فرنسا و«وليدات العنصرية»!

الثلاثاء 16 يوليو 2019
المختار لغزيوي
0 تعليق

AHDATH.INFO

استطاعت فرنسا أن تخلق الفرقة بين حدثين متشابهين في اليوم ذاته: احتفالات الجمهور الجزائري في الشانزيليزيه التي انتهت بمواجهات مع قوات حفظ الأمن، ومظاهرات ما تبقى من السترات الصفراء في المكان ذاته، والتي انتهت أيضا بمواجهات مع رجال الأمن.

بالنسبة للمظاهرات الأولى، التي عرفت تكسير محلات كثيرة وإحراق سيارات عديدة، قالت فرنسا إن الأمر تعبير عن رفض وجودي لفرنسا ذاتها، وإعلان انتماء لبلاد أخرى غير تلك التي تمنح الجزائريين حق العيش والجنسية وكل الامتيازات...

وبالنسبة للمظاهرات الأخرى قالت فرنسا إنها تعبير عن ضيق اجتماعي مفهوم، وحرية تظاهر لا مفر من احترامها!!!

فرنسا، التي تطالب اليوم بإقفال الشانزيليزيه، أجمل شوارع العالم، أيام مباريات المنتخب الجزائري تفاديا للمواجهات، هي فرنسا ذاتها التي تقول إن نظام ماكرون يضيق على حرية التعبير والتظاهر عندما يفكر في القيام بالأمر ذته مع السترات الصفراء، وتنتفض قوة لكي تصرخ ضد هذا الظلم لكن تجد في الوقت ذاته القدرة كلها على أن ترى في المواطنين الفرنسيين ذوي الأصول الجزائرية الذي يحملون أعلام الجزائر، بلادهم الأصل، بعد كل انتصار علامة تمرد على الدولة، ورفض للاندماج مهما مرت السنوات.

هي فرنسا ذاتها، التي كانت فخورة منذ سنتين عندما فازت البرتغال بكأس أوروبا على أرضها وخرج الفرنسيون ذوو الأصول البرتغالية حاملين أعلام بلدهم الأصل لكي يغنوا لكريستيانو والبقية. لم تقل فرنسا يومها إن حمل علم غير علمها خيانة أو تمرد على منطق الدولة أو إعلان رفض للانتماء. قالت إنها النوستالجيا والحنين وكل المشاعر الطيبة التي تنتابك وأنت بعيد عن البلد الذي تحدر منه أجدادك.

ميزان القوى غير المتكافئ هذا، والكيل بالمكاييل المتعددة، وليس بالمكيالين فقط هو الذي يجعل أهلنا من حاملي الجنسية الفرنسية المتحدرين من إفريقيا يقومون بما يقومون به من أعمال مدانة في نهاية المطاف لكنها تظل مفهومة.

لا يعقل أن تعيش في بلد معين أربعة عقود، وأن تولد فيه وألا تتحدث إلا لغته وأن يطالبك ذلك البلد كل يوم بما يثبت أنك منتم إليه. في فرنسا لازال القادمون من وراء البحار وحتى الذين يتحدرون من هؤلاء القادمين وإن ولدوا على أرض فرنسا ملزمين يوميا بإثبات استحقاقهم لحمل الجنسية الفرنسية.

وعندما ترى نجوما كبارا ناجحين في المجتمع الفرنسي مثل بنزيما أو زيدان أو الدبوز ملزمين المرة بعد الأخرى بتذكير الفرنسيين الأصليين أنهم هم أيضا فرنسيون، تفهم المقلب جيدا، وتكاد تستوعب لماذا يخرج كل مرة المهاجرون أو المتحدرون من أصول غير فرنسية إلى الشوارع لإحراق السيارات وتخريب المحلات وتكسير واجهات كل شيء.

تلك النظرة العنصرية القاتلة التي لا تستطيع السيدة الجمهورية التخلص منها، والتي يعرفها كل من عبر يوما هناك، هي المشكل الأساس.

التخريب ليس إلا رد فعل تجاهها. وطبعا نحن لا نبرر التخريب، بل ندينه بكل قوانا ونعتبره عملا غير متحضر. ولقد قالها رياض محرز النجم الجزائري الجميل بعد مباراة النصف مباشرة وهو يتوجه إلى أهله في فرنسا: «احتفلوا أيها الإخوان لكن بكرامة». غير أن هذه الإدانة، والاعتراف بأن التخريب عمل مدان لا يجب أن ينسينا أساس الداء، أي العنصرية الكامنة في دواخل تلك النظرة الضيقة لفرنسا تجاه هؤلاء الذين يبدون لها مهاجرين وإن كانوا أبناء البلد ومن مواليده.

أي نعم، فرنسا تريد أن تنسى ماضيها الاستعماري وتريد المرور إلى التفكير في المستقبل، لكن الأمر فعلا غير هين وغير سهل، لأنه مرتبط بماض أليم جدا.

وعندما يتذكر أولئك المتحدرون من تلك البلدان، التي كانت مستعمرة في وقت سابق، مشهد الأجداد والآباء وهم يأتون إلى فرنسا لبنائها بعد الحرب، يحاولون أن ينسوا أن فرنسا تقول لهم اليوم إنكم غير مرغوب فيكم بعد الانتهاء من خدماتكم، وأن الوضع الاقتصادي صعب، وأن فرص الشغل هي للفرنسيين الأصليين، وأنه من الأفضل العودة إلى الديار التي أتيتم منها ذات يوم.

هم يردون بشكل بسيط على فرنسا ويقولون لها: نحن لم نأت إلى هنا عن طيب خاطر. أتى الأجداد والآباء أول مرة قسرا وولدنا هنا وترعرعنا هنا، وحتى عندما نعود إلى «البلاد» لزيارة ما تبقى من أقارب يقولون لنا إننا مجرد «فاكانس»، لذلك لا مفر من العثور على ميدان توافق بيننا وبينك سيدتي الجمهورية.

لا مفر من الاعتراف بهاته البنوة وإن تمت على فراش غير فراش الزوجية الشرعية. لابد من العثور لأبناء «انعدام الشرعية» هؤلاء الناتجين عن اغتصاب من فرنسا لمستعمراتها السابقة على حل ما، يدخلهم الحالة المدنية بشكل نهائي، ويزيل من أذهانهم كل مرة نظرة والدتهم وهي تقول لهم «آه لو لم أرتكب ذلك الخطأ تلك الليلة لما كنتم هنا».

هذا هو أهم ما في الحكاية، لأن الاستعمار لم يكن، وأبدا لن يكون مجرد تفصيل تاريخي عابر أو هامشا ننساه بمجرد اعتذار صغير نابع عن رئيس الدولة أو عن مؤسسات البلد بأكملها. الاستعمار جرح غائر ناضل الأجداد والآباء لأجل التخلص منه، واليوم هو يقبع في مكان قصي من ذاكرتنا الجماعية نستله في مباراة للكرة أو في أغنية حزينة أو في لحظة تجمع صادقة تذكرنا أننا أتينا من مكان آخر غير ذلك الذي نحيا فيه.

فيما عدا ذلك منتخب الجزائر أهدى جزائريي فرنسا وجزائريي العالم فرصة رائعة للافتخار، تماما مثلما فعل منتخب السنغال. ولكم كنا سعداء ليلة الأحد ونحن نرى أهلنا من المتحدرين من دكار ومن بقية مدن السنغال وهم يستلون الأعلام السنغالية ويطوفون بها شوارع الدارالبيضاء.

لم نر في رفعهم تلك الأعلام إلا كل خير وكل افتخار ببلدانهم الأصلية.

نحن عانينا من العنصرية كثيرا لكي نتعلم الدرس الأول تجاهها: ألا نمارسها على الآخرين، كل الآخرين...

في نهاية النهاية، من قال إن الكرة هي مجرد لعبة؟

ملحوظة على الملحوظة

(دائما لا علاقة لها بماسبق)

تمنينا لو كنا نحن من يحتفل ليلة الأحد بوصول منتخبنا إلى النهاية مثلما فعل أشقاؤنا الجزائريون وأهلنا السنغاليون، لكن إرادة لقجع ورونار وبقية الشلة كانت في اتجاه مغاير تماما.

فرحنا نعم لتأهل الأشقاء بكل صدق، لكننا تألمنا لأننا نعرف أننا أضعنا فرصة التتويج، التي كانت متاحة هاته المرة أكثر من المرات السابقة.

ذلك الشعور الداخلي بالحسرة نكتبه في فاتورة لقجع ورونار والشلة المرافقة، ونعتبر أننا لن ننسى أبدا أن نطالبهم بدفع الحساب تجاه هذا الشعور المرير فعلا...

تعليقات الزوّار (0)