مقال تحليلي: باسم الديمقراطية، لنسترجع التناوب السياسي المفقود

الجمعة 8 فبراير 2019
عبد السلام العلوي
0 تعليق

AHDATH.INFO

يشكل احترام الدستور وقواعد اللعبة الديمقراطية، وبالخصوص قاعدة التناوب السياسي، شرطا لا غنى عنه للممارسة الفعلية للديمقراطية وضمانة لاستقرار المؤسسات، التي تبقى في حاجة دائمة إلى القوة والاستدامة كسبيل وحيد للوقاية من النزوع نحو الاستحواذ على السلطة من قبل حزب معين على حساب إرادة المواطن وحقه في تقرير خياراته السياسية.

لا يختلف إثنان في أنه كلما كانت ثقافة التناوب متجذرة في التقاليد السياسية لبلد ما وفي مجتمع ما، كلما كان هذا المجتمع أكثر قابلية للعيش في كنف السلام والاستقرار والتقدم في مختلف المجالات. فالتناوب يوفر الإطار السياسي الضروري لنقاش الأفكار و البرامج، مما يشكل مؤشرا جيدا على صحة المجتمع المنتج للقيم، والمتوجه بحزم وثبات صوب المستقبل.

بعد مرور ما يقارب 10 سنوات على تولي حزب العدالة و التنمية قيادة الحكومة، من حقنا اليوم أن نجري تقييما لمستوى التدبير الحكومي و مدى مواكبته و قدرته على مجاراة التحديات المطروحة على بلادنا، فالأمر يكتسي أهمية قصوى باعتباره يهم مصير شعب بأكمله و لا يرتبط فقط بخيارات سياسية يتم تجسيدها من خلال كتلة ناخبة مدجنة بخطاب ديني بعيد كل البعد عن الاحتياجات الحقيقية للمواطن المغربي

واقع الحال يؤكد أن حزب العدالة و التنمية برهن عن عجز كبير في استيعاب متطلبات الدولة والمجتمع، حيث يبقى من الثابت اليوم أن حزب العدالة والتنمية يقدم صورة عن ضعف "التدبير الحكومي" مقابل اشتغال مشروعه الديني في أعماق المجتمع، وهو ما يحمل معه مخاطر تثبيت "المشروع السياسي للحزب" على حساب "المشروع الحكومي المفترض".

إن المقاربة الحكومية المعتمدة من طرف الحزب في الولايتين معا غير قادرة لحد الآن على خلق تحولات في المقدرات الاقتصادية للدولة مقابل اشتغالها على إعادة إنتاج المقدرات "القيمية" و"الهوياتية" لمشروعها السياسي. والخوف هو أن تتحول الوعود التي قدمها حزب العدالة والتنمية للمواطنين تدريجيا إلى أوهام والآمال إلى مشاكل واحتجاجات، بل كل الخوف أن يتم المس و التفريط في المكتسبات التنموية المحققة على مر العقود الماضية.

أعتقد أن الحزب استفاد من التراكمات الديمقراطية التي حققتها المملكة المغربية، و هي التي أوصلته لممارسة السلطة لمدة ولايتين متتاليتين، بعيدا عن منطق التناوب الذي يعد الضمانة الأساسية للخيار الديمقراطي الذي انتهجه المغرب كعنوان لمرحلة دستورية جديدة تطلع من خلالها الشعب المغربي إلى تغييرات جوهرية ملموسة في حياته اليومية.    

و مما يعمق من انشغالات المتتبع للحياة السياسية الوطنية هو حالة الارتباك والترقب التي تطبعها، والناتجة عن عوامل خارجية مرتبطة بفشل جميع التجارب الحكومية للتيارات الإسلامية بالعالم العربي، خاصة بعد سقوط تجربة الإخوان المسلمين بمصر وترنح تجربة حركة النهضة بتونس، وأخرى داخلية تمثلها حالة اللانسجام في التركيبة الحكومية و حالة عدم الرضى عن تجربة حكومية يقودها حزب سياسي بخلفية دينية.

10 سنوات من التجربة الحكومية تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن حزب العدالة والتنمية هو في جوهره تنظيم ديني دعوي لم يستطع إحقاق التمايز بين المجال السياسي والدعوي، بل جعل "المرجعية الإسلامية"، التي هي ملك للجميع، سلاحا إيديولوجيا يخوض بها "حروب التمكين" و "معارك التمديد". لذا يبقى من اللازم أخلاقيا و سياسيا وقانونيا، التساؤل حول ما إذا كان الفشل السياسي لحزب العدالة والتنمية في تنزيل سياسات عمومية منتجة سيُنْسَبُ عند المحاسبة الشعبية للإسلام كدين و مرجعية؟

الأكيد أن اختزال مفهوم الإصلاح في رفع شعارات "التحكم" و"الدولة العميقة" وتهييج الأتباع بمظلومية وهمية لن يلهينا عن واقع الفشل في تنفيذ مشروع تنموي حقيقي، كما أن تبادل الأدوار بين قيادات الحزب و استمرار اللمز و الهمز بين خطاب عبدالإله بنكيران الأمين العام السابق للحزب وخطاب رئيس الحكومة سعد الدين العثماني يشكل تضليلا بئيسا للأتباع وللمتعاطفات والمتعاطفين وللمغاربة أجمعين.

هذا التضليل جعل المواطن المغربي أمام حزب سياسي قائد للحكومة بأسلوب المعارضة والاحتجاج،  وعقلية "نزالات الشوارع" و منطق "الحربائية"، حيث أن الحزب أدمن على لعب دور المعارضة كغطاء عن عجزه التدبيري وعدم قدرته على تسيير أمور الدولة و قصوره عن مسايرة الزمن الدستوري. فقد برهن الحزب على أنه ليس له سلطان النفاذ لزمن مشروع "الدولة-الحاضر"، لأنه تَجَمَّدَ رهينة لرواسب زمن مشروع "الدعوة-الماضي".

ليس من العيب أن يقوم الحزب بمراجعة ذاتية واعتماد الوضوح مع الذات و مع الأخر، و وضع حد لرهن عمر الدولة لصالح حسابات حزبية ضيقة، لكن الذي يقع الآن يؤكد عكس ذلك، فالحزب يعمل على صناعة و تقوية مجتمع مدني خاص به غير منخرط في المجهودات التنموية للدولة، بل ملتزم فقط بضمان الحضور اليومي للحزب من خلال العمل الإحساني تجاه المواطنين المعوزين، بثقافة محدودة ووسائل بدائية لا ترقى إلى المعايير المعمول بها في العمل المدني.       

إن بنية العدالة و التنمية، كتجمع لحركات دينية، تعتمد على وسائل عمل تجعلها في علاقتها بالمواطنين في منأى عن أي تأثير حكومي قد يكون سلبيا، فالملاحظة الأكثر تسجيلا على مستوى طريقة اشتغال العدالة والتنمية والبنيات الداعمة له هو تركيزها على الجانب الاجتماعي سواء عبر اختراق جمعيات المجتمع المدني بكل أطيافها التنموية والدعوية والتربوية والرياضية والثقافية والنسائية أو عبر اللجوء المباشر إلى خدمات القرب وتقديم المساعدات الاجتماعية للمواطنين من طرف الجماعات الترابية التي يسيرها الحزب.

هذا الأداء يجعل الحزب قادر على خلق شبكة من "الزبونية" لا علاقة لها بتدبير الشأن العام، و لا يتأثر موقفها بموقع العدالة والتنمية سواء كان في المعارضة أو في الحكومة، بل مرتبطة بتلك المعونات والخدمات الاجتماعية، فيصبح الحزب بذلك مشكلا لبنية تكون منافسة لبنية المساعدات التي تقدمها الدولة. أفلا تكفي كل هذه المؤشرات للقول بأن حزب العدالة و التنمية يسعى إلى "التغول السياسي" و"الهيمنة" على مفاصل الدولة؟

في خضم ذلك، يبقى الجانب الدعوي، و هو الجانب الخفي/الظاهر في هاته اللحظة السياسية التي يمر منها حزب العدالة والتنمية، هو أهم ما يستغله أعضاؤه للتأثير على المواطنين، لاسيما عبر سلاح "حركة التوحيد والإصلاح"، و هو الدور الشبيه و القريب من الدور الذي تقوم به حركة " الإخوان المسلمين" في مصر الذراع الدعوي لحزب الحرية والعدالة، و الدليل على ذلك أن المواجهة الحاصلة الآن في مصر هي بين السلطة و الجماعة كبنية دائمة، و ليس بين السلطة و الحزب كواجهة سياسية

فهذا الجانب وما يوفره من إمكانية لاختراق أغلب الأسر المغربية بمختلف شرائحها الاجتماعية والفئوية يجعل الوضع السياسي أمام حالة إيديولوجية تتم فيها السيطرة على المواطنين بخطاب ديني/ أخلاقي يجعل من العدالة و التنمية هو الحزب القادر على حماية "هويتهم المهددة" من "العلمانيين"، علما أن المعركة تجري في الساحة الخطأ. فما ينتظره المغاربة هو تحسن وضعيتهم الاجتماعية من صحة و تعليم وتشغيل وقدرة شرائية و ليس تضييع الوقت و إلهاء المواطن بقضايا هامشية.

إن التدبير الحكومي لحزب العدالة و التنمية يبقى بعيد كل البعد على التحديات الحقيقية التي تعرفها بلادنا، و التي يجب مواجهتها و تدبيرها بمنظور حداثي متطور، و مقاربة عقلانية تقوم على الفهم الصحيح للواقع و الاستيعاب الكافي لطبيعة الحلول التي من شأنها الدفع بعجلة الاقتصاد و التنمية، و النهوض بالوضع الاجتماعي و السمو بالوطن إلى مصاف الدول المتقدمة.

تحقيق ذلك لا يمكن أن يتم إلا عبر نخبة قادرة، بقيمتها المضافة، على الانخراط بشكل جيد في تسير الدولة وشؤونها العامة، ولها القدرة على القيام بمهامها على الشكل الجيد الذي يدعم الاستقرار وتثبيت أركان الدولة، و هو ما لا يتوفر في قيادات حزب العدالة و التنمية التي تتسم بالهشاشة لأنها فقدت الاتصال بحقائق المجتمع المغربي وغير قادرة على التعاطي مع مشاكل التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومعرفتها محدودة و متجاوزة بحكم البنية التنظيمية المغلقة التي ترعرعت فيها.

بل الأكثر من ذلك فالخطاب المعتمد من طرف نخبة هذا الحزب ينتمي إلى "الظلامية القروسطوية" التي لن تفيد المواطن في شيء، ما دامت نقاشاتها ذات الأولوية هي حرية اللباس الفردي من عدمه، والعلاقات الجنسية بين الأخوات و الإخوان، عوض الانكباب على شؤون المواطنين بمنظور استراتيجي يؤسس للأجيال الحالية و المستقبلية. نحن أمام زخم ديني متجاوز سيجعل المغرب رهينا في أيدي حفنة من الرجعيين، سجناء الفكر المتجمد ثقافيا واقتصاديا و اجتماعيا، مما يجعل الحزب "بدون هوية ثَمِلُ على هاوية السلطة".

حزب المصباح بتجلياته الحالية قد يكون صالحا لتدبير جماعات ترابية صغيرة، لكن تدبير أمور الدولة و تدبير شؤون الجهات بشكل جيد يبقى أمرا مستحيلا بعيد المنال، حيث يمكن الجزم بأنه من العبث بما كان استمرار الحزب لولاية ثالثة، على اعتبار أنه لا يتوفر لا على الكفاءات اللازمة للتدبير، و لا على المنظور الاستراتيجي الضامن لقوة الدولة و حضورها الفعال.       

أعتقد أنه إذا كانت الديمقراطية هي حصد الأصوات و المقاعد دون طرح الأسئلة الجوهرية وإعداد البرامج السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية الكبرى، فسنكون آنذاك أمام ديمقراطية عقيمة في خدمة أغلبية انتخابية صورية لا تعكس الواقع الانتخابي بأغلبيته الحقيقية الصامتة أو العازفة عن الشأن السياسي بفعل الممارسات الدنيئة للحزب ومريديه

من أجل ذلك، و تحصينا للمكتسبات، يتعين تبديد هذه المخاوف من خلال تثبيت الثقة في التعددية السياسية و ضمان التأويل الحداثي لدستور المملكة، لاسيما تجسيد التناوب على السلطة كواقع وممارسة و ليس كفصول دستورية تظل حبرا على ورق.

مبرر هذا المطلب هو الوضعية الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية التي تعرفها بلادنا حاليا، و التي تجعل الحاجة الآن أكثر من أي وقت مضى إلى تناوب سريع، يُمَكِّنُ من ضخ دماء جديدة في دواليب تدبير الشأن العام، و ينقد المسار الديمقراطي الذي ناضل من أجله أبناء هذا الوطن، من جيل السياسيين الحقيقيين الحريصين على سمو الممارسة السياسية بما يضمن المصالح العليا للدولة بعيدا عن المصالح الفئوية الضيقة. وقد كان الراحل محمد عابد الجابري حاسما عندما أكد "أن الاستئثار بالسلطة يؤدي دائما إلى خنق إمكانيات التفتح والنضج في الفرد والجماعة".

بلادنا في حاجة إلى مساهمة الأحزاب في التطور الديمقراطي الصحيح الذي يتيح تقوية آليات إنتاج النخبة على أساس الكفاءة والنزاهة والمسؤولية السياسية، ويضمن تقوية مردوديتها في وضع السياسات العمومية وفتح الأوراش الاستراتيجية التي تليق بمقام المملكة كنموذج تستلهم منه باقي التجارب تراكماته التاريخية و السياسية التي تحققت بفضل النضال المشترك لفضلاء وعقلاء هذا الوطن.

  و إذا كانت خصوصية المرحلة التي تم فيها تداول مصطلح "التناوب التوافقي" قد اتسمت بأن عدد من النخب السياسية كانت تعتبر أن تلك المرحلة ليست سوى جسر سيتم الانتقال عبره إلى "التناوب الديمقراطي"، فإن الوضع اليوم لم يتحقق معه ذلك الأمل المنشود، ولم يمثل انتقالا إلى مرحلة متقدمة عن التجربة السابقة، بحيث أن حزب العدالة و التنمية استفاد من التراكمات الديمقراطية فقط ليظل في السلطة و ليحافظ على مراكز نفوذه، أما التناوب الديمقراطي فسيبقى معلقا إلى حين، ما دام الحزب يواصل سياسته التضليلية.

و ما يحز في النفس و يستفز الغيرة الوطنية الصادقة أن الحزب يعي تماما أن طريقته في السياسة لن تزيد المواطن إلا عزوفا عن السياسة و عن الممارسة الانتخابية، ليظل الحزب بأقليته السياسية في حكم الأغلبية الانتخابية، طالما أنه له مجتمع مدني خاص به، و مريدين أوفياء منضبطين أمام صناديق الإقتراع.

إن الأغلبية الحقيقية تحتاج إلى رجالات دولة عاهدوا الله و عاهدوا أنفسهم أن تكون مصلحة الوطن فوق أي اعتبار، متشبعين بمقدرات علمية و اقتصادية لقيادة المغرب نحو الأمام. دعوة لا تعبر عن رغبة في الإقصاء و الاستئصال كما يفعل الإخوان خلال كل مجلس حكومي من خلال تنصيب أتباعهم في مختلف الإدارات للتغلغل في مفاصل الدولة، لكن الديمقراطية تقتضي عدة شروط على رأسها نخبة حكيمة قادرة إلى إحداث التغيير الإيجابي المنشودـ، و مجتمع مدني فاعل بإمكانه المساهمة في السياسات التنموية بعيدا عن منطق الإحسان.         

فالوطن، كان ولا زال، ينتظر وثبة المجتمع بانعتاقه الواعي بقيم التحول الدستوري و الانفتاح السياسي الذي عرفته بلادنا، و باقتناعه الأكيد بأن الدين لله والسياسة تنافس بين برامج حزبية مدنية، قد تصيب و قد تخطأ، و من أخطأ فما عليه إلا سحب بطاقة المغادرة و ترك المجال لمن هو أفضل منه كفاءة. فمصلحة الوطن لا تحتمل التلاعب أو تضييع المزيد من الوقت، لأن حياة الدولة لا تقاس بعمر الأفراد بل تقاس بمدى تنزيل الأهداف التنموية ودرجة تكريس الديمقراطية. للأسف الشديد لا أهداف تنموية حكومية تحققت ولا ديمقراطية سياسية تعززت ما دام التناوب الديمقراطي يعيش وقف التنفيذ.

   

تعليقات الزوّار (0)