طريق الكرامة : أو قصة مدينتين.. العيون العامرة وتندوف المحتجزة

السبت 13 أبريل 2019
سعيد نافع
0 تعليق

 

AHDATH.INFO

استغرق الأمر رحلة من 5 أيام إلى تندوف ثم العيون من أجل مقارنة موازية تظهر كل الفروق الصارخة بين عالمين.. ليتحقق القول الموروث الذي حرك مادة التحقيق الصحفي التلفزيون : ليس من رأى كمن سمع. ولتتبدى الحقيقة عارية من كل أشكال اللبس والتزييف، كان على الصحفية الإسبانية باتريسيا خويز التي عاشت لسنوات طويلة مقتنعة ب‘‘نصف الحقيقة‘‘ مثل السواد الأعظم لمواطني بلادها، أن تشد الرحال إلى مدينتين على طرفي النقيض في نزاع، أريد له أن يستمر في الزمن عبر جريمة مكتملة العناصر، احتجز فيها نظام دولة جارة إخوانا لنا في مكان لا تريده من ترابها، ليتاجر في قضية يتداخل فيها طمع التوسع بحقد تاريخي قديم.

أصل التحقيق كان نقاشا جمع الصحفية بصحراوي في قلب مدريد. وككل صحفي مهني لابد أن يتحول إلى مختبر متكامل لاستجلاء الحقيقة عوض الاكتفاء بالاستماع إلى أطروحات الآخرين، قررت باتريسيا أن تقف بنفسها على الوقائع، بعد أن أقنعها الصحراوي، باستشهاد من موروث الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ‘‘بين الحقيقة والكذب أربع أصابع‘‘ هي مايفصل محجر العين عن الأذن.

 

ساعة وعشر دقائق من التدفق الكثيف للحقائق انتقلت فيها الصحفية الإسبانية بين كل الأحاسيس الممكنة في فضائين مختلفين. فضاء تندوف المغلق المظلم الذي يفتقد لأدنى شروط الحياة، حيث كان عليها أن تراوغ الأعين الراصدة في كل خطوة، وأن تأخذ إذنا من جهة ما.. قد يأتي أو لا يأتي.. لإجراء مقابلة أو لقاء عابر في الطريق. و فضاء العيون المفتوح والمضيء والعامر بالحياة، حيث كان بإمكانها أن تنتقل أين شاءت متى شاءت، وأن تلتقي من تريد لتسأله ما تريد. تباين الأحاسيس بين المدينتين، وصلت ذروته عند توثيق الصحفية لشعور الأمان السائد في شوارع العيون  في مشهد ثلاثة شابات يلتقطن ‘‘سيلفي‘‘ ليلا بكل حرية أمام مدخل مطعم عالمي للأكلات السريعة. ثم شعور بالخوف على حياتها، قالت أنها أحسته لأول مرة، حين طلب منها أن لا تتعدى، سيرا على الأقدام، تلة صغيرة في مخارج تندوف لأن ‘‘الجزائريين‘‘ يوجدون هناك.

التباين في كل شيء بين العيون وتندوف كان الخيط الناظم للتحقيق. هنا تمثيلية حقيقية للسكان من خلال منتخبين ومجلس بلدي يتداول فيه حول الشأن العام ثم تتخذ القرارات. هنا أيضا، مجتمع مدني نشيط ومتنوع تأخذ فيه المرأة مكانة مهمة وتسمع صوتها فيه دون مواربة. هنا مستشفى إقليمي تعالج فيه كل شرائح المجتمع، في كل الاختصاصات. هنا مشروع سوق السمك للحرفيين المحليين، ومحطة لتصفية مياه البحر وأخرى لمعالجة المياه العادمة. هنا ملاعب ومركبات رياضية للقرب. هنا‘‘ماكدونالدز‘‘ الذي لايوجد في مناطق النزاع، تقول باتريسيا.

 

هناك في تندوف، تصمت النساء تضيف باتريسيا، التي لا تعرف إن كان الصمت مفروضا لأن جهات ما تخاف مما قد تقوله له النساء الصحراويات أم أنه نتيجة وضع اجتماعي معقد. هناك.. حائط كبير كتب عليه ‘‘ إلى أين نحن ذاهبون ؟‘‘. هناك أيضا، جاءت شهادة طبيب إسباني متطوع لتكشف حجم المعاناة اليومية مع النقص الحاد في الأدوية رغم المساعدات الدولية، التي تذهب إلى جهات أخرى عوض أن توضع رهن إشارة الناس في المخيمات. هناك.. اكتشفت باتريسيا من خلال شهادات مستترة ومرتجفة، أن أشخاصا مروا قبل وصولها إلى مخيم أمغالا وسط تندوف، طلبوا من السكان إخفاء كل شيء سيعطي الانطباع لباتريسيا على أنهم يمتلكون آلات منزلية أو وسائل راحة.. على أمل أن تستفحل صورة‘‘البؤس‘‘ لدى المتابع الأوروبي. هناك اكتشف باتريسيا أن المخيمات تعيش في ظلام دامس على الرغم من أن أمتارا قليلة فقط تفصلها عن الأعمدة الكهربائية الجزائرية.

شاب وحيد من المخيمات، محمود، قرر الحديث إلى باتريسيا بوجه مكشوف. تكلم بشجاعة عن واقع بؤس مفروض، وعناصر جريمة احتجاز كاملة الأركان يعيشها إخواننا في تندوف، قبل أن يتحدث عن واقعة اغتصابه البشعة من طرف عناصر قوة تابعة للطغمة الحاكمة، فقط لأنه قرر إسماع صوته جهرا بالظلم الذي يعيش فيه.

 

تحقيق ميدي آن تيفي، الذي قادته الصحفية الإسبانية باتريسيا خويز، برئاسة تحرير الزميل نبيل دريوش، تميز إعلامي مهني راقي للغاية، من المفروض أن يشكل مدخلا لترافع إعلامي جديد، فعال ومؤثر، عن قضيتنا الوطنية الأولى.

 

تعليقات الزوّار (0)