#ملحوظات_لغزيوي: الحريات الفردية ووهم يسمى « النخبة » !

الإثنين 16 سبتمبر 2019
بقلم: المختار لغزيوي
0 تعليق

AHDATH.INFO

لا أحب كثيرا اللعب بالكلمات، والتفذلك بالعبارات لعدم قول المراد قوله مباشرة ودون أي لف أو دوران، لذلك لا مفر مجددا من الذهاب في قضية الحريات الفردية المطروحة اليوم أمام المجتمع المغربي إلى السؤال المباشر: هل أنت مع تعديل هاته القوانين التي تعرقل حرية الفرد؟ أم أنك مع بقائها واستثناء البعض من أن تكون مسلطة عليه لأنه يمتهن مهنا تسمح له بذلك أو لأنه يمتلك إسما عائليا يضمن له بعض التضامن في نهاية المطاف؟

السؤال مزعج، أعرف ذلك، لكنه سؤال اليوم المطروح، والذين يذهبون إلى الوقفات الاحتجاجية بكل قوة، وهم يرفعون شعارات يعرفون أنهم غير قادرين على الدفاع عنها في وجه تيار واسع من المجتمع يكذبون علينا أولا، ثم يكذبون على أنفسهم ثانيا، وهم يمتشقون حسام المعركة الخطأ، إما تضليلا لنا جميعا، وإما رفعا للعتب عن أنفسهم كي يظهروا أنهم « دارو الصواب »، ولم ينخرطوا هم أيضا في الجوقة إياها التي يقولون إنها تهاجم الشابة القابعة وراء القضبان اليوم…

أكاد أجزم هنا أن أكثر المتضامنين حقا لا شعارا، وفعلا لا نفاقا مع هاجر، هم من حملوا شعار الحريات الفردية في المغرب منذ الزمن البعيد. أكاد أجزم اليوم، مثلما جزمت في قضايا عديدة طرح فيها موضوع الحريات الفردية هذا فقط عندما مس قيادات من الحزب الديني/السياسي إياه إن الصادقين في رفع الشعار منذ البدء سيظلون صادقين في الدفاع عنه حتى الرمق الأخير، وأن الآخرين الذين يرفعون الشعارات فقط عندما يكونون في المأزق أو في « الكورنر » لن يصلحوا لنا لشيء أبدا لا في مسألة الحريات الفردية ولا في مسألة الحريات الجماعية ولا في أي مسألة لها علاقة بالحرية في هذا البلد..

ومنذ وقت طويل كونت قناعة مؤلمة ومزعجة، لكنني أزداد إيمانا بها يوما بعد الآخر تخص « النخبة »، أو هاته الفئة الناجية التي تتخيل نفسها نخبة وتطلق على نفسها وصف النخبة سواء كانت تعيش معنا هنا في المغرب، أو كانت موزعة في أرجاء الكون الفسيح .

هاته القناعة هي أن هاته النخبة في مجملها، مع الاستثناء النادر الشاذ القليل شبه المنعدم، لا ترى خيرا في البلد وفي قوانين البلد وفي كل المتغيرات التي تمس البلد، إلا إذا كانت منتفعة من هذه القوانين وهاته المتغيرات…

بالمقابل نفس النخبة، ومباشرة بعد تضررها إن قليلا أو كثيرا من شيء ما يصبح البلد بالنسبة لها جحيما لا يطاق وأرضا لا نعرف إلى أين هي سائرة، وتقلب علينا مواجع خيبات الأمل الكثيرة، وتخبرنا أن اليأس استوطن الوجدان منا وتعطينا خيارا واحدا من إثنين: إما أن ننتحر شنقا أو أن ننتحر بازدراد سم الفئران..

هاته المسألة تكررت مرارا وتكرارا منذ الاستقلال إلى الآن: أناس يكونون في مواقع المسؤولية، أو يكونون مقربين من مواقع المسؤولية يدبجون لنا الأشعار والملاحم وقصائد التفاؤل المفرطة في كل شيء. وفجأة، ودون سابق إنذار وإشعار، وبمجرد أن يغادروا جنان الاقتراب من المسؤولين والمسؤولية يستلون من جرير ومن الفرزدق كل قصائد الهجاء التي نظماها ويشرعون في اللطم في الجنازة الوهمية التي يتخيلونها للبلد..

لذلك ظللت على الاعتقاد الجازم إياه دوما وأبدا أن أكثرنا صدقا هم المعتدلون: الناس الذي لا يكذبون علينا ولا يقولون لنا إننا نعيش في الجنة وأننا مع السويد الأفضل في كل شيء، والناس الذين لا يريدون إصابتنا قسرا بالاكتئاب ولا يقولون لنا إننا نعيش في الجحيم، وأنه من الممكن في الساعات القليلة المقبلة أن تعلن الأمم المتحدة الحظر علينا لكي يجدوا هم شيئا يقولون لمن يريد سماع ترهاتهم…

المغرب بلد بظروف صعبة للغاية يسير فوق ألف حبل وحبل، وهاته النخبة التي لم ترد يوما من الأيام أن تضع يدها في العصيدة، والتي تكتفي بتقطار الشمع وهي تضع الكفين معا في الحناء وفي الماء البارد في الوقت ذاته ملزمة بأن تعطي للشعب دليلا واحدا على أنها نخبة بالفعل، وهذا الدليل هو أن تخرج إلى الناس، أن تتحادث مع الناس، أن تحاور الناس، أن تعيش حياة الناس، أن تختلط مع الناس في الأسواق، أن تعرف تعليم الناس، أن تعايش صحة الناس، وأن تطلع على عدالة الناس، وأن تصرف مثلما يصرف الناس، وأن تتنفس مثلما يتنفس الناس، وبعد ذلك يمكنها أن تقترح علينا كل أنواع الحلول التي تتخيلها قمينة بإخراجنا من المأزق الحقيقي أو المتخيل الذي تتحدث عنه باستمرار

حينها يمكنها أن تكتب مقالها بالفرنسية أو العربية أو بأي لغة لا تخطئ فيها لكي تعطينا الدروس، ولكي تخبرنا ونحن لها ممتنون أنها تضيع من وقتها الثمين علينا بعض الساعات لكي تقترح علينا حلولا « الله يجازيها بخير ».

هاته الفقاعة التي لا نرى لها أثرا، وهذا الوهم المسمى « النخبة » عليه أن يثبت فعلا أنه نخبة، لأن مانراه، وما نطالعه، ومانتابعه وما نعيشه أساسا يثبت لنا أن الشعب، الناس، « بنادم » اليوم هو النخبة وأن هؤلاء المتحدثين باسمه مجرد متحدثين لا أقل ولا أكثر…

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم قبلا وبعدا وفي منتصف كل الأشياء…

تعليقات الزوّار (0)

أحداث سياسية