#ملحوظات_لغزيوي: دون بيغ و"المراية" !

الإثنين 28 يناير 2019
المختار لغزيوي
0 تعليق

AHDATH.INFO

مافعله الدون بيغ وهو يطلق الجمعة أغنيته الجديدة "بسيكو وريكين"، التي يمكن ترجمتها تقريبيا بتدمير نفساني وإن كانت الترجمة غير دقيقة إلا قليلا، هو أمر يستحق الانتباه فعلا

يتعلق الأمر بالعودة الفعلية لدون بيغ إلى السحة الفنية، لأن "كلاش 170 كيلو" ، وإن كان قد خلق أكبر قدر من الاهمام والحديث بين الجمهور، إلا أنه كان توطئة فقط للعمل الأضخم الذي سيأتي بعده والذي دشن به توفيق حازب رائد الراب في المغرب عودته بعد غياب استمر ثلاث سنوات

ثلاث سنوات منذ "التالت"، اختار الدون بيغ أن ينكب فيها داخليا على مراجعة عديد الأشياء، وعلى مراقبة الوضع عن كثب مثلما يقال في العبارة المبتذلة، ومتابعة الساحة الفنية خصوصا الساحة القريبة منه أي الهيب هوب وإعداد هاته العودة القوية التي سجلها يوم الجمعة الفارط والتي خلقت هي الأخرى - تقريبا مثل كل أعمال الدون - نقاشا كثيرا وجدلا أكثر وغير قليل من ردود الأفعال.

يكفي للتأكد من ذلك، الانتباه إلى أن العمل حقق بعد خروجه بعشرين دقيقة مايفوق المائتي ألف مشاهدة دليلا على أن الجمهور كان ينتظره، ودلالة أكبر على أن هذا الفنان يعرف كيف يشوق متتبعيه لانتظار أعماله واكتشفاها والإبحار معه في عوالمه الخاصة من نوعها التي تشبه في نهاية المطاف عوالم كل واحد منا وإن كنا نجد صعوبة في الاعتراف بذلك

الدون بيغ كان يتوقع رد الفعل هذا، ولذلك قال أثناء استضافته الجمعة في دوزيم متوجها إلى محبيه وكارهيه "احكموا على موسيقاي، أما أنا ماعندكم ماتديرو بيا".

وفي حكاية الموسيقى هاته، هناك بعض الكلام الضروري قوله حول "بسيكو ريكين" العمل الصادر حديثا للدون، وهناك قليل الملاحظات التي لا مفر منها أولاها اختيار لغة الأغنية أي الإنجليزية للأداء بها

اختيار لغوي موفق، أراد به الدون بيغ أن يظهر وجها من أوجه انفصامنا الهوياتي نحن الذين نستطيع تحمل سماع كل الكلمات التي نصفها ب"النابية" باللغات الأجنبية، إما لأننا لا نفهمها أو لأننا عودنا آذاننا على ذلك، لكننا حين سماع نفس المفردة بالدارجة المغربية نرتعب ونشرع مباشرة في وصف قائلها ب"الخاسر" وغير ذلك من الأوصاف الجاهزة والسهلة والتي لا تضيف للنقاش أي شيء

ثاني الملاحظات في الأغنية هي جرأة المشاهد المصورة. جرأة أراد بها الدون بيغ اختبار مدى قدرة الجمهور على العبور فوق المستوى الأول للمشاهدة، أي الرقي فوق التلصص الصغير والانبهار الغريزي العادي بمشاهد العري أو الإغراء أو الإيروتيزم، والصعود إلى المستوى الثاني وربما الثالث لمن كان ذا قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أي مستوى طرح السؤال عن المراد من الأغنية ومن الفيديو كليب الذي يقدمها، والذي يشكل في تصاعده الدرامي لحظة إيقاف أمام مرآة نرفض دوما وأبدا أن نقف أمامها، هي مرآة الحقيقة، تلك التي نكون مجبرين أمامها على مطالعة وجهنا بكل تفاصيله، واكتشاف حقيقته مثلما هي...

في هذا الصدد لايمكنك أن تطلب من المرآة أن تريك وجها وسيما وأنت قبيح، ولا يمكنك أن تطلب منها العكس أيضا. هي لا ذنب لها في شيء. هي تريك حقيقتك وتبقى في مكانها. أنت الذي تتحرك بعدها أو تتصرف وفق مارأيته، ووفق مااستطعت أن تراه وتتحمل وقعه عليك، أو مالم تستطع أن تشاهده وقررت أن تهرب منه فرارا أو خوفا أو نفاقا أو انفصاما أو عدم تحمل للمسؤولية، أو اعتقادا منك فقط أن هذا الهروب سيحل المشكل وسينهي الحكاية...

ينتهي الفيديو بتحية موجهة إلى أرواح نساء عديدات قدمن أرواحهن فداء لهذا الانفصام السائد، ولهاته السكيزوفرينيا الذكورية التي تقتل هذا المجتمع باستمرار، وينتهي أساسا بطرح أسئلة كثيرة عوض أن يدعي تقديم الجواب، وبعبارة لا مفر من التقاطها عن ضرورة إشعال الضوء، لأن كل علامات الظلام المسيطرة لاتبشر بالخير، وتقول لنا إن ماحصدنا على امتداد عقود ومانواصل حصده اليوم، لن يقدم لنا أثناء عملية زرعه إلا الكثير من الرعب الذي يفترض أن يكل هاجسا لكل الحقيقيين الذين يعني لهم مجتمعهم شيئا، ولا يهربون مثل الهاربين من المرآة إلى الحلول الفردية متوهمين أنهم إن أنقذوا أنفسهم وذواتهم الصغيرة سينتهون من سؤال الإنقاذ الجماعي للمجتمع ككل...

راقني الجمعة أن أتابع رد فعل الناس على الفيديو، ولم أستغرب كثيرا للسينيال الذي تعرضت له الأغنية ومحاولة العديدين إيقاف بثها والتبليغ عنها لدى إدارة اليوتوب، لأنني خبرت في وقت سابق هذا النوع من التعامل الخائف، ولأنني كنت متأكدا أن الصدمة الأولى للمشاهدة ستمنع العديدين من الولوج إلى أعماق هذا العمل العميق فعلا

الأمر تلزمه مشاهدة ثانية وثالثة وعاشرة، وقراءة واعية أو قريبة من الوعي، ويلزمه أساسا إفراغ العقل من كل أحكامه المسبقة الجاهزة، والاستعداد دوما وأبدا لتلقي الجديد، ولمساءلة هذا الجديد عما يفعله بك وفي دواخلك…الأمر يلزمه أن تشاهد الفيديو بعينيك وبعقلك وبقلبك، وليس ببقية الأعضاء..

اعتراف صغير لا بد منه: شاهدت الكليب والأغنية يومين قبل طرحها للجمهور، وذهبت منذ ذلك الحين بعديد الأسئلة الشائكة التي استطاع الفيديو واستطاعت الأغنية أن تجبرني على التعامل معها وطرحها فعلا

لعله دور الفن الحقيقي في نهاية المطاف: أن يدفعك لطر السؤال. هذا هو الأهم.

النقاشات الأخرى الزائفة التي تبدأ بالسب، وتنتهي بالشتم، ويمر الكثير من الحقد منتصفها لم تتقدم بنا يوما خطوة واحدة إلي الأمام، ولن تتقدم بنا أبدا إلى أي مكان..

هي أصلا مصنوعة لكي تتركنا "محلك سر" نحكي لبعضنا البعض الكثير من الأكاذيب، ونمثل على بعضنا دور "الزوينين بزاف"علانية، فيما الدواخل السرية لكل واحد ولكل واحدة منا تنبض بعديد الفظاعات، وبعد ذلك نشرع في سب بعضنا البعض وننام..

عوض ذلك..ماذا لو شاهدنا الأغنية واستمعنا إليها بهذا المنظور الآخر وبعدها لكل حادث حديث؟؟؟؟

تعليقات الزوّار (0)