#ملحوظات_لغزيوي: قصتي (نا) مع الحريك !

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
بقلم: المختار لغزيوي
0 تعليق

AHDATH.INFO

عندما تسمع البعض يتحدث عن ازدياد ظاهرة الحريك في المدة الأخيرة، تمسك رأسك بين يديك وتتساءل « هل يعيش معنا هذا البعض فعلا؟ أم أنه يمثل فقط دور المرافق لنا في هاته الحياة الصعبة والشاقة وغير اللذيذة بكل تأكيد؟ »

منذ سنوات عديدة، وبالتحديد سنة 2002 كنت في طنجة لتغطية المهرجان الوطني للسينما. اهتدت فكرة القيمين على المهرجان إلى تنظيم ندوة من ندوات الموعد السينمائي على ظهر باخرة ستدخل بنا قليلا إلى البحر، وسنتحادث حول السينما وشجونها ثم سنعود. أثناء دخولنا إلى الميناء القديم لمدينة طنجة، لاحظت حركة غريبة، هي عبارة عن لعبة كر وفر بين القوات الأمنية المحيطة بالميناء وبين شباب يافعين وآخرين أقل صغرا كانوا فوق سور الميناء القديم (الذي لم يعد له وجود الآن، وعوضته المارينا الجميلة والرائعة التي أصبحت تؤثث كورنيش العالية)

سألت موظفا من موظفي الميناء عن اللعبة، فقال لي « إنها ليست لعبة، إنهم حراكة الميناء الذين يمضون العمر بطوله محاولين امتطاء الشاحنات أو الحافلات أو البواخر التي تغادر الميناء ».

أعترف أنني أمضيت الندوة السينمائية في الباخرة مشوش الذهن، أفكر فقط في المشهد الذي رأيته أثناء الدخول، قبل أن تتحرك تلك الحاسة اللعينة المسماة الفضول الصحافي وتجعلني بعد مغادرة الميناء أعود إليه لوحدي قاصدا ذلك الموظف، وشارعا في حديث جانبي معه.

كانت رغبتي في البدء هي طرح بعض الأسئلة لأجل مادة عادية وعابرة عن ظروف هاته اللعبة الراغبة في الخروج من البلاد بأي ثمن.

لكن الموظف اللطيف - رعاه الله بخير - اقترح ماهو أفضل. قال لي « عد ليلا وسأحاول أن أدخلك إلى الميناء دون أن يراك أحد، وسترى العجب العجاب، لكن استرني، « ماشفتيني ماشفتك ».

قلت له « ذلك هو عز الطلب »، وشرعت في التهييء لليلة لم ولن تشبه بقية الليالي

المشهد خرافي للغاية وقد نشرناه في حينه وأوانه على صفحات الجريدة

من خلال صور وأسطر لازالت عالقة بالذهن، لم تكن عبارة عن روبرتاج حقيقي، بل كانت ألما مجسدا على الورق

رأيت يومها، ونحن نتحدث عن سنة 2002 وداخل ميناء طنجة القديم، شبابا أمضوا مايقارب السبع سنوات حينها وهم يحاولون كل مرة الخروج، وعندما يتم ضبطهم سواء ركبوا البحر أم بقوا على اليابسة يمضون عقوبتهم الحبسية هنا في المغرب أو عقوبتهم التأديبية هناك في طريفة أو جبل طارق، ثم يعودون إلى المحاولة

التقيت شابا من خريبكة يهاتف أسرته من « تيليبوتيك » (التيليبوتيكات انقرضت أو تكاد ولن يعرفها الجيل الذهبي للفيسبوك الذي يكتشف الحياة اليوم) لأن الرقم لايظهر حين المناداة ويوهم أسرته أنه في إسبانيا لمدة أربع سنوات كاملة.

خرجت أرجل وأيدي متسخة للغاية من تحت « كانطونير » تطلب مني سيجارة للتدخين، وقليل دراهم للعيش، قبل أن تشرع في سرد معاناة حقيقية مع وهم يسكن الوجدان منذ ذلك الحين، يقول لأولئك الشباب الذين لم يعودوا شبابا الآن، أو لعلهم لم يعودوا حتى على قيد الحياة إن الضفة الأخرى أفضل وإن لم يمتلكوا مقومات الذهاب إليها

جالست فتاة تعيش مع الذكور هناك في الميناء، تتحدث لغة الذكور، وتفكر تفكير الذكور، ولاتهمها صورتها ولايهمها في الحقيقة أى شيء .

رأيت فيما يرى الصحافي المرتعب يومها جيلا بأكمله يقول لي إنه لم يجد في البلد مايشفي الغليل وأنه قرر الرحيل وليكن مايكون

ثم وجدتني أطرح السؤال على الحالمين بالهروب يوما "شنو غاديين تديرو تماك؟"

ابتسامات حزينة لكن بلهاء عوضت عشرات الجمل المحفوظة التي كانوا يرددونها بسلالة قبل قليلأعين تحملق في الأعين وألسنة عاجزة عن العثور على الجواب

قال أحدهم ساخرا "والو، ماغنديرو والو، المهم مانبقاوش هنا".

بقيت هاته الجملة بالنسبة لي واحدة من أقسى الجمل التي سمعتها في حياتي المهنية، ولَم  أنس يوما طريقة نطقها ولامطلقها ولاشكل الحدة التي كانت تسكن عينيه وهو يقولها

بعدها كنت كلما غادرت المغرب نحو وجهة ما وكيفما كان سبب المغادرة أحرص عَلى الالتقاء مع مهاجرين لأرى بشكل أو بآخر كيف انتهت رحلة ذلك الخروج من ذلك الميناء

التقيت نماذج ناجحة كثيرة، أعترف بذلكلكن أغلبيتها غادرت الوطن بطريقة شرعيةأما البقية الباقية فإن مشاهدها كانت مِن الإيلام بماكان. سكنى غير لائقة، وأعمال صغيرة لو اقترحت عليها القيام بها داخل المغرب لأشبعتك ضربا، وظروف عيش غير إنسانية ولا تشبه إطلاقا الظروف الصعبة التي كانت تعيشها في أرض الوطن، والتي كان يمكنها أن تغيرها لو قررت أن تشتغل تلك المهن الصغيرة التي رفضتها في المغرب ثم اعتنقتها هناك

الذين يحاولون اليوم أن يشرحوا لهذا الجيل الجديد أن الأمل الوحيد الذي بقي له في الحياة هو « الحريك » ليسوا فقط مجرمين من درجة لا تتخيل في الإجرام، لكنهم ليسوا قطعا كائنات إنسانية. ولو شئت حين الدخول مع واحد من هؤلاء المزايدين الكلام الحقيقي والمنطقي واقترحت عليه أن يرسل فلذة كبده إلى رحلة مثل رحلات الموت هاته لرأيت الجواب الحقيقي الذي لايقدمه ل « ولاد الناس » الآخرين الذين يقترح عليهم التشجيع ويبيع لهم على سبيل المزايدات الفارغة أو على سبيل التطاحن السياسي الصغير ، وهم أن يذهبوا لكي يجد هو مايقوله ومايكتبه في الفيسبوك قبل أن يذهب لكي يملأ بطنه بمالذ وطاب وينام

نعم، هاته مأساة حقيقية، لكنها ليست مأساتنا لوحدنا. هي مأساة عالم غير عادل لم يوزع يوما ثرواته بين كل سكانه الأرضيين بنفس القدر، لكنه وزع الظلم عليهم بالمقابل بشكل مجاني وغير قابل للإنكار.

اليوم عندما تقف في الشارة الحمراء، ويطلب منك شاب كونغولي أو من إفريقيا الوسطى أو من الكامرون أو من السنغال أو من أي دولة من الدول التي تحمل أسماء خاصة بها لكنك أنت - من قلب عنصرية غير مفهومة - تسميها إفريقيا وتسمي كل سكانها الأفارقة - لكأنك قادم من حواري ستوكهولم العريقة - حاول أن تتخيل رحلة العبور التي أتت بهؤلاء إلى هنا، ثم حاول أن تقارنها بماتراه هاته الأيام في الفيسبوك.

هم لم يقطعوا البحر عبر الباطيرا. هم قطعوا ماهو أسوأ. قطعوا الصحراء مشيا على الأقدام أو مكدسين في شاحنات مرعبة. ربما مروا من ليبيا. ربما اشتغلوا عبيدا فيها. ربما أمسكت بهم المافيا في الجزائر وشحنتهم بماتريد من قرقوبي ومخدرات وأرسلتهم. ربما مات عدد كبير منهم في الصحراء وهو الآن مجرد هيكل عظمي موضوع فوق الرمال لا يعني شيئا إلا لأعزائه وأقاربه ومن فقدوه حقا

هاته المأساة غير قابلة للمزايدات، وأوربا - تلك السيدة الشمالية التي تتوهم أنها بانتخابات عابرة قادرة على أن تقفل حدودها - تنسى أنها هي المسؤولة الأولى والأخيرة عن هاته المأساة.

في وقت سابق - لن يتذكره دائما ومرة أخرى وغير أخيرة الجيل الذهبي للفيسبوك- أتت هاته الأوربا إلى كل هاته الأرجاء، وأخذت منها كل الخيرات.

فيما بعد ذهبت. أخذت معها تلك الخيرات، وتركت لنا فقرا كثيرا في المكان. اليوم من حقنا أن نقول لها إن هذا الفقر إما أن نوزعه بيننا بالتساوي، وإما أن تأخذ حظها منه قسرا عبر الباطيرات، وعبر الرحلات السرية، وعبر كل وسائل الوصول إليها إلى أن يفهم السيد الشمالي الخائف اليوم فقط من الهجرة أنه كان سببا رئيسيا فيها، وأن حل هذا الموت المتجول بيننا بكل رعب لن يتم إلا بالتعاون الكامل بين الضفتين لأجل إنهائه وزرع الحياة من جديد في هاته الأرجاء.

ماذا وإلا فإن موتا أشد سيأتي ولن يكون في هذا المكان لوحده. سيكون في كل مكان…

تعليقات الزوّار (0)