#ملحوظات_لغزيوي: 15 عاما من الفيسبوك !

الأربعاء 6 فبراير 2019
المختار لغزيوي - ريشة: حسن الجوفي
0 تعليق

AHDATH.INFO

يوم الرابع من فبراير منذ خمسة عشر سنة، أي عام 2004، اهتدى شاب من جامعة هارفارد إلى اختراع موقع تواصل بين طلبة جامعته لتسهيل عملية التواصل على غير القادرين عليها أو غير المتمكنين منها مباشرة. أعواما بعد ذلك يتربع نفس الشاب، وهو يسمى مارك زوكربيرغ على عرش أكبر موقع تواصل اجتماعي في العالم بما يناهز مليارين وثلاثمائة مليون مستعمل نشيط.

ألف دولار فقط كانت كافية لكي يحقق هذا الطالب حلمه بإنشاء موقع كان يريده فقط أفضل وسيلة تواصل في جامعته، قبل أن يراه في الشهر الموالي وسيلة تواصل بين عدة جامعات في مدينته ثم في مدن أمريكية أخرى، وقبل أن تجتاح حمى الموقع الأزرق العالم، ويصبح اليوم المكان الذي يعرفه الجميع والذي يتحدث فيه الجميع والذي لاينصت فيه أحد لأحد

من كان يعتقد أن حلما مجنونا وطموحا مثل هذا سيتحول إلى مكان التقاء لزعماء العالم ولمختلف الشعوب ولمكان تحريك عدة ثورات في دول بعينها، ولمكان تفجير حقد اجتماعي أو طبقي في بلدان أخرى أو لمكان تبضع في أماكن ثالثة ومكان إشهار للجمال ولأزياء المرأة في أماكن رابعة وهكذا دواليك؟

لاأحد، لكن كمية الطموح التي حبل بهذا هذا الحلم، وهي كمية لا حدود لها جعلت نجاحه أيضا بلا حدود، واستطاعت اليوم أن تشكل مايسمى دولة الفيسبوك داخل العالم بمواطنين حاملين للجنسية الفيسبوكية يمضون يومهم بطوله في التدوين وكتابة أي شيء يخطر لك على البال

كنز للمعلومات الشخصية، وموقع تجد فيه كبريات الماركات العالمية اليوم ضالتها لكي تعرف إلى أي جمهور ستتوجه، فيما يجد فيه السياسيون التعويض الأمثل عن استطلاعات الرأي المزعجة إذ يستطيعون من خلال جولة سريعة في الصفحات الخاصة ببلدانهم أن يعرفوا أين يسير الرأي العام، وما الذي يعتقده في هاته القضية أو تلك

موقع لم يتوقف عند هذا الحد، بل عوض الصحافة التقليدية، وحكم على جزء كبير من صحافييها بالانقراض بعد أن أصبح الفيسبوكيون يعوضون الأخبار التي كانت تقدم لهم بالطرق القديمة، بأخبار أخرى أحيانا من إنتاجهم وتوزيعهم وتوضيبهم واختراعهم واختلاقهم أيضا، وبعد أن أصبح الصحافيون في كل دول العالم مضطرين للدخول إلى الموقع وأخذ الأخبار منه بعد أن انقلبت الآية تماما ولم يعودوا قادرين هم أيضا على التخلص من سطوته

لعلها الثورة الأبرز في هاته السنوات الأخيرة كلها والتي فاقت حتى ثورة الأنترنيت نفسها، إلى الحد الذي يجعل العددين اليوم لا يستطيعون تخيل العالم دون فيسبوك بدرجة أولى قبل تويتر وقبل بقية مواقع التواصل الاجتماعي، وإلى الدرجة التي تجعل الكثيرين يتحدثون عن مقلب مؤسساتي منظم بعناية أطلقته الولايات المتحدة الأمريكية، ولا علاقة له بحلم شاب صغير حول العالم كله إلى قرية صغيرة تأتمر بأمره، وتنفذ له كل طلباته وأولها وأهمها تقديم كل مايهم سكان هذا الكوكب من معلومات شخصية وعامة على طبق من تواصل مفتوح  إلى الجميع

كيف سيكون مستقبل دولة الفيسبوك هاته في السنوات المقبلة؟

لا أحد يعرف، لكن الاعتراف الوحيد الممكن تقديمه في هذا المجال هو أن هذا الموقع غير عادات الناس، واستطاع أن يدخل إلى اليومي منهم عديد التصرفات الجديدة، وتمكن من إلقاء القبض على مستعمليه، بل وفرض حتى على كارهيه أو المتخوفين منه أو القلقين على معلوماتهم من استعمال سيء عبره أن يطلوا بين الفينة والأخرى لكي يعرفوا أين وصلت قارة الفيسبوك في تطوراتها، ولكي يطلعوا على آخر المستجدات، ولكي يكونوا على علم بما يشغل بال سكان هاته البلدة الغريب أهلها..

حكاية الفيسبوك هي حكاية عدم قدرة على التواصل الحقيقي بين الناس عوضت بالافتراضي عجزها، ووجدت في هذا الافتراضي المهيء بعناية، المعدل بالفيلتر والفوتوشوب، القادر على ترويج صورته ونفسه بالطريقة التي يريد البديل غير الحقيقي لتلك الوشائج التي انقطعت بين الناس

حكاية الفيسبوك اليوم هي حكاية كثرة تواصل قتلت التواصل، حتى أن الناس لم تعد تعزي بعضها البعض أو تهنئ بعضها البعض في حالات الحزن أو حالات الفرح عبر الحضور المباشر أو عبر الهاتف، بل أصبح موقع زوكربيرغ النائب الرسمي عنها، وأصبحت تهانئ عيد الميلاد وعبارات المواساة أو لحظات المعايدة كلها تتم عبر الموقع الأزرق وكفى مارك الفيسبوكيين شر القتال

هي أيضا حكاية تمرد على كل ماهو تقليدي، حتى أن التلفزيونات التي كانت ذات يوم المخاطب الرئيسي للجموع فقدت هالتها وسطوة استوديوهاتها العملاقة أمام لايفات بسيطة، لايلزم لأجل القيام بها إلا التوفر على هاتف نقال وارتباط بالأنترنيت، دونما اضطرار إلى الالتزام بوقت بث أو وقت برمجة أو مدة تصوير، وحتى أن كل الذين كانوا ذات يوم ممنوعين من المرور من التلفزيونات إلا بإذن أصبحوا اليوم علامات للحديث في كل شيء عبر هذا الموقع دونما اضطرار لترخيص كيفما كان نوعه

ثورة؟ نعم ودون أدنى شك. لصالح أم ضد التواصل الحقيقي وضد المعلومة الحقيقية وضد كثير الأشياء؟ السؤال مطروح إلى حين. أكيد سيجد من يجيب عنه في لاحق الأيام

في كل الحالات "هابي بورثداي فيسبوك" في انتظار أن تتضح كل الأشياء...

تعليقات الزوّار (0)