الشرعي يكتب: "الهيبة" !

الجمعة 31 مايو 2019
بقلم: أحمد الشرعي
0 تعليق

AHDATH.INFO

أمتعت قناة الإم بي سي مشاهديها في برمجتها الرمضانية التلفزيونية هذه السنة، بسلسلة عربية ذات مستوى فني عالي للغاية. الفنانون السوريون المشاركون في العمل، القادمون من بلد شهدت حربا مدمرة على مدى السبع سنوات الماضية، أظهروا  مجددا قدرتهم على التحكم في مختلف أبعاد العمل الفني سواء من خلال البناء الدرامي للحبكة السردية أو الرؤية الإخراجية، مع قدرات تشخيصية مقنعة جدا. المسلسل يروي قصة عائلة تعيش في الجبال الواقعة على الحدود السورية اللبنانية، وتستغل سيطرتها على العلاقات القبلية التي تميز المنطقة لبسط نفوذها في المكان، على خلفية تحكم أفرادها في العديد من الأنشطة غير القانونية، كتجارة السلاح، تم إعادة توزيع أرباحها على الساكنة المحلية، التي ترى فيها «الحارس الأمين» وليس المافيا.

البناء الدرامي للحبكة الأساسية لسيناريو المسلسل يحاكي المعالم الأساسية لقصص الإنسان في كل بقاع العالم : الحب، الغيرة، الخيانة والصراع حول النفوذ والسلطة. عمل فني راقي بأعماق إنسانية نأسف لعدم قدرة الدراما المغربية على ملامسته.. وهذا نقاش آخر.

يحمل مسلسل «الهيبة» رسائل قوية ومتعددة، لكن واحدا منها قد يعتبر الأهم. في كولومبيا، نجح بابلو إسكوبار في الحصول على مقعد في البرلمان بنسبة تصويت قاربت ال80 بالمائة، في وقت كان كل الناخبين يعلمون جيدا أنه يدير أحد أكبر كارتيلات المخدرات في البلاد، وأنه أمر بتصفية العشرات من الأشخاص. بالمقابل بنى إسكوبار الطرق والمدارس ومول فرق كرة القدم وأدى أثمنة التطبيب والعلاج للمرضى. تتكرر هذه النماذج في العالم بأسره. والسبب الرئيسي في بروزهم الملفت، هو التخلي التام للدولة عن أدوارها الأساسية.

الرسالة واضحة للغاية في مسلسل «الهيبة». الدولة لم تعد تتحمل مسؤولياتها ورجال السياسة فقدوا كل مصداقية. في هذا السياق يعود الناس للاحتماء في البنيات الاجتماعية كالقبيلة لضمان حماية تبعد كل أشكال الخطر. داخل القبيلة تبرز الظواهر المافيوزية وتتحكم في العلاقات، لأنه في غياب أنشطة مستدامة، وحده الاقتصاد المظلم و«اللاشرعي» يملأ فراغ المكان، ليمنح أسبابا للاستمرار على قيد الحياة.

تحتل البنيات المافيوزية مكان الدولة الغائبة. تختفي الأحكام الأخلاقية حين تصبح حياة الإنسان مهددة. هذه التنظيمات الإجرامية تملي نظامها الخاص والسكان لا يجدون بديلا عن الانصياع، ليس فقط خوفا من العنف، ولكن لأن هذا النظام يقي من ويلات الفوضى العامة، ويضمن سندا ماديا.

هذه الحالات خطيرة على استقرار الدول، وتشكل الأطروحة المضادة لكل مشروع وطني، أو دولة الحق والقانون. مسلسل الهيبة يعري هذه الحقيقة بحرفية عالية. تختفي الدولة كليا أمام تنامي الخصوصية، لأن غيابها عن الفضاء العام يحيل فكرة وجودها إلى وهم.  ومحاولة استعادة هذه المناطق الضائعة بالمقاربة العسكرية أو العنف فقط تعطي نتائج مؤقتة فقط، كما رأينا في كولومبيا.

تستعيد الدول معناها السياسي والوظيفي لدى الناس حين تحقق بعضا من المساواة المجالية في الأقاليم، وإلا فإن التنظيمات الخارجة عن القانون و الرجعية الماضوية، أو هما معا، من سيملآن الفراغ من بعدها.

للتأمل!

تعليقات الزوّار (0)