لغزيوي يكتب: "كون راجل ديال بالصح"!

الخميس 26 يوليو 2018
بقلم: المختار لغزيوي
0 تعليق

AHDATH.INFO

كن رجلا حقيقيا. إفتح عقلك على مصراعيه. دع لتيارات القراءة أن تهب عليه. اترك لبعض من أهواء العلم أن تداعبه. إسمح لعواصف الإبداع أن تلتقي مع النورونات المسكينة الموضوعة داخل جمجمتك

كن رجلا - أي بني - واترك عنك الفيسبوك. أقفل تلك الصفحة التي لا تتواصل فيها مع أحد، بل تتحدث فقط مع أنانيتك، وحاول أن تحادث نفسك يوما. حاول أن تجد طريقة ما للكلام مع ذاتك. حاول أن توقف مقاطعتك لدواخلك، عوض أن تقاطع الماء أو الحليب أو البنزين، وأن تنفتح على تلك الأرجاء العميقة التي تشكلها نفسك والتي لا تعرفها.

كن رجلا ياهذا، ودع عنك أحلاما لن تحقق لك أي شيء. أخرج إلى الشارع، اقصد مصنعا أو معملا أو شركة. انفض عن ذلك الديبلوم غباره، وقل إن قدره ليس أن يبقى داخل الدولاب وأن تبكي أنت كلما تذكرته، وأن تندب حظك أنك فقير وألا "بيسطون" تعرفه سيتوسط لك لكي تشتغل

افعل مثلما تفعل كل الفقيرات اللائي تصادفهن صباحا وأنت تعود ثملا إلى المنزل، فيما هن يذهبن في ذلك الوقت الباكر إلى المصانع، لكي يفتحن منازل وبيوتا ولكي يعلن أطفالا ورجالا، ولكي تجد أنت قرابة الرابعة بعد الزوال تحت مخدتك ماتشتري به سيجارة "الوينستون" الخاصة بك، وماتجلس به في مقهى الحي لكي تتأمل السحنات العابرة، والأجساد التي يجود بها عليك الشارع كل يوم.

كن رجلا ياهذا، واخرج من فكرة الجسد التي تعذبك، وحاول أن تنظر إلى ماهو أبعد من المظهر الخارجي. أنفذ إلى عمق العمق، واسأل نفسك "لماذا لا أحترم مايلبسه أي كائن دون أن أتدخل في شؤون هي ليست شؤوني؟"، ثم عد واسأل نفسك مرة أخرى "ماذا سيحدث لو أنني قررت احترام حرية الناس وكفى؟"

كن رجلا أيها الصغير وإن بلغت من العمر عتيا، إفهم أن معارك الغباء تظل للغباء، وأن العقل وحده له معارك تستحق الخوض، وتستحق أن تناقش، وتستحق أن يفرد لها قليل من الوقت الثمين الذي تضيعه في الترهات..

كن رجلا واشتر لأول مرة في حياتك أو بعد فترة غياب طويلة كتابا. إفتحه، بين دفتيه ستجد العجب العجاب. ستكتشف عوالم وشخصيات وحكايات وأناسا لن تتعرف عليهم إلا داخله. أعط لنفسك ولعقلك حق القراءة يوما، حق الانبهار بالأسطر والمرويات، حق تفعيل تلك الحروف الأبجدية التي تعلمتها منذ الابتدائي، والتي لم يعلمها لك الوالدان ومعهم رهط كبير من المعلمين والأساتذة فقط لكي تمحو الأمية، ولكي تتقن قراءة تدوينات الفيسبوك وفك طلاسم صور العابرات في سنابشات، بل علموك إياها لكي تفعل بها شيئا ذا قيمة في يوم من الأيام..

كن رجلا وانس عنك القراءة ياسيدي إذا كانت شاقة إلى هذا الحد. إذهب إلى السينما. إبحث عن آخر فيلم جادت به القريحة الإبداعية العالمية. أخطئ يوما وادلف إلى النادي الثقافي القريب من حيك. شاهد تلك المسرحية الساذجة التي تعرض فيه، والتي يلعب بطولتها أقران لك. حاول أن تستوعب لماذا يجمعهم المسرح حوله، ولماذا لا تجد شيئا تلتئم أنت وذاتك فيه وبه وعبره..

يتعبك المسرح ولا تطيق الجلوس ساعتين في قاعة مظلمة؟ لابأس. كن رجلا وأنصت لموسيقى غير تلك التي تأتيك في "الطوندانس" عبر اليوتوب، وغير تلك التي يفرضها عليك التلفزيون والإذاعات قسرا، وغير تلك التي ينصت لها الجميع. إبحث عن معاني الكلمات بكل اللغات في كل الأغاني التي تصل مسامعك. إبحث عن الكاتب وعن سبب ارتكابه لتلك المعصية الفنية، وابحث عن الملحن ومتى راودته الأنغام عن نفسه فهوى، وابحث عن الذي يؤدي أو التي تؤدي ومتى علمت أن حبالها الصوتية لاتصلح فقط للشجار في الحمام أو للكلام الساقط الذي تلتقي به في الشارع، وأنه من الممكن للصوت أن يوصل الهدوء والسكينة إلى أقصى أقاصي النفس.

كن رجلا وانس أنك ذكر. تذكر المحيطات بك اللائي تريد إخفاءهن مثل أي جريمة نكراء عن الأعين، وتذكر أنهن يمتلكن عقلا يفكرن به، وأنهن إن اخترن النقاب فهذا حقهن، وإن اخترن الحجاب فهذا حقهن، وإن اخترن أزياء أخرى تبدي ولا تخفي فهذا حقهن، وتذكر أساسا أنك عندما ترتدي ذلك "الجينز"الضيق وتضع كل تلك الكمية الحمقاء من "الجيل" فوق رأسك وتفتح القميص على مصراعيه لا أحد يقول لك "كن رجلا وأخف عنا مفاتنك أيها المفتون".

لاأحد يعيرك اهتماما لا أنت ولا ماترتديه. لا أحد يهتم بك. لذلك ترتكب في مواقع التواصل الاجتماعي مثل هاته الافتراءات، وتجد أنك تملك مايكفي من الوقت لكي تضيعه في هاشتاغ يطلب من كل نساء الكون اللائي يقربنك أن يتغطين، ويطلب في المقابل من كل نساء العالم اللائي لاصلة عائلية تجمعك بهن أن يتعرين وأن يظهرن لك الزينة وما بدا وبقية الأشياء.

كن رجلا و"دير عقلك"، واترك عنك هاته البذاءات فمن يضعون لك خارطة الطريق لكي تتبع هاته التفاهات يعرفون ماذا يريدون. هم فقط يهيئونك ليوم آخر تكون قد وصلت فيه من الكبت عتيا وأصبحت أنت أيضا تعتقد أن حقك من الحياة مع الجنس  الآخر لن يكون إلا مع الحور العين الإثنتان والسبعون الشهيرة يوم تقتل نفسك وتقتل المحيطين بك وأنت تصرخ "الله أكبر"، دون أن تستوعب أن الله جل وعلا كبير دون حماقاتك، وأن رحمته وسعت كل شيء فيما عقلك وقلبك ضاقا عن مختلف الأشياء..

كن رجلا وفكر بكل أعضاء جسدك المؤهلة للتفكير. دع الأعضاء الأخرى لما خلقها الله له، فهي لم تصلح يوما للتفكير، وكلما استعملتها في غير موضعها إلا وعاد عليك ذلك بوبال شديد، ووجدت نفسك المرة بعد الأخرى ملزما بالمسارعة إلى الحمام لكي تغسل أوساخ مااقترفت وأنت تفكر بعضو غير صالح للتفكير..

كن رجلا فعليا ياهذا. ولا تكن مجرد ذكر يفكر بغير عقله. كن إنسانا ولو لمرة واحدة في حياتك وانظر إلى الناس نظرة أخرى غير نظرة الوطأ والجماع والبناء والدخول وبقية علامات القهر التي تسكن هذا المجتمع المريض والتي تسللت إليك في خفية وأصبحت تعني لك كل الأشياء .

كن "غير بنادم" واترك بقية الأمور للطبيعة فهي أقدر على إصلاح كل الأعطاب..

تعليقات الزوّار (0)