#ملحوظات_لغزيوي: احتفلنا ولكن…!

الثلاثاء 23 أكتوبر 2018
المصطفى الإسماعيلي
0 تعليق

AHDATH.INFO

أقفلنا بالأمس عشرين سنة من "الأحداث المغربية". للأمانة لم نقم احتفالا. اكتفينا بتبادل تهانئ على استحياء بيننا، وأكملنا إقفال العدد الموالي وانصرفنا للعمل الذي ينتظرنا كل يوم.

للأمانة أيضا وجب الاعتراف بها: لامعنى للاحتفال بمرور سنة صعبة أخرى على الصحافة المغربية إلا التلذذ بالعناء والتعب. صحافتنا الورقية تعيش مخاضا مؤلما للغاية لانعرف علام سينتهي أو ماذا سيلد لنا في نهاية المطاف. لكننا نأمل ونترجى خيرا رغم أن كل المؤشرات تقول العكس، وتقول إن الصعب الأقسى هو القادم

حتى ذلك الرقم المخجل الذي ظل الرواد يرددونه على مسامعنا عن الثلاثمائة ألف نسخة التي تبيعها جميع العناوين الصحفية المغربية لم يعد قائما. عوضه هناك رقم جديد مخيف، مخجل، مرعب ودال على عديد الأشياء

دال  على أننا شعب لا يقرأ. هذه مسلمة وبديهية وأمر انتهينا من الحديث عنه منذ سنوات عديدة، لكن هو أيضا دال على أننا لانقدم للشعب مايستحق القراءة، وإلا لأصبح قارئا.

أسماؤنا الكبرى تعبت ومثقفونا العظام اعتلوا البروج العاجية مجددا، والقلة القليلة منهم التي قاومت ملت ولم تعد مقتنعة بجدوى الكتابة، وهي تكاد تفعل ذلك من باب رفع العتب ليس إلا. الجيل الجديد من الصحافيين مشتت الانتباه بين الاستماع لوازع المهنة الذي يلقيه على مسامعه كبار الحرفة، وبين تتبع أخبار الشيخة التراكس وهي تعاقب أولاد بروكلين، وتسقط أخبار العقيقة رقم سبعة وسبعين لدنيا باطما ونشر بقية تشوهات المجتمع. والجيل الوسط حائر، يتساءل إن كان من الضروري، من المنطقي، من العاقل ومن المقبول أن يواصل المغامرة بين جيل تعب وذهب لكي يرتاح، وبين جيل لم يتعب من البحث عن البوز بأي ثمن وإن اضطره الأمر إلى محاورة صاحبة أكبر مؤخرة في المغرب - أعز الله قدر الجميع - ونشر الصور المقززة وتتبيل الكل بعبارات "صادم" و"عاجل" و"خطير" و"إذا لم تنشرها فاعلم أن الشيطان قد منعك" وبقيةالترهات

ثم هناك مشكل المعلومات والأخبار المتوفر، وذلك الحق الخرافي في الوصول إلى المعلومة الذي تحدث عنه الكثيرون، ولم نر له أثرا على أرض الواقع إلى اليوم، إلى الحد الذي يجعلك تتسول يوميا الأخبار ولا تبحث عنها، وإلى الحد الذي تحس فيه وأنت صحافي في بلادك أنك تطلب أمرا فَرِيًْا عندما تتصل بمسؤول لكي تطلب منه تأكيد أو نفي بداية خبر وصلك، فيرد عليك بطريقة غير لائقة مفادها "حتى نديرو الكومينيكي وقراه ونشرو".

أيضا زدنا الموضوع استعصاء بعد أن عشنا مشاكل تأسيس مجلسنا الوطني. ومع الأمل أن تكون حدة المشاكل قد خفتت بين مختلف المتصارعين حول مناصب هذا المجلس، هناك أمل آخر لايقل أهمية، بل ربما هو الأهم، أن يتفرغ هذا المجلس بتركيبته الحالية، وبما سيستجد عليه مستقبلا، على مشاكل المهنة لا مشاكل الأشخاص، وأن يعفينا من تكرار نفس الأخطاء التي ضربتنا جميعا ودونما استثناء في مقتل حقيقي..

مهنتنا تعاني أيضا من الفضوليين والأدعياء والمتسلطين عليها، ممن لا تربطهم بها صلة، ولا مبرر موضوعي أو علمي أو ديني أو تكنولوجي أو عرقي أو مورفولوجي يسمح لهم بأن يطلقوا على أنفسهم أوصاف "الزملاء" التي يشنفون لنا بها الأسماع ليل نهار. وقد قلناها في وقت سابق للمسؤولين عن القطاع الأوصياء عليه "لقد فتحتم بوابة كبرى لدخول الجميع وستندمون، أو ربما لن تندموا أنتم إذ ستغادرون تسيير القطاع وسنظل نحن في الحيص بيص نضرب الأصابع الخمس اليمنى بالأصابع الخمس اليسرى لا بقصد التصفيق لكن بغرض الحوقلة"، وكذلك كان.

من عاثوا فسادا في تسيير القطاع وهم غير مؤهلين لذلك ذهبوا لحال سبيلهم. وبقينا نحن مضطرين للشرح بالخشيبات أن محاورة شابة حول مؤخرتها - أعز الله قدر الجميع - أو نشر تدوينات المشاهير في الفيسبوك، أو الدخول بخيط أيض بين ممثلة ومغنية وهما يتصارعان ليسا صحافة، وأن الأفضل لنا جميعا إن كان هذا الهراء سيستمر هو أن نخلد جميعا للنوم ونرتاح.

وطبعا للسياسة وصراعاتها الصغيرة والألاعيب نصيب وافر مما مسنا من ضر، وما أصابنا من هوان، إذ تبزغ في ذهن الفاعل السياسي اليوم فكرة تأسيس شيء ما لايعرف ماهو بالتحديد، فيدخل المجال ويوظف الشباب ويفرغ الجرائد من العاملين فيها، ثم يندم على اختياره ذلك بعد مرور أشهر قليلة فيقفل الدكان ويمضي، وهكذا دواليك

وقد فعلها الأول والثاني والثالث حتي لم نعد نتذكر عدد الدكاكين التي تبشرنا في بداية الفتح بالكثير من الغزوات ثم تمضي في الختام صاغرة لا تلوي على شيء ولا تترك لنا إلا كثير "السنطيحة" التي صدرت بها أول مرة

لذلك - ولغيره - وغيره كثير ، لم نحتفل بعشرينيتنا مثلما كنا نتمنى. جلسنا مع بعضنا البعض مجددا وتذكرنا المبادئ الأولى والبديهيات، أعدنا قراءة أجناس هاته المهنة التي اخترعها آخرون في بلدان أخرى وشوهناها نحن بممارسة لاعلاقة لها بها، عاهدنا ماتبقى منا على أن نخلص على الأقل لتلك الأسطر الأولى التي قرأناها ودرسناها ذات تعلم عن الهرم المقلوب وتنويع المصادر واحترام الرأي والرأي الآخر وتجنب الكذب، والحرص على الكتابة بلغة سليمة، ووضع القارئ نصب العين قبل وأثناء وبعد كتابة مانكتبه إليه، والاكتفاء بهذا الحد الأدنى ريثما تتضح الأمور

ألا يقولون لدينا في المغرب إن "اللي تلف خصو يشد الأرض؟"

بلى يقولونها وأيم الله، لذلك نمسك هاته الأرض بكل قوة ونراقب الوضع عن كثب، ونكتفي بهذا الأمر في انتظار القادمات وبقية التطورات...

تعليقات الزوّار (0)

أحداث سياسية