وسينما ومسرح وكتب وصحف ومجلات ورقص وتشكيل، واعتبارها نوافل لافائدة منها، ومجاهرتنا بالمقابل بأننا نريد اللحظة فقط خبزا كثيرا ومرقا أكثر هو أمر يقتل كل حي في هذا الوطن.

تلك الأربعون سنة التي مرت من أصيلة رغم كل شيء، ومعها كل السنوات التي مرت من مهرجانات ومواعد ثقافية أخرى دليل حياة فعلي، وبرهان على أن المقاومة بالثقافة لازالت أمامنا اليوم وسيلة لإعلان العيش، لرفض الموت، للتشبث بالحياة.

لامفر، ولا مجال لدينا أو أمامنا للهروب من فعل المقاومة هذا. ففي الركن الآخر من الموت، يوجد آخرن يقولون لنا إن كل علامات الحياة هاته حرام، وأن الحلال الوحيد الذي يقترحونه علينا هو عبارة "حلال طيب" التي تضعها علامات الأكل الجاهز والسريع على وجباتها لكي تقنعنا أننا ونحن نزدرد كل ذلك الهراء نضمن ولو جزءا صغيرا من الجنة بعد الرحيل...

لامفر من التلفع بالثقافة وسط كل هذا الجهل الكثير، لا مفر إطلاقا…

تعليقات الزوّار (0)