"الشيطان جميل وفاتن في اللهجة الحسانية"

الخميس 11 أبريل 2019
رباب الداه
0 تعليق

تُخفي اللهجة الحسانية المستخدمة لدى قبائل بني حسّان، الكثير من التناقضات والمفارقات الجميلة، ذات وقع خاص في الأذن و تؤثر على المتلقي بشكل آسر، كما تمنحهم فسحة من الخيال لربط الكلمات بأصلهم من المعجم العربي الفصيح. و هنا يأتي مثال على "الشيطان" الذي يُلقي بظلاله على هذا الأدب في أغراضهِ الغزلية.

الشيطان في الحسانية لا يُشبه الصورة النمطية الشريرة عن الشياطين، فالشيطان في الحسانية هو رمز الجمال والجاذبية والحب و السحر و الغواية، بل وقمة التّعبير عن المشاعر.

فعندما توصفُ المرأةُ بأنّها مليئة بالشيطان أو (فيها ابليس) فهذا يعني أنها للكمال أقرب، وغالباً ما يأتي هذا "الشيطان" بنفسٍ إيروسيٍّ مُشبع بالدلالة، وهو نفسـه "إبليس" الذي أخرجته الفنانة "حورية بنت النانّة" من عالمه الداخلي الضيق، وأطلقت العنان له ليرتع في الخارج، من خلال أدائها للأغنية الشّهيرة التي صدحت بها في تونس و باقي البلدان، حيث غنت لأحد الشعراء الذين كتبوا في هذا الأدب: قْبيل الدحميس بنتي/ وابلگ ذاك ابليس حرق بَيّ ابليس وأنتِ/ وقْبيل الدحميس.

و في هذه الكلمات التي لقيت صدىً واسعاً، يخاطب الشاعرُ المرأة المولع بها قائلاً: إنها ظهرت (بانت) في المساء (الدحميس) وأثار ذلك غرور "إبليس" الذي هو "الشيطان" طبعاً، أي أنها ظهرت بكامل جمالها وجاذبيتها، فلم يتمالك الشاعر إزاء هذا المنظر الفاتن في سويعات الأصيل من أن يسبّ أباها -هي و إبليس والمساء- (يحرق بَيّ ابليس...) في ذمٍ ظاهر هو قمة المدح في باطنه. السبّ في الأدب الحسّاني، ينقلنا إلى نمط تعبيري آخر أكثر تفصيلاً في الذم، وهو نوع مطوَّر مِما يُعرف في الأدب العربي بالمدح بما يشبه الذمّ، لكن ما نحن بصدده هنا هو غزلٌ عن طريق الذم نفسِه، وليس بما يشبهه فقط، ويسمى هذا النمط الغزلي في اللهجة الحسانية بــ"المِقْـفِي" (أي المعكوس أو المقلوب)، مشتقة من القفا، إذ من المستحيل في الفضاء الناطق بالحسانية، أن يهجو الرجلُ امرأة أصلاً، فذلك يعد قدحاً ونقصاً كبيراً في رجولته بالمفهوم التقليدي، لذلك فأي نص هجائي موجّه من رجل لامرأة سيكون من البديهي بالنسبة للجمهور أن يؤوله باطنياً بتحويله من الذمّ الظاهري إلى غزل، خصوصاً إذا كانت المقصودة في النص معروفة في الواقع بالجمال والجاذبية ونحوها من الصفات البعيدة عن الكلمات في المقطع الشعري.

كل شاعر مرتبط بمحبوبة معينة تلهمه، والمرأة المعنية بهذا النص تحديداً معروفة، على الأقل عند الجمهور الذي يخاطبه الشاعر، وكذلك في نصوص "الغزل الهجائي" الأخرى غالباً ما تكون المعنية بالغزل معروفة.

تعليقات الزوّار (0)