#ملحوظات_لغزيوي: في وداع الحمراء : قليل دروس

الإثنين 10 دجنبر 2018
المختار لغزيوي
0 تعليق

AHDATH.INFO
ودعنا السبت الحمراء المراكشية الباذخة، وقد عادت إلينا بعد انقطاع دام عاما لأسباب تتعلق بمراجعة اللوجيستيك والتنظيم والتصور الفني لمهرجانها السينمائي الدولي، ونجد أنفسنا ملزمين باستيعاب قليل دروس من هاته الأيام السينمائية التي دامت أسبوعا ونيف والتي شكلت مرة أخرى فرصة للاحتفال بالسينما وبمراكش وبالمغرب وبالتوهج العالمي الذي يستطيع هذا المكان لوحده أن يهديه إلى العالم دون غيره من بقية الأرجاء.
أول الدروس وجوب القول إن قدوم أساطير مثل دو نيرو، وسكورسيزي، وفيشبورن وبقية النجوم الكبرى إلى الحمراء اعتراف بقيمة المهرجان، وإيمان عميق من هؤلاء بالرهان على المغرب بلادا للانفتاح، ورسالة محبة موجهة إلى كل علامات الكراهية المسيطرة على العالم اليوم.
ذات يوم، والمهرجان ينطلق منذ حوالي السبعة عشر سنة، كان برجا مانهاتن الشهيران قد تهاويا، وكان الكون كله مرتعبا من كل شيء له علاقة بالعرب أو الإسلام، لذلك تنبأ الكثيرون للمهرجان يومها بأنه ولد ميتا وقالوا « لقد أعلنوا عنه في الوقت السيئ وغير المناسب فعلا ».
نجحت تلك الدورة نجاحا مدويا، وكانت ردا رائعا من شمال إفريقيا ومن أقصى العالم العربي والإسلامي على أن الإرهاب ليس ملتنا جميعا، وأن من صنعوا بن لادن وصدروه وقتلوا به كل أولئك الأبرياء يومها لاعلاقة لهم بالإسلام، بل هم كائنات جرثومية تلتصق بنا ظلما وتسيء لنا نحن أتباع هذا الدين أكثر مما تسيء للآخرين…
وجد المهرجان نفسه منذ الدورة الأولى رسالة كبرى موجهة إلى العالم، وبقي كذلك على الدوام، وأعاد التأكيد عليها هاته السنة والدنيا كلها تعيش مناخ تطرف وكراهية وعنف، وتجد فجأة أمامها هاته الفسحة المراكشية /المغربية لكي تتنفس من خلالها هواءا طلقا مليئا بالمحبة، وبكثير الأشياء الجميلة المنتمية إلى الحياة.
درس ثان لا مفر من التوقف عنده هو الآخر هو أن للسينما عشاقا في هذا البلد سواء كانوا مواطنين محليين أم سواحا وافدين أم أجانب قاطنين.
تلك الصفوف التي كانت تقف يوميا أمام قصر المهرجان طيلة مدة الدورة فقط لكي تشاهد أفلاما جديدة كانت الدليل الذي لا ننتظره على أن للقاعات المظلمة سحرا دائما وأبديا لن ينجح الأنترنيت ولا « نيت فليكس » ولا التلفزيون ولا الهواتف النقالة في منع الناس من حبه، ولا في منعهم من إشهار هذا الحب..
لنقلها بكل اللغات: لاشيء يعادل تلك اللحظة التي تغوص فيها في مقعد داخل قاعة مظلمة إلا من النور المنبعث من الشاشة الكبرى أمامك لكي يحكي لك قصة.
هكذا أحب الناس السينما منذ الصغر، وهكذا واصلوا حبها في الكبر، وهكذا ستظل عنوانا لنور صنعه الأخوان « لوميير » يوما ولا يمكن تخيل انطفائه ذات زمن مهما اقترب أو ابتعد
ثالث الدروس درس العلاقة المحلية بالمهرجان. لازالت لدى أهلنا من الصحافة ومن الفن علاقة غير سوية بالدورة ككل، قوامها الانبهار بها حد الابتعاد عنها وعدم القدرة على المشاركة الفعلية في فعالياتها
نعم، المشاركة في حملات طبية أمر طيب. نعم المرور باللباس التقليدي على السجادة الحمراء أمر مستحب هو الآخر. نعم الجلوس في المقاهي المجاورة لقصر المهرجان مسألة لابأس بها خصوصا وأن جو مراكش صحي ومعتدل وجميل. لكن الأهم في هذا الحدث هو أن يصبح أهلنا من إعلاميين وفنانين مشاركين حقيقيين يحضرون إلى دروس السينما فيمتعون الناس بتدخلاتهم ولا يضحكون أحدا، ويغطون المهرجان فيركزون على الأفلام وعلى السينما ولا يتبعون نوافل الشيء وبواقي الأمور وتوافه الحال..
لذلك لا نمل من كتابتها منذ الدورة الأولى للمهرجان: على مؤسسة المهرجان الدولي للفيلم مهمة حقيقية هي مهمة تهييء هؤلاء المحليين على امتداد السنة لهاته الأيام التي يدومها المهرجان، وعليها أن تفهم أن الاكتفاء بدفعهم إلى لعب دور الكومبارس هو أمر في غير صالح سينمانا والحياة المرتبطة بسينمانا أولا، ثم هو أمر في غير صالح المهرجان نفسه. ولمن يريد بعض الاستفادة هاهو مهرجان ضخم من قبيل « كان » يقدم درس الاستفادة هذا للسينما الفرنسية وللفنانين الفرنسيين ولعموم السينما المهتمة بالفن السابع لئلا يكون الحضور الفرنسي هامشيا المرة بعد الأخرى في دورة تستقبلها فرنسا ويتألق فيها العالم .
رابع الدروس درس الاعتراف المحلي الجميل: الدموع التي ذرفها الجيلالي فرحاتي وقد بدا غير قادر على التصديق أن بلده تخصص له تكريما بهذا الحجم هي دموع أثرت فينا جميعا، وذكرتنا بكبار مغاربة سبقوه إلى نفس الركح واليوم ذهبوا إلى خالقهم لكنهم حملوا معهم في ركن قصي وثابت من القلب الذكرى الجميلة أن بلادهم تذكرتهم وهم أحياء..
هذا تقليد لا بد من شكر من يصر عليه من طاقم المهرجان، وفي المقدمة طبعا صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد الذي يجعل من هاته الفقرة شيئا ثابتا وأساسيا ومقدسا من بين فقرات المهرجان معلنا الإيمان بالمغرب ومؤكدا أن الفنان المغربي الذي قدم شيئا لوطنه يستحق هاته « الشكرا » المغربية الجميلة والتي تحمل كل معاني الاعتراف الجميل حقا
نودع الحمراء ولا نودعها، فلهذا المهرجان بالتحديد دون غيره من مهرجانات الدنيا - مهما بلغ شأوها عالميا ومهما كبرت سمعتها دوليا - طابع خاص جدا لأنه يقام هنا، داخل هذه الأرض ووسط هذا القلب وفوق تراب هذا الوطن.
هذه لوحدها تجعله بالنسبة لعدد كبير من عشاق السينما ومن عشاق المغرب، المهرجان الأفضل في الكون، عاطفيا طبعا وبلغة القلب، في انتظار أن يزداد رقيا فنيا وسينمائيا على رقي فني وسينمائي مع توالي الأيام و الأعوام.
شكرا مراكش للمرة السابعة عشر، في انتظار الكلاكيت الثامنة عشر وفي انتظار مئات الكلاكيتات بعدها…

تعليقات الزوّار (0)