أزنافور الكبير.. هازم اللعنات

الأربعاء 3 أكتوبر 2018
سعيد نافع
0 تعليق

AHDATH.INFO

‘‘ كل كلمة يجب أن تكون في مكانها.. بثقلها الذي يليق بها.. بلونها.. بطعمها.. لا يمكن أن نصنع أغنية بسرعة. لقد أصبحت راديكاليا في كتابة الأغاني بعمق أنا الذي غادرت المدرسة في سن الثامنة. لقد انتصرت على إعاقاتي.. وهذا للأسف ما لم تره فرنسا سوى متأخرة ‘‘

شارل أزنافور

 

‘‘ لست رياضيا ولا أتبع أية حمية.. الرياضة هي ما أقوم به يوميا في الحياة. قبل كل سهرة ألتقي بفريق العمل ونضحك كثيرا .. نتكلم كثيرا ونضحك كثيرا. هذا هو السر‘‘

كانت تلك آخر الكلمات التي فاه بها الراحل شار أزنافور أمام محاورته في برنامج ‘‘دخول حر‘‘ على القناة الفرنسية الخامسة. في سن ال93 كان شارل أزنافور هو شارل أزنافور، محافظا على ابتسامته الخافتة التي تختزل كل خفة العالم وكل جديته في آن واحد، وبلباسه الرياضي ذي المعالم الشبابية، وحذائه الرياضي البني.

‘‘ هل تقدم للشباب أية نصائح ؟‘‘ تفاجئه المحاورة. يتريث قليلا ثم ينظر إليها ‘‘النصائح غير مفيدة. العالم اكتشاف يومي وما مررت به ليس بالضرورة قدرا على شخص آخر لأعطيه نتيجة ما وقع لي كنصيحة. ولكن إذا كنت تقصدين مغنيا شابا، فالنصيحة الوحيدة التي قد أهمس له بها هي أن يظل مرنا.. فالمسيرة صعبة وشاقة وإذا لم تكن مرنا قد تنكسر في أول اصطدام.. آه تذكرت.. سأقول له اركض يا فتى.. اركض دائما.. الجري يجعل صدرك أكبر وجسمك أكثر مرونة‘‘.

لكنه حين تحدث عن الشباب لم يختر أن يصنفهم في خانة اللامعنى كما تفعل الكثير من الأسماء الرنانة في عوالم الفن والموسيقى حين تتحدث عن الجيل الجديد. لم يخف إعجابه بأسماء من الشباب تسبح في امتدادات طيف موسيقي كبير، من الراب إلى ‘‘الآر أن بي‘‘ مرورا بصناع الخشبة الجديدة، كستروماي والفرنسي الشاب دي ناتوري.

كانت تلك صورته في آخر ظهور تلفزيوني قبل أقل من سنة على وفاته، صبيحة أول أمس في العاصمة الفرنسية باريس عن سن تناهز ال94.

سنوات الصغر العسيرة

ولد أزنافور من أبوين أرمينيين التقيا في اسطنبول متعبين من جرائم الإبادة الجماعية التي تعرض لها شعبهم على يد الأتراك. في الطريق إلى أمريكا أدركهما التعب في باريس، فقررا التوقف هناك مع ابنتها الكبرى عايدة. بعد سنوات في باريس رأى الصغير شارل النور. وعلى الرغم من الظروف القاسية، كان الحب هو تيمة البيت الأولى، تتذكر عايدة قائلة ‘‘ افتتح والدي مطعما صغيرات للمأكولات الشرقية لكنه لم يلق نجاحا كبيرا. كان يعوض الإحباط بدعوتنا كل مساء إلى إقامة حفل موسيقي في البيت، حيث كان والدي يعزف على البيانو وأنا على طبل صغير فيما كان شارل الصغير يحاول الغناء أو العزف على الليرة. لم نكن نعلم أننا كنا نجعل والدي ينسى شقاء يومه بتلك الطريقة‘‘. ظروف العائلة ستدفع شارل الصغير للانقطاع عن الدراسة في سن التاسعة. ظرف قاهر ندم عليه كثيرا فيما بعد. في مقابلة تلفزيونية منتصف السبعينات قال شارل ‘‘ لقد كانت تلك أولى إعاقاتي. أعرف حجمها اليوم، وأنا أسعى كل يوم إلى أن أدرس بطريقتي. لقد أصبحت معلم نفسي‘‘.

العائلة المهاجرة ستتشبع بالثقافة الفرنسية خلال الاحتلال الألماني لباريس. في العام 1940 تطوعه والداه في احتضان عدد من المقاومين أطلق عليهم ‘‘فريق مانوشيان‘‘. أصبح شارل مطالبا بتوفير العيش لعائلته وللمختبئين فيه بيتهم أيضا. تحول إلى بائع في السوق السوداء قبل أن يقرر أن يستعمل معارفه في الموسيقى وحبه للغناء، في كسب مداخيل إضافية. تحول إلى مغني متجول في ليل باريس، واستمر على تلك الحال إلى أن قادته الصدفة للالتقاء ب‘‘بيير روش‘‘ أحد أهم مطربي فرنسا في تلك الفترة. قرر روش الارتباط بأزنافور في ثنائي، حصل على شهرة واسعة بعد أشهر قليلة. من صدفة إلى أخرى، يلتقي أزنافور بميشلين ذات ال16 سنة ويقرر الرحيل معها إلى نيويورك. بجيوب فارغة ودفتر معارف فقير جدا، سيتحول الحلم الأمريكي إلى سقوط حر. بعد ثماني سنوات قرر الزوجين الطلاق، وعاد أزنافور إلى فرنسا بحثا عن بداية جديدة.

من عمق الهوة السحيقة، تنتشل إديث بياف شارل المفلس والمعدم والفقير.. لكن ذي القيمة الفنية الكبيرة. في عالمها، بين أصدقائها.. فتحت إديث باب المهنة على مصراعيه أمام شارل الصغير، لكن فرنسا الفن والأضواء لفظت جسم شارل الصغير بحدة، لتتأخر عملية احتضانه في الوسط سنوات أخرى.

بطل ضد عالم قاسي

‘‘كيف يمكن أن تكون مغنيا عاطفيا.. رومانسيا.. أنت التي تبدو كالمعاق بقامتك القصيرة ووجهك الذي لا يعبر عن أي شي، وكاريزمتك المفقودة أصلا ؟‘‘

كلمات أقسى من طلقات نارية على بعد قريب، سمعها شارل في أمسية من أحد كبار الموسيقيين الفرنسيين، غير أنها لم تسقطه أرضا. هنا تكمن قوة شارل أزنافور وعبقريته أيضا. فقد اتخذ أزنافور من هذا التحطيم قوة وغضبا، سيصبحان فيما بعد حطب توهجه الدائم وانتصاره على الجميع. في كل مرة كان يتعب أو يحس بشبع وبفقدان للرغبة في العطاء، كان يتذكر تلك العبارات وينهض منتفضا باحثا عن ألق جديد.

يقول أزنافور متذكرا كل من حاربه في بداية مشواره في سيرته الذاتية ‘‘ لقد كنت أعرف أنني ناقص في أمور عدة.. بلا صوت، ولا كلمات، ولا وسامة، ولا قامة، ولا ثقافة عامة، ولا شخصية.. ربما كنت على صواب في كل ما ذكرت لكنني كنت مخطئا في موضوع الشخصية.. لقد كانت عندي شخصية ولم أنتبه لذلك. عندما تكون عندك الشخصية فهي تنتهي بالظهور، عكس الشخصيات المصنوعة التي تتكسر من تلقاء نفسها بمرور الوقت‘‘.

عن تلك الفترة يقول ميشيل دروكير رجل التلفزيون الفرنسي الشهير ‘‘ لا أعرف كيف تمكن هذا الرجل من تحمل كل ما كان يكتب عنه في تلك الفترة ؟ لقد تم وصمه بكل تعابير التحقير والإساءة الممكنة. كنت أتساءل يوميا إن كنت سأراه جددا على الخشبة في أغنية أخرى بعد صدور هذه الانتقادات. لكنني كنت أجده دائما. إنه شارل أزنافور.. وتلك قوته التي تفسر عبقريته‘‘.

حكاية مساء غير عادي

‘‘جو مو فواي ديجا‘‘ أو لقد كنت دائما موهوبا، هي الأغنية التي كتبها ولحنها شارل أزنافور ولم يرغب فيها أحد. في أحد مساءات أبريل 1960 قبل متعهد حفلات قاعة ‘‘الحمراء‘‘ في باريس أن يقدمها أزنافور، بعد أن رفضها المغني الفرنسي ايف مونتان، واعتبارها من طرف كل من عرض عليه كلماتها، غير قابلة للنجاح لأنها تتحدث عن صراع الوجود في عالم الغناء، ويتحدث فيها بلسان مغني فاشل، ظل مؤمنا بنفسه وقدراته رغم عن أنف الجميع.

في تلك الأمسية الخالدة، قرر أزنافور أن يغير التكتيك. طلب من المشرفين على الإضاءة إظلام الخشبة بينما أدى كل الأغنية من الكواليس. كانت لازمة الأغنية تتكرر على مسامع الجمهور الحاضر ‘‘ كنت دائما موهوبا.. أنا أعرف موهبتي ولكنكم لم تروا شيئا‘‘. بانتهاء الأغنية، خرج أزنافور من وراء الستار وصعد على الركح. في تلك اللحظة اشتعلت الأضواء.. وكانت المفاجأة كبيرة. استمرت التصفيقات دقائق طويلة. لقد ولد أخيرا نجم شارل الصغير.

بعد مسيرة دامت 27 سنة تبتسم الشهرة لشارل أزنافور أخيرا، وينتزع الاعتراف. منذ تلك الليلة أصبح كل ما يلمسه شارل يصبح ذهبا. توالت الأغاني الخالدة، وتحقق الحلم القديم للفتى الصغير الذي قرر أن يوجد لنفسه مكانا تحت الضوء ضدا في كل شيء. عن تلك الفترة قال في لقاء صحافي آخر ‘‘الفنان هو من يقرر مصيره على الخشبة وأمام الجمهور. بعد هذا النجاح لا أعتقد أنني سأولي للنقد أهمية.. الجمهور هو الحكم الأول والأخير والجمهور يأتي قبل النقد والنقاد‘‘.

النجاح في الموسيقى سيفتح لشارل أزنافور باب السينما على مصراعيه. وبعد أن اكتفى بالغناء في أفلام فرنسية منذ بداية الخمسينيات، سيقترح عليه صديقه المخرج جان بيير موكي أن يقدم دورا كاملا في فيلم ‘‘الرأس في الحائط‘‘ العام 1958. دور سيسلط الضوء على قدراته الكامنة، ما رشحه مرة أخرى للعودة إلى الشاشة الكبير مع المخرج فرانسوا تروفو في رائعة ‘‘أطلقوا النار على عازف البيانو‘‘ التي كرسته كنجم سينما من الطراز الرفيع. مسيرته السينمائية ستمتد على خمس عقود شارك فيها في أكثر من 80 فيلما، مع كبار المخرجين الفرنسيين والأوروبيين من شابرول إلى تروفو، مرورا بكرانيي جوفير وفولكر شلوندورف في رائعة ‘‘الطبل‘‘ سنة 1979. سنة 1997 حصل أزنافور على جائزة سيزار عن مجمل عمله وراء الكاميرا.

قلب بجرحين

‘‘ كل كلمة يجب أن تكون في مكانها.. بثقلها الذي يليق بها.. بلونها.. بطعمها.. لا يمكن أن نصنع أغنية بسرعة. لقد أصبحت راديكاليا في كتابة الأغاني بعمق أنا الذي غادرت المدرسة في سن الثامنة. لقد انتصرت على إعاقاتي.. وهذا للأسف ما لم تره فرنسا سوى متأخرة ‘‘ كانت الكلمات معبرة من لسان شارل في آخر خرجاته الإعلامية. الفنان الذي كان يولي للكلمة أهمية كبيرة وطالما اعتبر الأغنية مسألة نص أولا، رحل بقلب مكسور من عالم الفن والنقاد الفرنسيين الذين لم يعتبروه يوما ‘‘ مغنيا ذي نص‘‘. يقول ميشيل دروكير ‘‘لقد آلمه هذا الإحباط طويلا .. لم يصنف مع بريل أو براسنز أو فيري على الرغم من أن أغانيه كانت ذات قيمة نصية كبيرة‘‘.

في مكان آخر من ذات القلب، رقد جرح كبير آخر في حياة شارل. مأساة ابنه باتريك الذي عثر عليه ميتا في شقته الصغيرة ذات صباح سبعيني وسط باريس. مأساة لم يشأ الحديث عنها أبدا، حتى مع أقرب المقربين.

 

 

في سطور

1924 : الولادة في باريس

1997 : الفوز بسيزار عن مجمل عمله السينمائي

2017 : تدشين نجمته الخاصة في هولييود

تعليقات الزوّار (0)