الأستاذ محمد فزة يكتب.. السلطان أو الطوفان

الخميس 27 ديسمبر 2018
أحداث أنفو
0 تعليق

AHDATH.INFO

الرباط:محمد فزة

 

على متن سيارة من صنع أمريكي (سيارة تجيب)، حل حامي الدين المتهم في قضية الشهيد بنعيسى بمدينة فاس للمثول أمام القضاء.

كان حامي الدين محاطا بشخصيات سامية من "إخوانه" في حزب العدالة والتنمية، يرتدون بدلات رسمية تدل، أول ما تدل عليه، أنهم شخصيات سامية تحتل مواقع رفيعة في جهاز الدولة.

وإلى جانب حامي الدين، حضر رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران يتقدم التشكيلة في جو مهيب يزيده هيبة تواجده بين حراسه الشخصيين. هكذا قرر الحزب الحاكم أن يظهر أمام الرأي العام الوطني والدولي في قضية اغتيال شاب من أصول فقيرة كان يحلم مع رفاقه القاعديين التقدميين بمغرب العدالة ويتطلع إليه.
إن الصورة التي اختار أن يظهر بها حزب العدالة والتنمية في هذه المناسبة الأليمة هي صورة حزب استقوى بموقعه في الحكم؛ وها هو يبعث برسالة إلى من يهمه الأمر: لا تنسوا أننا من يحكم في هذا البلد! فواهم وساذج من يعتقد أن الحكام والمحكومين يمكن أن يتساووا في بلد كالمغرب!

وساذج أيما سذاجة وواهم أيما وهم من يثق في أفكار جميلة ولطيفة لكنها مستحيلة؛ من قبيل ألا أحد يقع خارج دائرة المحاسبة وألا أحد يمكن أن يفلت من العقاب. المسألة محسومة لدى عبد الإله بنكيران منذ البداية: "لن نسلمكم أخانا" .
لكن حضور سيارة تجيب أمريكية الصنع هذه المرة يبعث برسالة أخرى لآخر يهمه أمر آخر، وقد تفسر هذه الرسالة سر هذا الاستقواء والتغول الذي طبع حضور الحزب الحاكم في هذه المناسبة الأليمة. لكن الاستقواء والتغول هذه المرة ليس بالدولة، وإنما على الدولة. الرسالة واضحة على ما يبدو يا سادة، ويزيدها وضوحا طابع الاستوزار الغالب على تشكيلة الإخوان. تفيد الرسالة ما يلي: لقد وصلنا إلى السلطة على حوامل أمريكية!
الرسالة تذكر الدولة نفسها أن الحزب الحاكم وصل إلى السلطة بفضل توازنات خارجية بعدما اتضح لسيدة العالم أن الحزب أفضل حليف يمكنه أن يرعى مصالحها الاستراتيجية في المغرب. الإسلام صديق لأمريكا؛ فهي لا تشبه فرنسا بلد العلمانية والإلحاد.

وإذا كان لا بد أن يكون لنا صديق من الغرب، فلا بأس أن يكون هذا الصديق هو الولايات المتحدة الأمريكية. أكيد أن تاريخ فرنسا هو تاريخ الدولة-الرعاية والحماية الاجتماعية، وتاريخ أمريكا هو تاريخ الليبرالية المتوحشة التي تسحق المستضعفين، إلا أن التوحش بالنسبة لحزب "التنمية والعدالة!" أهون من العلمانية. بل إن التوحش هو نفسه ما يجعل الحاجة إلى الدين ملحة! فالدين يقدم الدواء المناسب: تعزيز قدرة الناس على التحمل والصبر.
من الواضح أن حزب "التنمية والعدالة!" قد مرر- في الفترة التي يحكم فيها- جل المشاريع النيوليبرالية، لكن ما قد يغيب عن البعض هو أن هذا الحزب يستفيد من خدمة جليلة تقدمها له الليبرالية المتوحشة؛ وهو التوحش نفسه، الذي يخلق الشروط الضرورية لتسويق جيد للبضاعة الشافية: الدين.
هذه صفقة كبيرة يا سادة! وسر قوتنا لا يوجد داخل البيت الصغير !وسلطاننا على ما يجري من الأمور لا يأتينا من سلطان أهل الدار! فلذلك، إما السلطان أو الطوفان!

 

مقال لأستاذ السوسيولوجيا بجامعة محمد الخامس.. محمد فزة

تعليقات الزوّار (0)