#ملحوظات_لغزيوي: "ناس الملاح": المغرب الذي أحب..

الجمعة 23 نونبر 2018
المصطفى الإسماعيلي
0 تعليق

AHDATH.INFO
راقتني كثيرا فكرة البرنامج الإذاعي الجديد "ناس الملاح"، وراقني أكثر أنها من تقديم الناشطة المتميزة زهور رحيحيل التي يعرف كل من عبر قرب المتحف اليهودي بالبيضاء يوما قيمة العمل الذي تؤديه لهذا التراث المغربي الأصيل. وراقني أكثر من المسألتين السابقتين أن الفكرة وجدت طريقها للبث عبر إذاعتنا القريبة منا جميعا أي "ميد راديو" السباقة إلى لحظات التألق هاته، المستوعبة لدور الوسيلة الإعلامية المسموعة التي تصل إلى الجميع في بث قليل من الثقافة المغربية الأصلية عوض التنافس المحموم حول من سيبث أكبر مقدار من التفاهة، ويمضي مثلما تفعل إذاعات مغربية خاصة أخرى سامحها الله، أو في الحقيقة لا سامحها الله على ارتكاباتاها الكثيرة..
لامست الفكرة في قلب الهوى مني هوى كبيرا، واستمعت للبرومو الإعلاني للبرنامج وأنا في مكناس أحتفل رفقة الأسرة الصغيرة بذكرى ميلاد أشرف الخلق عليه أزكى الصلاة والسلام شفيع البرية كلها يوم القيامة
كان للاستماع للبرومو في مكناس أكثر من معنى، خصوصا وأن المناسبة مناسبة دينية إسلامية يجتمع فيها المسلمون للصلاة والسلام على أشرف الخلق احتفالا  بذكراه
عادت بي الذاكرة دونما رغبة مني - أعترف بذلك - إلى أيام مكناس الأولى داخل الملاحين الجديد والقديم أو البالي. تربيت هناك قسطا وافرا من الزمن بسبب وجود خالة لي في ذلك الحي الذي كان يسكنه اليهود المكناسيون رفقة جيرانهم من المسلمين المكناسيين دون أدنى إشكال.
كنا نحتفل بالشاباط أى يوم السبت وكانوا يحتفلون بالجمعة ، وليس هناك مكناسي واحد من زمن نهاية السبعينيات لايتذكر "مول الزريعة" الأشهر في الملاح الجديد الذي كان ملقبا ببوجمعة، والذي كان محور التقاء المصلين المسلمين مباشرة بعد خروجهم من أداء صلاة الجمعة قبل الذهاب إلى المنزل لأكل الكسكس، والمؤمنين اليهود المستعدين للاحتفال بيوم السبت الموالي
لم يكن بوجمعة الذي لقب بهذا اللقب من طرف اليهود المكناسيين لأنه كان يضع سلعته الجمعة فقط في الملاح الجديد، فيما دكانه الأصلي كان في الملاح القديم ، (لم يكن ) مجرد بائع عادي للزريعة. كان موطئ احتفال، ومكان التقاء، وساعة تتيح لنا أن نتعرف نحن السمر المتحدرون من تافيلالت بالشقراوات الجميلات المتحدرات من صفرو أو تطوان الحاملات لأسماء جد متميزة كانت تبدو لنا عجبا مثل إستير وسارة، والاحتراس من نظرات الصغار سامي ويعقوب وإسحاق غير الراضين كثيرا على هذا الحب الفجائي الذيث يكبر من الجمعة إلى الجمعة بين الصغار من الديانتين معا لكن من الوطن ذاته.
عشنا أعراس اليهود وعاشوا أعراسنا. ذهبنا إلى باب الميعارة لكي نواسي أصدقاء يهودا لنا في فقدان أعزاء لهم رحلوا، وأتوا معنا حتى مقابرنا لكي يسمعونا نقرأ "ياسين" ترحما على أحبائنا ولكي يشاركونا العزاء. رقصنا كثيرا وغنينا الشعبي المغربي حتى أصبحنا من كبار حفاظه، مرة ندندنه بلكنتنا الأولى ومرة نضيف إليه "تزاوق" الراغبين في العبور. أكلنا من أكل بعضنا كثيرا، أي تشاركنا الطعام الذي يقول المغاربة إنه "كيوقف فركابي اللي مادارش بحسابو". فرحنا معا وحزننا معا، وعشنا معا ولم نكن نتخيل إطلاقا ونحن صغار أن شيئا ما قد يغير هاته القاعدة التي اعتبرناها الأصلية ولم تكن تشكل لدينا أي محور للتساؤل، لأنها كانت الأصل العادي الذي لايقبل أي نقاش...
فجأة تغيرت الأمور. ذات يوم وقد تقدمت بنا السنوات، كنا ننزل من سينما "كاميرا" ليلا بعد مشاهدة فيلم الخميس. كنا ثلاثة مغاربة مسلمين، ركب معنا يهودي متدين يبدو من لباسه أنه حريص على الطقوس الدينية العبرانية. وصلنا إلى ساحة الهديم حيث كانت سيارات الأجرة الكبيرة تضع ركابها. توسل الرجل الذي كان في الخمسينيات من عمره آنذاك سائق الطاكي أن يكمل به إلى الملاح لأنه لايستطيع السير ليلا لوحده حتى مكان سكناه
سألناه "هل تخشى اللصوص؟" أجابنا جوابا لا زلت أسمعه إلى الآن "لا أخشى على نفسي ممن يعترضون سبيل اليهود المغاربة لضربهم ولكي يقولوا لهم (سيروا بحالكم لإسرائيل)". تلك الليلة علمت أن شيئا ما قد تغير في المكان. تلك الليلة ضاع حلم صبا عشناه بكل روعته، وحل مكانه كابوس دخول إلى زمن الكبار القاسي، المؤلم، السيء، غير القادر على احتضان الجميع
بعد ذلك رأيت أصدقاء وصديقات كثرا يغادرون مكناس. ذهب بعضهم إلى إسرائيل فعلا. ذهب بعض آخر إلى فرنسا، وذهب بعض ثالث إلى أمريكا إما الشمالية  أو الجنوبية.
بقوا هناك في رف من الذاكرة عصي على النسيان. بقوا هناك علامة مغرب عشناه ولم يَرْوِ لنا عنه أحد، كانت الديانة فيه أمرا شخصيا يهمك في علاقتك مع خالقك، وكان الوطن هو ذلك الملعب الصغير للكرة الذي يجمعنا دون أي اختلاف، وهو تلك الوقفة المميزة قرب بوجمعة انتظارا للزريعة واستراقا للنظرات البريئة، وهو تلك الحفلات والأعرس والمآتم والجنازات ومختلف اللحظات التي اشتركناها قبل أن يقال لنا "لا، أنتم مسلمون، إبقوا هنا، وأنتم يهود إذهبوا إلى هناك".
في الجامعة، وبعد أن كبر المرء قليلا، وجدتني ربما دون تفكير مني أو ربما عن سبق الإصرار العاشق والترصد المحب أختار الفلسفة العبرية للإبحار فيها  من خلال الكبير موسى بن ميمون المعروف بمايمونيد
كنت أعرف وأنا أختار هذا البحث بالتحديد أنني "أنتقم" بشكل أو بآخر لسنوات صبا استيقظنا منها بشكل غير جيد كثيرا..
كنت أعرف أنني أداعب مسام الروح، وأعانق ماتبقى في القلب وفي العقل وفي الوجدان من تلك السنوات البعيدة التي كان فيها المغرب قادرا على احتضان كل الروافد المؤسسة له دون أي إشكال، ودون أن يخرج من قلب الجهل من يفرق الناس حسب الأديان أو الألوان أو الأجناس أو الأشكال.
لذلك ولغيره - وغيره كثير وكثير جدا - سأجلس كل خميس  قرب المذياع مثلما كان يقول القدامى، أو سأضع سماعات الهاتف في أذني وسأنصت لناس الملاح، هؤلاء الذين يشبهونني كثيرا والذين أعرف منهم الكثير، والذين أحببت ولازلت أحب منهم الكثير، سواء ذهبوا إلى ملاقاة ربهم أم كانوا معنا على وجه هاته البسيطة حتى الآن…
شكرا "ميد راديو" على الفكرة الجميلة والمغربية حد الأصالة الأولى، وحد كل الانتماء...

تعليقات الزوّار (0)