صلاح الوديع يكتب عن فاجعة بوقنادل.. قادرون على الأجمل، قادرون على الأسوأ

الجمعة 19 أكتوبر 2018
صلاح الوديع
0 تعليق

AHDATH.INFO

كلنا تابعنا مأساة حادث بوقنادل وكلنا وضعنا أيدينا على قلوبنا في لحظة إعلان الخبر المؤلم وكلنا تمنينا ألا يقع الأسوأ: ألا يسقط القتلى والجرحى بالعشرات أو أكثر.

هذا الحادث عرى عيبا كبيرا في تدبير قطاراتنا.

لكنني الآن أريد الكتابة عن شيء آخر تماما.

نحن لم نكن لحظة الصدمة نفكر فيما سيقع بعدها. كنا فقط نستقبلها ونحاول قدر المستطاع أن نخفف منها على قلوبنا وهي تغزو خيالاتنا من وراء الشاشات.

لكن ما وقع بعد ذلك بالضبط كشفنا كما نحن، بلا أقنعة ولا مساحيق.

كشف بدءا عن جانب مشرق فينا كان انطمس أو يكاد في محطات الجلد الذاتي: أعني هبَّة التضامن اللامشروط التي تجلت في نداءات تُدمع العين عرفانا، تجسدت في وضع السيارات مجانا رهن إشارة كل متضرر يرغب في التنقل، أو فتح أبواب المنازل لاستقبالهم وتوفير المبيت أو تحضير الأكل لهم أو نداءات التبرع بالدم والإسراع  إلى مراكز التحاقن في سلاسة عز مثيلها، ربما منذ زلزال أكادير سنة 1960.

لكن الحادث كشف كذلك جانبا بشعا فينا، لا نستطيع حتى تصوره: أعني مثلا السلب والنهب في حق المصابين - يا للنذالة - والإحجام عن إغاثة الجرحى وفرض أثمان أضعاف أضعاف ثمن الرحلة من طرف بعض أصحاب سيارات الأجرة والنداء من أجل الامتناع عن التبرع بالدم... هذه الأشياء قام بها أفراد من بيننا ولو كان عددهم قليلا، فهي ممارسات بشعة وبعضها إجرامي يمكن اعتباره جنحة وفي بعض الحالات جناية لا تغتفر...

أدعو مسؤولينا في كل مستوياتهم إلى البحث على هؤلاء وأولئك بأسرع الطرق وهي متوفرة: الأوائل من أجل التعريف بهم وتمتيعهم بالأوسمة التي يستحقون ومن أجل تقديم الشكر لهم على مبادراتهم التي تعلي احترامنا لذواتنا وترد الروح لانتمائنا وتدعم قيم العيش المشترك بيننا، والآخرون من أجل فضحهم وإعمال القانون باسم الوطن الجريح، الجريح على خطوط السكك التي لم يعد يقرأ عليها شيء عدا القرف واللامسؤولية... وبالمناسبة، رجائي هنا لمن قد يحاول تبرير هذه الجرائم بالعوز والفقر والحاجة ألا يكمل قراءة هذه السطور فليس في روحي متسع حتى لسماع البسيط من "حججه". رجاء. الطريق مفتوح للعبور بعيدا...

وبالمناسبة مرة أخرى، هذه فرصة لإعادة القول الفصل في سككنا ومسؤوليها، بل قل لامسؤوليها.

العديد منا تذكَّر  بالتأكيد - في هذه المناسبة الأليمة - كم مرة ركب القطار إياه وكم مرة غضب جهرا أو سرا من تأخر انطلاقه في موعده أو من غياب آلة التبريد في عز الصيف أو من نتانة المراحيض أو من الباب المكسر أو النافذة المشرعة على قرقعة خطوط السكة المرتطمة بالعجلات أو من كثافة الواقفين في الممرات بعد يوم مضن من العمل... فيما تصرف الميزانيات على رخام المحطات المعدة لاستقبال القطار فائق السرعة عوض الاعتناء بالقطارات فائقة التفكك والتلاشي... هذا ليس تبخيسا لأي مشروع واعد. لكن للضرورات أحكام وللأولويات أحكام.
..
لذلك هناك شيء ما غير مقنع في دموع  المدير العام عند دفن الراحل سائق القطار، فالمواطنون لا يطلبون دموعا بقدر ما يطلبون مسؤولين قادرين على تحمل المسؤولية والقيام بالواجب أو مغادرتها حال الإخفاق أو الإخلال أو الإحساس بالعجز.

بقيت كلمة إنصاف في حق قوات الدرك والوقاية المدنية، يجب ألا تُنسى في خضم الألم والحزن. فقد جاء الإطراء عليهم وعلى دورهم الحاسم في إنقاذ العديد من المسافرين من الموت المحقق أو من السلب والنهب جاء على لسان الضحايا أنفسهم. فلهم الشكر مضاعفا على قيامهم بالواجب الوطني على أحسن وجه.

تعليقات الزوّار (0)