#ملحوظات_لغزيوي: "ماكاينش معا من !"

الخميس 25 أبريل 2019
المختار لغزيوي
0 تعليق

AHDATH.INFO

عبر صفحة "الأحداث المغربية" في الفيسبوك، والتي احتفلت الأسبوع الماضي ببلوغها مليونية حقيقية ومستحقة لا تشبه بقية المليونيات المستأجرة هنا وهناك، طالعنا تعليقات خطيرة للغاية في موضوعين إثنين. الأول يهم حريق كاتدرائية نوتردام دو باري، والثاني يهم التفجير الإرهابي الكارثي الذي ضرب كنيسة في سريلانكا وخلف عددا مهولا من القتلى الأبرياء الذين يكن اعتبارهم في حكم الشهداء

بالنسبة للموضوع الأول، هالنا أن نقرأ تعليقات قادمة من فرنسا أصلا، ومن مهاجرين مغاربيين بالتحديد تتشفى في الحريق الذي مس المعلمة الباريسية والإنسانية الشهيرة، والتي لم تعد مجرد كاتدرائية، بل أصبحت منذ عقود عديدة رمزا من رموز الإبداع الإنساني في المعمار، وإسما كبيرا خلدته أعمال أدبية وفنية كثيرة انتقلت به من طور الدين أو الكنيسة إلى طور الفضاء الحاضن للإنسانية كلها

كتب الكثيرون يقولون إنهم فرحين للغاية أن الكاتدرائية احترقت، وتمنى آخرون أن يشهد برج إيفل نفس المصير. وكبر البعض وهلل البعض الثاني، واعتبر بعض ثالث أن الأمر يتعلق بعقاب إلاهي نزل على فرنسا التي تدخلت في الشأن الجزائري والشأن الليبي

فيما دفع آخرون غطاء القارورة أبعد والتحقوا بالمؤامراتيين الفرنسيين الذين يقولون إن الحريق كله مدبر لأجل تجاوز أزمة السترات الصفراء، بالنظر لتزامنه مع الخطاب المرتقب لماكرون ذلك اليوم عن الأزمة التي تمر منها فرنسا إلى آخر سيل طويل من الحماقات، تركنا نحملق فيها ولا نستطيع إلا قراءتها المرة الأولى والثانية والعاشرة دون أن نستطيع لا الرد عليها ولا حتى تصديق أن هناك أناسا أسوياء يمتلكون تواصلا عبر شبكة الأنترنيت يكتبون مثل هذا التخلف ويتبنونه بأسمائهم الحقيقية ويفرحون.

ثم تكررت المأساة مع التفجير الذي هم كنيسة سريلانكا، وشرعنا في اكتشاف هذا الوجه الدموي لبعضنا وهو يعتقد أن الله نصر الإسلام بهذا القتل البربري المتوحش، وبأن دماء من ماتوا في فلسطين وفي العراق وفي المسجد النيوزيلندي مؤخرا لم تذهب عبثا، وأن الإله أرسل لهاته الأمة من يقتص لها ومن يريق دماء المسيحيين مثلما سالت دماء المسلمين قبلهم بغزارة

وفي كل محاولة تواصل مع هاته الآراء القاتلة أو محاولة نقاش، كان الرد فوريا وجاهزا على "أدمينات" الصفحة وهو أنهم ينتمون للعلمانية المتهتكة وللصهيونية الحاقدة وبقية التفاهات

الحكاية ليست بسيطة للغاية، ولا علاقة لها بتعبير حر عبر الفيسبوك أو تويتر. هي وجهنا الحقيقي في المرآة. أو هي على الأقل الوجه الحقيقي لبعضنا - وهم موجودون معنا في هذا المجتمع ولا مفر من الاعتراف بذلك ولا فائدة في إنكار هذا الوجود - الذين يتصورون أن الإرهاب هو الحل الحقيقي لكل المشاكل التي نعيشها، والذين يعتقدون أن العنف في كل مجالات الحياة، من العنف المنزلي والزوجي إلى عنف الشارع إلى العنف ضد الممتلكات العامة والخاصة إلى المرحلة الأعلى من العنف أي الإرهاب هو أمر عادي وطبيعي ومن الضروري اللجوء إليه للرد على كل "الظلم" الذي يتصورونه واقعا عليهم

الأكثر مدعاة للاستغراب في الحكاية هو أن أغلب التعليقات أتت من مغتربين مغاربيين قاطنين في أوربا، أي من أناس لم يستطيعوا تحقيق ذواتهم في أوطانهم الأصلية، تلك التي يسمونها دول الإسلام، واضطروا للجوء إلى فرنسا أو بلجيكا أو إسبانيا أو هولندا أو غيرها من الدول التي يسمونها دول الكفر، والتي وفرت لهم الشغل والعمل والسكن والاستقرار والضمان الاجتماعيين، ورغم ذلك، وفي أول فرصة لا يترددون في إشهار شماتتهم في أول مصاب يصيب هاته الدول التي استضافتهم وفتحت لهم ذراعيها.

أسوأ من هذا أن وسائل الإعلام الدولية تناقلت صور الكرديين العراقيين اللاجئين في فرنسا اللذان التقطا لنفسيهما سيلفيا مع الكاتدرائية وهي تحترق وهما يضحكان ويشيران بشارة النصر احتفالا بماذا بالتحديد؟

الله أعلم، وإن كان أغلب الظن يشير إلى أنه احتفال متخلف بانتصار وهمي على كل التقدم الذي نراه في الضفة الأخرى، والذي لا نستطيع الوصول إليه، فننفس عن غيظنا من عدم الوصول هذا بالكثير من الرداءات وفي مقدمتها رداءة الشماتة في مصاب الآخرين...كل الآخرين.

سؤال لا مفر من طرحه على أنفسنا كل يوم إلى أن نجد له جوابا أو شبه جواب: لماذا بقينا على قارعة الطريق بهذا الشكل المعيب؟

بعض الجواب أو بدايته في هاته الارتكابات التي نقترفها، والتي تسجل علينا المرة بعد الأخرى أننا لاننتمي للركب المتحضر الذي يحاول العالم الانخراط فيه.

ذلك أنك عندما تعجز عن الإحساس بحزن الناس في كل مكان لا تستطيع أن تطالبهم ذات يوم بأن يشعروا بأي شعور تجاهك…

لا شعور الحزن ولا شعور التعاطف ولا حتى شعور الألم لوجودك معهم على هاته الأرض بهاته  الكمية الكبيرة من الأحقاد.

وحده شعور التجاهل تجاهك يكتنفهم ويقول لهم إنه السبيل الوحيد للتعامل مع هاته النوعية من الكائنات…

مؤسف، لكنها الحقيقة وحق من خلق هاته الدنيا وهاته العقول المختلفة وهاته القلوب العاجزة عن الخفقان الحقيقي.

تعليقات الزوّار (0)