لغزيوي يكتب عن موقف البريني: لأجل المهنة لا غير !

الثلاثاء 24 يوليوز 2018
بقلم: المختار لغزيوي
0 تعليق

AHDATH.INFO

يجب علينا جميعا أن نقرأ موقف القيدوم محمد البريني من المجلس الوطني للصحافة القراءة الصحيحة واللازمة، بعيدا عن أي محاولة مزايدات فارغة هي التي أقلقت الرجل أصلا ودفعته لوقفته الشجاعة والصريحة مع الذات أولا، ومع المهنة ثانيا.

رجل مثل البريني أمضى زهرة شبابه كلها في المهنة، وأسس للتجارب الناجحة الأشهر في الميدان الصحافي المكتوب، بأن جعل -رفقة آخرين طبعا - من «الاتحاد الاشتراكي» الجريدة الحزبية الأكثر مقروئية في المغرب في لحظة من اللحظات، وبأن عاود الكرة وأثبت ألا صدفة في الحكاية وجعل من «الأحداث المغربية» أول جريدة غير حزبية تحقق أرقام مبيعات خيالية، وتفتح المجال على مصراعيه أمام التجارب التي أتت فيما بعد، والتي كانت كلها بشكل أو بآخر ابنة لهاته المدرسة، (رجل مثل هذا) لم يقدم على خطوة مثل خطوة الانسحاب من المجلس الوطني للصحافة مجانا، أو بغرض التباهي، أو لتسجيل موقف سياسوي، أو ما يشبه هذا الهراء الذي امتلأ به المشهد الصحافي اليوم.

خطوة البريني خطوة مدروسة. ومن يعرفونه عن قرب يعرفون أنه فكر فيها آلاف المرات في اليوم الواحد، وأنها ظلت تخامر ذهنه منذ وصلته تفاصيل ما يقع في المجلس، وكيف مرت الانتخابات، وكيف سعى العديدون - لا سامحهم الله - إلى اغتيال هذا الحلم الجميل وجعله كابوسا حقيقيا لأجل أغراض شخصية جد صغيرة وجد مسكينة.

ومن عايشوا البريني خلال تكوين لجنة أخلاقيات المهنة منذ سنوات عديدة خلت، يعرفون أنه حضر تأسيسها بصدق شديد، وأنه انخرط في أعمالها بصدق أكبر. لكنه وعندما فهم أن الحكاية غير حقيقية، وأنها مشوهة، وأن بعض من أسندت إليهم أمور تدبير أخلاقيات مهنة الصحافة لا علاقة لهم بالأخلاقيات، ولا بالمهنة، ولا بالصحافة، ولا بأي شيء على الإطلاق، جمد عضويته في صمت، وذهب يشتغل في صحيفته التي كان يديرها، وكله ألم أن شعارات كثيرة تجمعنا في البدء ثم نقوم باغتيالها بشكل بشع على مذبح لعبنا الصغير بكل شيء.

موقف البريني الجديد لم يفاجئ من يعرفون الرجل، والذين كانوا يتوقعونها من رجل ترك جريدة «الاتحاد الاشتراكي» بمحض إرادته بعد أن استحال العيش المهني فيها، وذهب من تلقاء نفسه إلى الإدارة المعنية لكي يتنازل عن ملكية الجريدة، وهي ملكية كان يمكنها أن تدر عليه الملايين لو شاء البيع والشراء بها.

أيضا هذا الرجل سبق له أن رهن منزل أسرته الصغيرة لكي يطلق مغامرة «الأحداث المغربية»، التي آمن بها أيما إيمان، والتي بادلته الإيمان بإيمان أكبر، والتي لازالت تحتفظ له بكل الود والتقدير وكل علامات الامتنان، والتي لم يغادرها ولن يغادرها أبدا على كل حال…

وهذا الرجل - وأنا أعرف أنه لن يحب سماع هذا الكلام وسيعتبره مضيعة للوقت وكفى لأنه متواضع حقا وليس ادعاء- سبق له ورفض امتيازات مالية كبرى من سفارات عربية، وسبق له أن جعل من الاشتغال لأجل تقديم نموذج مشرف عن وللصحافي المغربي أفق عمله اليومي.

لذلك وفي السنوات الأخيرة لإدارته للأحداث المغربية، لم يكن يقول إن تراجع المبيعات يعود إلى الحروب الصغيرة في السوق، وإلى إغراق المجال بعناوين فيها الحقيقي وفيها المفتعل، أو إلى الإفراغ الممنهج الذي تعرضت له هاته التجربة، أو أي شيء من هذا القبيل.

ظل الرجل دوما وأبدا يقول إن المشكل يوجد هنا داخل «الأحداث المغربية»، وظل يوصي الصحافيين بالبحث عن المشكل في أنفسهم، وطرح السؤال المؤرق على ذواتهم «لماذا أعرض عنا القارئ وكنا في وقت سابق أول جريدة لديه؟».

هذا النقد الذاتي الحقيقي والإيمان بالتكوين المستمر، والبحث دوما وأبدا عن التجديد، ثم فتح المجال رحبا شاسعا أمام الجيل الشاب الوافد، وإعطاء الفرصة لأسماء لم يكن لها أن تحلم بتحمل المسؤولية لو سقطت بين أيدي ديناصورات التحنيط الشهيرة، وجعل الأخلاقيات دوما وأبدا نصب العين، ولومنا الدائم والأبدي على حروبنا «الصغيرة» مع الزملاء وحتى مع من هم في حكم الزملاء والمهنة منهم براء، وغير ذلك من الدروس اليومية التي تلقيناها منه على امتداد سنوات وسنوات في هذا المكان، كل هذا جعلنا ننتظر من البريني الذي نعرفه موقفا مماثلا..

ذلك أنه لا يمكن أن يحظى ما وقع بشرعنة من طرف الكبار، ولا يمكن نهائيا أن نمثل - وهذا كلام قلناه الجمعة - دور من لم ير، ولم يسمع شيئا عن ظروف النشأة والتكوين، وهي ظروف نشأة وتكوين لا تشرف أحدا منا سواء اعتبر نفسه من المنتصرين، أو كان من المنهزمين في الانتخابات الأولى للمجلس، التي يمكن اعتبارنا مجددا منهزمين جماعة فيها.

هذا الحلم - ومعذرة على التكرار لكنني أعرف أنه يعلم الشطار - من الحرام أن يصبح كابوسا بأيدينا، وهاته المهنة التي تنقرض، والتي تموت يجب أن نمد لها طوق النجاة لا أن نطلق عليها رصاصة الرحمة.

السياسوي /الحزبي لن يريد بها رأفة ولا رحمة. هو سيريدها تابعة له والسلام.

وحدهم أبناؤها أولئك الذين لا يمارسون ما عداها من مهن، والذين يمارسونها عن حب، وعن موهبة واقتدار، ولم يأتوا إليها هربا من جوع أو فاقة أو اختفاء من شيء ما، أو تنفيذا لأجندة ما، بل أتوها وأتتهم عن اقتناع كامل، يستطيعون مد يد العون لها.

يد البريني امتدت يوم الأحد. وبعده امتدت يد فدرالية الناشرين في موقف مشرف للغاية بتجميد المساهمة في الهيكلة حتى تتضح الأشياء. وأعتقد أن الأيدي الأخرى ملزمة بالالتحاق، لأن هاته المهنة التي عانت طيلة هاته السنوات والعقود من الادعاء والأدعياء، آن لها اليوم أن تقف لوحدها، وأن تطهر نفسها من الشوائب، وأن تعلنها واضحة دون أي لبس أو جدال: إما أن ننطلق انطلاقة حقيقية وجدية لإصلاح هذا القطاع، وإما أن نقفل هاته «الحوانيت» المضحكة، وأن يذهب كل «غاز إلى بلاده» لكي يبحث فيها عن شغل آخر يتقنه فعلا…

تعليقات الزوّار (0)