#ملحوظات_لغزيوي: عدنا والعود…أحمد !

الجمعة 6 سبتمبر 2019
بقلم: المختار لغزيوي
0 تعليق

AHDATH.INFO

تنهي العطلة بتثاقلك المعهود. في الذهن تعن لك عشرات المواعد القادمة في الدخول، والمقالات التي ترتب نفسها على عجل بفعل الأحداث، وبقية الأشياء التي تبدو لنا مهمة، وهي في الحقيقة غير ذلك أثناء الإعداد لها، وبعد الانتهاء منها وبعد مرور سنوات عليها نكتشف أنها لم تكن بالأهمية التي تصورناها عليها بادئ الأمر.

يأتيك على حين غرة خبر عجيب يخصك، فيه اتهامات ثقيلة وصبيانية لا تدري أول الأمر حتى كيفية التعامل معها. يخرج لك من أمكنة عديدة أناس يحملون عنك الضربة ويتولون الرد والتضامن الجميل، فتعود إلى تثاقلك الذي تجد فيه كل الراحة، وتتشبث بقضاء اليومين الأخيرين من العطلة بأي ثمن، « حتى ولو عادت هيروشيما إلى تلقي القنبلة النووية الشهيرة »…تقول لنفسك

تزور الزاوية مداغ هناك في الشرق البعيد. اخترت لصيفك هاته السنة خطا سياحيا لا علاقة له بالسنوات السابقة، من الزاوية الدرقاوية أيام العيد الكبير في مكناس إلى زاوية الصغر الأولى ازغنغان قرب الناضور، فالحج الجميل إلى مداغ قرب بركان للسلام على صديق طفولة عزيز اختار أن يمضي الوقت بطوله في ذلك المكان…

لا إشكال في الانتقال من جو الزاوية الرائع والروحاني، إلى جو الصخب في الفندق السياحي في السعيدية وجو الرقص والغناء والسهر حتى الساعات الأولى من الصباح.

المغاربة عادة قوم يتآلفون مع لا تآلف بينه، ولا يجدون أى إشكال في عيش حياتهم ملء النبض كله، ثم الاهتمام بدواخلهم والروحانيات…

المغاربة الذين نعرفهم  وتربينا وسطهم، ونشأنا على أيديهم علمونا هذا الأمر جيدا. الآخرون، أولئك الذين يجدون صعوبات الحياة كلها في القدرة على الابتسام لا نعرفهم، ولا نريد أن نتعرف يوما لهم على طريق.

يكفي أن تطالع عن بعد تهجمهم، وعدم قدرتهم على الحياة، لكي تقتنع أن أفضل ماقد يقع لك في هاته الدنيا الفانية هو ألا تلتقي بهم أبدا…

هذه السنة أخلفت الموعد مع الشمال، ومع أصيلة بالتحديد. الفيسبوك طرد نصف المغاربة من المناطق الشمالية. عبارات عنصرية نحو أناس الداخل، ونشرات تحذيرية تنصح بعدم القدوم، جعلتنا نغير الوجهة بشكل كامل. لم أفهم سر تلك المنشورات التحذيري. عادة أهلنا في الشمال يعيشون مع أهل الداخل بشكل جيد في الصيف و « الحركة كتكون مضخمة آلعايل »،لذلكبداالأمرغريبابعضالشيء…

لا بأس، هذه اختيارات لا نقاش حولها، وأهم منها أنني عدت إلى السعيدية بعد ثمانية وثلاثين سنة من الغياب. كان أول مخيم لي مع الكشفية الحسنية بها بداية الثمانينيات. أرسلنا الوالدان إلى هناك ونحن في بداية العمر لكي نتعلم الاعتماد على النفس، ولكي نتعرف على الناس، ولكي نعرف أن ماسيأتي من أيام لن يكون سهلا، وحسنا فعلا.

تلك الأيام الخوالي لازالت عالقة بالذاكرة، ولعلها كانت سببا رئيسيا في اختيار الوجهة هاته السنة. تغيرت السعيدية عن المكان الصغير الذي كان، وأصبحت منتجعا سياحيا يمكن إذا بقيت حبيس فنادقه ومركباته ألا تعرف إلا القليل عن الحياة الحقيقية. سوى أنني لست من النوع، وهوسي بالالتقاء مع الناس الحقيقيين هوس كبير.

ققصدت في اليوم الثاني للمقام السوق المركزي وأفطرت بشواية السردين وصحن اللوبية الشهير، وتحادثت طويلا مع ناس المكان عن كل شيء وعن اللاشيء، واستعدنا مع لثغة الشرق المحببة، ومع « الواه » الشهيرة التي تسمعها في كل مكان غير قليل من الذكريات…

قصدنا الحدود الجزائرية المغربية طبعا. لمحنا غير بعيد عنا إلا بأمتار قليلة أراضي أخرى يقال إنها أجنبية. ومررنا قرب الأسلاك الحديدية التي تحاول غير ناجحة أن تلعب دور الحدود، ودور الجدار العازل، ودور المفرق بين شعبين هما شعب واحد في نهاية المطاف مهما تجبرت علينا السياسة ومهما عربدت…

الناس خلال كأس إفريقيا قالتها بالصوت الواحد، والصغير قالها لي بصوت أفضل وهو يستغرب كيف أن هذا الشبر من هذا التراب يسمى المغرب وأن الشبر المقابل له غير بعيد عنه يسمى الجزائر. قال لي « كي دارو فرقوهم؟ »

لا أحد يمتلك الجواب، وحتى تلك المسكوكات التي لقنوننا إياها في الصغر دون أن نفهم معانيها عن الاستعمار وسايكس بيكو وإيكس ليبان  وتقسيم الأمة الماجدة ذات الرسالة الخالدة ومالاندريه من كلمات لا تبدو قادرة على الشرح الأمين…

تلمح طائرا صغيرا يعبر بحرية الأسلاك. لا يعرفها ولا يريد أن يعرفها، ولن يشغل باله يوما بأن يفهم معانيها، ولن يعطيها الحق في أن تحرمه من البحث عن رزقه هنا وهناك.

نمتشق حسام الطريق نحو وجدة. أصر على المرور قرب مركز الشرطة الذي استنطقتني فيه السلطات يوما حول قضية النهاري حين قلت في تلفزيون عربي « إنني أحترم حرية الجميع في أن يفعل بنفسه مايريد »، فقال لي الرجل الذي يتحدر للأسف الشديد من تلك المدينة التي أحبها كثيرا، إنني « ديوث وجب قتلي ». ابتسمت وأنا أتذكر رحلتي رفقة الزميل الوراق إلى ذلك المكان، وابتسمت أكثر وأنا أتذكر ذلك الضجيج الجاهل الذي رافق كل تلك القصة، والتي انتهت هي الأخرى إلى الهباء مثل بقية قصص الضجيج الجاهل أكاد أقول.

عدت إلى البيضاء، وجدت قصة تشبه تلك القصة بشكل أو بآخر، تهم الحريات الفردية دائما، لكن مع اختلاف وضعيات الشخوص هاته المرة. ابتسمت مرة إضافية لمكر الصدف، وسألت الأصدقاء في العمل بعد المرور من ولاية الأمن للحديث عن المقلب السخيف الذي أنهى عطلتي « موجدين شي حاجة استثنائية للدخول الجديد؟ »

ابتسموا، وهم يعرفون أن جراب الحاوي في دنيانا مليء وأن هاته الحياة ستعطينا المزيد من المفاجآت والمقالب كل يوم. هذا هو حالها وتلك سنة الله في خلقه، والفقير إلى الله العارف به، صديق الطفولة قالها لي في مداغ تلك الظهيرة الدافئة، وهو يوصينا بنسيان التفاهات والعبور قربها، والاهتمام بالمهم فقط، معرفة النفس فهي المعركة الأشق والأكثر قدرة على الإلهاء. قالها وتركها ترن في الذهن  " من عرف نفسه عرف ربه »، شارحا إياها بالقول من عرف نفسه فقيرًا عرف ربه غنيًا، ومن عرف نفسه ناقصًا عرف ربه بكل كمال، وإذا لم تعرف نفسك التى بين جنبيك فأنى لك أن يصل فهمك لمعرفة ربك الذي خلقها، وحقيقة أسمائه وصفاته.

انتهت العطلة، وابتدأ تيه الاشتغال، أو لنقلها بالصيغة المبتذلة ولننه الكلام: عدنا والعود…أحمد !

تعليقات الزوّار (0)