فاكهة نادرة في جبال تارودانت.. "الطنورج.. الفاكهة المقدسة" (تحقيق)

الجمعة 22 مارس 2019
تحقيق: أوسيموح لحسن
0 تعليق

AHDATH.INFO
أشرقت شمس الصباح على بادية أصادص في أعالي جبال  تارودانت, فألقت بخيوطها الساطعة على شجيرات تتدلى منها فاكهة نادرة تفردت بها تربة المنطقة.
في تلك الأثناء استيقظ علي "46 سنة" ليلتحق مباشرة بعد الافطار بحقله. هناك ينتظره مساعده سي عبد الله ليتفقدا معا ثمار أشجار الطنورج الباسقة قبل انطلاق عملية جني  فاكهة يجهلها  غالبية المغاربة المسلمين, لكن يقدسها مغاربة يهود بل كل يهود العالم المتدينين.

 

"ليمون اليهود"


يسمونها بالامازيغية "طنورج"، وهي نفسها  الفاكهة التي عرفت عند العرب  بأسماء، منها: “الأترج”، و“الأترجة”، و“الأترنجة”، كما تحمل اسم “تفاح العجم" و"تفاح آدم" أو"ليمون اليهود" لأنهم يحملونه في أعيادهم.
يصل ارتفاع شجرة الطنورج إلى خمسة أمتار. هي ناعمة الأغصان والأوراق. أزهارها بيضاء وثمرتها تشبه الليمونة إلا أنها أكبر بكثير. لها رائحة مميزة ذكية وماؤها حامضي .

هي أشبه بالحمضيات, لكنها فاكهة نادرة ومتفردة تماما كتفرد أشجار الأركان ونبتة الزعفران بتالوين.
أوشكت على الانقراض قبل أن ينقذها مخطط المغرب الأخضر من الانقراض لتصبح أحد الزراعات التي صالحت فلاحي المنطقة مع الأرض, ومنحتهم مداخيل تغنيهم عن الهجرة الى المدن.
يقول علي بلغته الامازيغية" هان الفاكيتاد أس نعيش غيلاد" ..  أي أنه بفضل هذه الفاكهة بدأ يتحسن مدخول الأسر. لم يكن الأمر كذلك من قبل , فمع قلة التساقطات المطرية هجر كثير من الفلاحين الصغار بالمنطقة أرضيهم، وهاجر معظمهم الى المدن بحثا عن مورد للعيش.

 

تغيرت الأمور في السنوات الأخيرة. أشجار الطنورج استعادت أهميتها، وعادت معها حيوية أبناِء المنطقة وخاصة الشباب. كثير منهم استفادوا من مشاريع تمويل حفر الآبار والألواح الشمسية كطاقة بديلة, بل أيضا السقي بالتنقيط, وهو ما مكنهم من تحسين جودة الفاكهة وأيضا تحسين مدخولهم.
يقول علي منشرحا" بفضل المخطط الأخضر ومساعدة الدولة تغيرت الكثير من الامور هنا", قبل أن يضيف " ان حفر الآبار والسقي بالتنقيط ساعدنا  بشكل كبير في زراعتنا". كما ان "استعمال الطاقة الشمسية خفض بكثير من كلفة الانتاج".

 

الطنورج المقدسة

يعلم علي وكل أهالي المنطقة أن ثمار الطنورج مقدسة لدى معتنقي الديانة اليهودية, لذلك لا يتوانى في الاعتناء بشجيراته وما تحمله من ثمار تعد تجسيدا آخر لثقافة التسامح والتعايش التي تميز المغاربة منذ قرون خلت مع معتنقي الديانات السماوية من مسيحية ويهودية واسلام. ولم لا  فتربة المنطقة تجود بأجودها على الإطلاق.
بالنسبة اليه تلك شجرة ورثها عن الأجداد. ويعي تماما أنه يتم الاحتفاء بالطنورج أو Truong fruit  بالانجليزية في "شعيرة عيد العُرش أو “سوكوت” باللغة العبرية, إحياءً لذكرى خيمة السعف التي آوت اليهود في العراء أثناء خروجهم من مصر"، كما أكد لنا ميلود شاشا أحد أبرز المرشدين السياحيين الذي جال المنطقة وعلى دراية بثقافة وطقوس أهاليها.

وهو ما يؤكده "ألبير" أحد المغاربة من ساكنة الدار البيضاء المعتنقين للديانة اليهودية  بقوله " انها فعلا ثمرة مقدسة تستعمل في طقس سنوي يتم فيه الدعاء لكل البشر من بني آدم مهما كانت ديانتهم ومعتقداتهم".

 


ورغم أن قلة من المغاربة يجهلونها, الا أن عبد الرحمان بلوش الباحث في الثقافة الامازيغية يؤكد أنها "فاكهة مقدسة عند فريق من اليهود. واستعمالها يكون بالخصوص  في مناسبة دينية كما تنص على ذلك تعليمات مقدسة في صحف اليهود القديمة ".

ويضيف بقوله" يمكن في نظري مقارنته على سبيل ادراك طقوس الكديدة التي تجمعها المرأة العاقر عندنا طلبا للإنجاب".

ويجمع ساكنة منطقة  “أصادص” باقليم تارودانت في الجنوب المغربي أن حقولهم تنتج أجود أصناف هذه الفاكهة  التي يستعملها معتنقي الديانة اليهودية في أحد أهم طقوسهم الدينية، بل هي ثمرة أساسية في عاداتهم الغذائية ويستخدم أيضا كأحد أهم المشروبات التي تؤثث موائدهم.
ولأهميتها في الديانة اليهودية أنجز الباحث الزراعي رابي يشار ليفي المقيم ببريطانيا دراسة حولها. فهو أحد الذين يعرفون قيمة ثمرة يحتفى بها خلال شعيرة عيد العُرش, بل يتم التفاخر  والتباهي بها فيما بينهم , ويحرص كل فرد يهودي أن تكون حبة الطنورج  التي بحوزته سليمة وجذابة وصالحة لأداء تلك الفريضة"، خاصة انه حسب العديد من المصادر تعد التنورج شجرة مباركة ومقدسة حسب الصحف القديمة", بل يذهب بعضها الى أن "عصا موسى عليه السلام كانت مصنوعة من غصنها ".
دراسات أخرى تاريخية تذهب الى أن زراعة شجرة الطنورج تعود التواجد اليهودي بمختلف مناطق المغرب, خاصة أن المغرب آوى في مختلف العصور أضخم جالية يهودية في العالم.

 

تجارة الطنورج

هي ليست فاكهة مقدسة دينيا فقط , بل أيضا ذات أهمية غدائية وصحية, فهي تستخدم في الطب الحديث كفاتح للشهية، ومهضم ومنبه للجهاز الهضمي، ومطهر ومضاد للفيروسات، وقاتل للبكتريا، ومخفض للحمى، ويستخدم كمضاد للبرد، وعدوى الصدر، والحنجرة، كما يقوي جهاز المناعة، ويساعد في موازنة ضغط الدم.
ولذلك بعد استفادة الفلاحين من الدعم وبرامج المخطط الأخضر, ارتفع انتاج الحقول من تلك الفاكهة, وتزايدت كميات فاكهة الطنورج التي يتم جنيها, فكل شجرة تجود ما بين 50 الى ستين ثمرة.
ولأهميتها الدينية والصحية، عاد الاقبال عليها من جديد من طرف تجار مغاربة وأيضا أجانب خاصة من معتنقي الديانة اليهودية بل ومختبرات دولية.
استعادت المنطقة أهميتها، حيث أصبحت مزارا للسياح. هدف كثير منهم التعرف عن قرب على فاكهة  الطنورج"، والتقاط الصور مع “شجرتها المباركة”.
لكن أخرين منهم يأتون من أجل اقتناء كميات من "الفاكهة المقدسة" من أجل تسويقها للجاليات اليهودية في مختلف دول العالم.

 


فعلى غرار جودة شجرة أركان المغربية وزعفران تالوين, تعتبر فاكهة الطنورج بمنطقة أصادص بجبال تارودانت المغربية, وخاصة دواوير "إمي نيفري، وتمكنسيفت، وتكركوست " من  أجود السلالات, بل انها أصيلة ولم تخضع لأي تطعيم، وهي ذات جودة معترف بها عالميا لا يضاهيها الا سلالة أخرى يطلق عليها “العروسة” وتصل قيمة الكيلوغرام الواحد إلى 100 دولار.
لكنها تظل متفردة وتفوق قيمتها الغدائية مثيلاتها التي تنتج بمزارع حديثة بمنطقة هوارة بالجنوب المغربي بل أيضا بدول أخرى خاصة ايطاليا. ذلك رغم تشابه في المناخ الحار الملائم لغرض اشجارها.
رغم انتعاش تجارة الطنورج والاقبال المتزايد عليها, يشتكي بعض الفلاحين من الوسطاء ومن الاثمنة البخسة التي يبيعون بها منتوجهم" في هدا الصدد يقول علي " نعاني مشكل تسويق الطنورج, فزبناء الفاكهة يتواجدون بالخارج, ولا نتوفر على امكانيات التسويق".

 


ويتأسف علي على ما يعتبره استغلال بعض الوسطاء لهذه الوضعية", لذلك لا يتردد في التأكيد على " ضرورة تدخل الدولة لتثمين المنتوج وتسويقه بأثمان مناسبة تراعي ثمن الفاكهة في اسواق البلدان التي تصدر اليها", لكن ايضا وقف احتكار الوسطاء".
ويكشف علي أن المنطقة كلها لا يتوفر فيها سوى معمل وحيد لتعليب الفاكهة, ويتواجد في هوارة أولا تايمة , ومن هناك يتم تصديره الى الدول الأوربية وأمريكا.. كما أن هناك تجار يقتنون كميات من تلك الفاكهة من الحقول مباشرة, ويكتفي الفلاح برعاية الاشجار وانتظار نضجها, ليتم جمعها من طرف أولئك التجار المتخصصين.
رغم أهميتها المتزايدة والاقبال عليها, فان فلاحي المنطقة لا يستفيدون ماديا من منتوجهم من تلك الفاكهة, لذلك ينتظر وبقية فلاحي المنطقة أن مواكبتهم من خبراء مخطط المغرب الأخضر ليعيدوا الاعتبار لسلسلة التسويق بعد أن نجحوا في تثمين شجرة الطنورج وفاكهتها المقدسة.

 

تعليقات الزوّار (0)