#ملحوظات_لغزيوي: تلفزيون في الحرم !

الخميس 23 مايو 2019
المختار لغزيوي
0 تعليق

AHDATH.INFO

العودة الهادئة والفنية التي عادها مسلسل "العاصوف" في جزئه الثاني هذا الشهر الفضيل لأحداث اقتحام الحرم المكي التي حدثت سنة 1979 هي عودة تفتح كوة، بل بابا كبيرا أمام الدراما العربية لقراءة أحداث شكلت فيصلا حقيقيا في تاريخ الأمة، وظلت العديد من خباياها غير معروفة بالنسبة للرأي العام.
دور التلفزيون اليوم لم يعد أن يكون وسيلة تسلية وترفيه فقط. هناك دور أساسي لابد من أن يقوم هذا الجهاز به، قبل انقراضه التام والنهائي أمام وسائل الفرجة الحديثة، من هواتف نقالة ولوحات إلكترونية وغيرها من منصات المشاهدة الجديدة...
هذا الدور هو دور تقريب المجتمع العربي الإسلامي الذي لايقرأ إلا نادرا، لئلا نقول الذي لا يقرأ نهائيا، من أحداث مرت وانقضت لكنها صنعت مستقبله الذي هو حاضره الذي يعيشه اليوم.
"العاصوف" اختار هذا المنحى، بعد أن اختارت نفس القناة المنتجة له أي "إم بي سي" في رمضان الفارط، أن تقدم قراءة خاصة من نوعها لداعش ولماوقع لسنوات في مناطق التوتر بسويرا والعراق على يد داعش من خلال مسلسل "غرابيب سود".
هذه السنة عاد المتألق دوما أبدا ناصر القصبي إلى اقتحام جهيمان العتيبي ومن معه للحرم المكي نهاية السبعينيات من القرن الماضي، وهي اللحظة التي لاتقول للكثيرين عديد الأشياء، لكن من يتابعون تاريخ العمل الإسلامي وتطورات الحركة الإسلامية يعرفون أن هذا التاريخ شكل المنعطف الذي مرت منه هاته الحركات من لحظة الاستفادة من "التواطؤ" معها داخل الدول العربية والإسلامية إلى لحظة المواجهة (المباشرة أو غير المباشرة) مع الأنظمة التي صنعت هاته التنظيمات، ورعتها لسنوات إلى أن شب عودها وأضحت قادرة على الإساءة لمن صنعوها أولا، ثم لمن صنعت ضدهم في المقام الثاني.
لا داعي للتذكير أن الجماعة الإسلامية المصرية التي رعاها السادات بكل قوته، وهو الذي لقب نفسه يوما ب"الرئيس المؤمن" ضدا في اليسار واليساريين هي التي اغتالت الرئيس المصري على يد الإسلامبولي سنتين فقط بعد حادث اقتحام الحرم المكي الذي يروي أحداثه مسلسل "العاصوف".
لاداعي أيضا للتذكير بسلسلة من الحوادث الإجرامية والإرهابية التي هزت منذ تلك اللحظة عالمينا العربي والإسلامي على يد هاته الحركات التي رأت في وصول الخميني وماسمي ب"الثورة الإسلامية" إلى السلطة في إيران مؤشرا على إمكانية وقوع نفس الأمر في بقية الدول الإسلامية والعربية
ميزة مسلسل "العاصوف" الأساسية هي أنه لم يقتحم موضوع الاقتحام للحرم من الوهلة الأولى. لا، هو هيأ لأحداثه بشكل حرفي جيد، وأعطى مشاهده على امتداد الحلقات العشر الأولى الأرضية المؤسسة لكل ماسيقع من بعد، مايعطينا دليلا حقيقيا على أن كتابة العمل خضعت لتناول راقي وعالم وعلمي مبني أساسا على جعل الخط الدرامي للعمل يوصل دون عناء مشاهده إلى تقبل الأحداث التي ستقع في حينها
أيضا احترام الكثير من المعلومات التاريخية التي يعرفها من سبق له وقرأ أو طالع قليلا عن جهيمان العتيبي وجماعته وحادث اقتحام الحرم وحيثياته، (سواء من خلال الكتب التي صدرت عن الموضوع، وضمنها مؤلفات لمقربين من جهيمان نفسه راجعوا أفكارهم الإرهابية، أو من خلال المقالات التي نشرت منذ ذلك الحين عن هذا الموضوع) نقطة تحسب لهذا العمل، وتجعل مشاهدته أمرا ممتعا سواء للفرجة على لعب الممثلين المتميز، أو لمتابعة الحدث الدرامي الأساسي المشكل لعقدة هذا المنتوج الرمضاني المتميز ...
طبعا لا يمكننا أن نمر من حديقة هذه المشاهدة الرمضانية دون أن نسقط طائرتنا المغربية الشهيرة، ودون القيام بعملية "ترياب الحفلة" التي عهدناها مع تلفزيوننا الموقر، الذي لا يحب كثيرا تناول مثل هاته المواضيع، ولا يحب التاريخ لا القديم ولا الجديد، بل وأحيانا لا يحب الحاضر ويكره المستقبل، ويفضل عوض كل هذا كتابة "أشياء" ما أنزل الله بها من سلطان، يشاهدها المرء مرغما في إطار "تشجيع المنتخب الوطني والراية دلمغرب والمنتوج المحلي وال MADE IN MOROCCO وصافي" قبل أن يجد نفسه مصابا بعسر الهضم الشهير الذي يلازم كل المغاربة كل رمضان، والذي لايعرفون له سببا دقيقا : أهي الحريرة اللعينة بمختلف مكوناتها المتنافرة وبقية مرافقاتها على طاولتنا المغربية الشهيرة؟ أم هي حريرة "الخلط بين مالاخلط بينه"تلفزيونيا  التي يرتكبها هؤلاء الذين قيل لهم ذات يوم إن أسهل شيء في الحياة هو التحول إلى مبدعين تلفزيونيين دون إحم ودون دستور مثلما يقول المصريون؟
في المحصلة الختامية تصلح مسسلسلات وأعمال مثل "العاصوف" لاستحضار جزء مشترك من تاريخنا الإسلامي، ولتذكر ماوقع للمسنين، ولمعرفته من جديد بالنسبة للجدد، وتصلح أيضا لمقارنة واقع الحال هنا بواقع الحال هناك، وإخراج زفرة عميقة من قلب القلب، والقول على سبيل الإيمان بالقضاء شره وشره : هاد الشي اللي عطا الله والسوق"، وحمد من لا يحمد على المكروه سواه، ومواصلة الفرجة في انتظار انتهاء الشهر الفضيل وكفى...

تعليقات الزوّار (0)