قليل شفقة، وكثير كلام: ‫(‬إن كنت ناسي أفكرك !)

الأربعاء 11 شتنبر 2019
بقلم: المختار لغزيوي
0 تعليق

AHDATH.INFO

هل من حاجة للرد على ماكتبه « زملاؤنا » في « أخبار اليوم المغربية » تحت عنوان « أكاذيب الأحداث » في عددهم الصادر يوم الثلاثاء؟
لا أعتقد ذلك، بل أجزم بأن الأمر غير ضروري نهائيا، ويستحسن تجنبه بشكل كامل، خصوصا وأن من كتب ماكتبه في صدر الصفحة الأولى للجريدة « الزميلة » تحدث عن أجناس الصحافة، وعن احترامها والتميز فيها وما إليه قبل أن يرصع مقاله بعبارة « ألا لعنة الله على الكاذبين الحقيقيين »، وهذه العبارة الأخيرة دعاء شر لم تهتد بعد الصحافة في قديمها وحديثها إلى أنه مندرج ضمن رد إعلامي على إعلامي مهما بالغنا في التفاؤل.
أفضل من الرد على « الزملاء » وهم في حالة الحيص - بيص التي يمرون منها هاته الأيام، و »الله يحسن العوان » على كل حال لأن الأمر غير سهل بالمرة، هو التساؤل عن مدى قدرتنا على الاستفادة من الحادث الأليم الذي وقع لكي نخرج بأفكار ذكية بعض الشيء تعفينا من الإنصات باستمرار إلى أصوات الغباء التي تنبت لنا في مثيل هاته المناسبات، والتي تجرنا إلى نقاشات عقيمة ومبكية /مضحكة مثل هاته التي نحن فيها اليوم
وأتخيل أن هناك صوتا أو صوتين داخل المنظومة إياها التي تتحكم في « الزميلة » خلال فترة اعتقال مديرها، يمكن أن يتوفر لهما بعض الرشد وبعض العقل للاقتناع بأن هذا المسار الذي يتنطع بعض الراكبين على الموجة في الذهاب فيه هو مسار في ختامه كثير من الدمار.
أيضا أتخيل أن العقل السوي والسليم سيعود في لحظة من اللحظات إلى من يتحكم في المنظومة إياها، لكي يقتنع أن الرهان على « رضى » العدالة والتنمية أو على سليم وسليم « زعما سليمان » لن يكون في مصلحة الجريدة إياها ولا في مصلحة منتسبيها، وأن هناك صحافيين مهنيين حقيقيين، يمكنهم أن يقودوا الجريدة بعقل ودون نزق إلى بر الأمان.
أتخيل أيضا أن ماوقع لايمكنه أن يفرح أي إنسان سوي لديه عائلة سوية، ويعيش بشكل سوي على هاته الأرض. لذلك أضم صوتي إلى أصوات من يطالبون باحترام سمعة السيدة التي اعتقلت، واحترام سمعة السيد السوداني الذي اعتقل رفقتها، وأيضا توقير الطبيب وتقني التخدير والممرضتين وإعطاء الجميع الحق في قرينة البراءة إلى أن يظهر الحق الذي لا حق بعده
وطبعا أرفع الصوت عاليا لكي أذكر - في إطار عناد أهل تافيلالت المولودين في مكناس الشهير - بمطلب قديم سبق لي وصغته بشكل جد محترم في قناة عربية وأنا أقول بأنني « أحترم حرية الجميع في أن يفعل بنفسه مايريد إذا كان راشدا عاقلا ملقحا ». ويومها قال لي بعض المحسوبين على التيار « الحر » الجديد إياها ألفاظا لا يليق بمن كان مؤدبا وخضع لتربية سوية أن يقولها، ولقد صبرت على الكلام السيء حينها طويلا، وابتسمت بألم وأنا أقول إنها الضريبة، وانتظرت أن تلف الأيام وأن تدور دورتها العجيبة لأنني أعرف أن سنة الله في خلقه هي جعل الأيام تدور
وهاهي قد دارت، وهاهي عادت لكي تؤكد لنا ماقاله الرجل العظيم غاليلي للأغبياء ذات يوم وهم يسوقونه إلى مقصلة الإعدام « ومع ذلك فهي تدور »، وهانحن نرى من يشغل منصب رئيس مايسمى « الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين » صامتا يكاد يطالب برفع التجريم عن الإجهاض إن لم يكن قد فعل ذلك أصلا، وهانحن نسمع أصواتا كانت تسبنا لأننا ننصت للموسيقى وهي تقول لنا « احترموا حرية الجسد أيها المكبوتون »، وهانحن نستمتع بدورة الزمن الرائعة هاته ونحن نغني مثلما طلب مني صديق أن أكتبها الرائعة الشهيرة « إن كنت ناسي أفكرك ».
لانستمتع بمصاب الناس‪.‬ بالعكس، نعرف وقعه وحجمه ونتمنى حسن الختام والستر الأبدي. لكننا لا نستطيع أن نقاطع لذتنا، ونحن نشاهد بأعيننا ونسمع بآذاننا من وصفونا بعديمي الأخلاق والديوثيين وبمن لاغيرة لهم وبقية الألفاظ الساقطة، وهم يتحولون إلى متحررين أكثر من العادة والقاعدة يرددون مع شباب ماي 68 العبارة الشهيرة « ممنوع أن تمنع il est interdit d‪’‬interdire » التي صنعت لب تحرر الناس آنذاك‪،‬ وإيمانهم بأن من لا يملك حق التصرف بحرية في عضو صغير ـ أو كبير الله أعلم - من جسده، لا يستطيع أن يتصرف بحرية في أي شيء مهما بالغ في استعمال الكلمات الكبيرة والشعارات الطنانة التي تخفي عديد الأشياء …
اليوم الرهان على أكثرنا ذكاء وعقلا أن يجدوا لنا فيما وقع وسيلة استفادة ما لكي يخرج المجتمع منتصرا، لكي تخرج المرأة منتصرة، لكي يفهم الفضوليون وقليلو الحياء وعديموه أنهم لايحق لهم مهما كانت مبرراتهم الكاذبة أن يحشروا الأنف بين سيدة وسيد أو بين سيدة وسيدة أو بين سيد وسيد أو بين مجموعة من الأشخاص تجمعهم ببعضهم البعض علاقات عاطفية أو شخصية أو جنسية لا تعني أحدا سواهم.
هي فرصة رائعة لتربية جزء من المجتمع لم يترب على احترام الآخر، وألف أن يتدخل فيما لايعنيه، وأصبح يعتقد أن دخوله الجنة مرتبط بقدرته على حشر أنفه في أشياء لا تخصه.
نعم، يجب أن نقولها بكل هاته الصراحة الجارحة، لكن الحقيقية: أحيانا، بل في الغالب الأعم، نتعلم الدروس الحقيقية التي تنفعنا فعلا بطرق مؤلمة، وهاهي طريقة مؤلمة جديدة تهدينا أنفسها، فهل نحن متعلمون؟

تعليقات الزوّار (0)