#ملحوظات_لغزيوي: جنازة مهنة: اللهم يالطيف !!

الثلاثاء 24 سبتمبر 2019
بقلم: المختار لغزيوي
0 تعليق

AHDATH.INFO

موت الإعلام بالنسبة لكاتب هذه الأسطر ليس هو أن يتحول المسكين إكشوان إلى صحافي في المغرب يعطى له الميكرفون، ولا هو أن نتسول نحن في وسائل الإعلام الإشهارات اليوم لكي نبقى علي قيد الحياة المهنية، ولا هو أن يختلط حابل المهنة بنابلها وتعيش الحيص - بيص الذي تعيشه هاته الأثناء، حتى لم يعد لها رأس ولا قدم ولا جسم ولا أي أعضاء…

كل هذا مقدور عليه، ويمكن تحمله ، واعتباره من نوائب الدهر وصروفه، تلك التي تمس الإنسان لكي يعرف أنه إذا ما سره زمن ستسوؤه أزمان، وهذه سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا

بالنسبة لي هاته الأيام موت الإعلام هو النقار المتبادل بين الجزيرة والقنوات التي تهاجم السيسي، وبين إم بي سي مصر والقنوات المصرية التي تدافع عن نفس السيسي.

عندما يخذلك عقلك في لحظات معينة، وتقرر أن تسلم قياد الاستماع أو المشاهدة أو الانتباه أو التملي بطلعة مايقع على القناة القطرية الخاصة من نوعها وبقية الحشد الإخواني المندرج ضمن الإعلام الحربي المؤتمر بأوامر الدوحة، أو عندما تهون بك قواك، وتنهار قدرتك على المقاومة العاقلة فتتجه نحو إم بي سي المحروسة والقنوات التي تدفع لها السعودية أو الإمارات، ستحس بمزيد من الهوان إذا كنت ذا عقل سليم

كيف يمكن أن نسمي هذا الذي نطالعه على هاته القنوات بالتحديد؟

لا هو إعلام، ولا هو صحافة ولا هو تحليل سياسي، ولا هو مديح مقبول لقائد دولة وفق إنجازات فعلية حقققها، ولا هو بالمقابل ذم مقبول لنفس رئيس الدولة بسبب أشياء فشل فيها ولم يتوفق فيها كثيرا.

نقار، سباب ، « معيار ديال الحمامات ». أناس أعطاهم الله مالا وفيرا فأنفقوه لاقتناء صحافيين من كل جنسيات الأرض ،يدافعون عن أطروحات هم أول من يقولون إنهم غير مؤمنين بها ،لكنها تجلب كثيرا من المال للمدافع عنها وإن نفاقا أورياءا أو تطفلا أو ماشئتم من هاته العبارات.

ثم نأتي للأهم الذي يجعلنا نسمي الحكاية موت الإعلام، نأتي للسيد المتلقي الكريم، لحضرة المشاهد الفاضل، للممسك بين يديه الريموت كونترول يتجول بها بين هذا القطر وقنوات وبين القطر الآخر وقنواته الأخرى: كيف سيكون عقل وتفكير هاته الأجيال التي تنشأ اليوم على هذا المصاب اإعلامي الجلل؟

أطرح السؤال لأنني من الجيل الذي تربى على قراءة عدد كبير من الجرائد والمجلات والكتب، وعلى متابعة القنوات الإذاعية الرصينة يوم كانت الرصانة تعني شيئا، وعلى احترام الأقلام الصحافية الكبرى تلك التي كنت تحتار إن كانت تكتب مقالات عابرة أم أطروحات فكرية عميقة في مقالاتها، ومع ذلك أنظروا إلى حالتي وحالة الجيل المرافق لي، وكيف أصبحنا وماهو المنتوج الذي نقدمه للناس، وكيف ندخل في نقاشات نحن أول من يخجل منها في نهاية المطاف

لذلك لا مفر من طرح السؤال: كيف سيكون حال الأجيال القادمة، وهي تتربى إعلاميا على يد إكشوان وسباب القنوات المصرية وقناة « الجزيرة » الباسلة وبقية الترهات؟

لاأدري ولا أريد أن أدري، لكنني أريد أن أستل من رسالة استقالة أستاذنا وزميلنا نور الدين مفتاح من المكتب التنفيذي للفدرالية المغربية لناشري الصحف (وهي الاستقالة التي يتمنى كل أعضاء الفدرالية أن يعود عنها زميلنا) عبارة لفتت انتباهي وأعتقد أنها يمكن أن تصلح لنا اليوم حصنا حصينا وحجابا نردده ونحمله معنا أينما ذهبنا بهاته المهنة السائرة نحو الانقراض إن لم تكن قد انقرضت أصلا وتركت لنا وهم بقائها إلى حد الآن

يقول زميلنا مفتاح بعد تقديم دواعي استقالته المؤسفة « داعيا الله أن يلطف بنا جميعا ويلهمنا الرشد وسداد الرأي ».

هذا اللطيف الذي كان يخرجه المغاربة حين المصائب الشديدة، ويدخلون به إلى الجوامع العتيقة يلتمسون فيه العثور على الحل، هو ماتبقى لنا فعلا. فأنا أعترف أنني لم أعد قادرا على مناقشة الإكشوانيين في « تإكشوانييت ديالهم »، ولم أعد راغبا في الصراع مع مناضلي الساعة الخامسة والعشرين من سكان بلاتوهات القنوات الأجنبية الذين يعرفون أن كل كلمة سيئة يقولونها عن المغرب تجلب لهم مزيدا من النفع والاستفادة، ولم أعد مستمتعا بالسخرية من « الصحافيين /المعارضين » وهذه التسمية لوحدها كفيلة - لو كان لدينا عقل سليم - بأن تقنعنا بأننا « غير داويين وصافي ».

لذلك لنردد اللطيف، فأهلنا القدامى كانوا يجدون فيه الدواء وأكيد لن نصل إلى حنكة أهل ذلك الزمان وخبرتهم في الأيام، تلك التي تجعلهم يتوقعون الفرج قادما بكل تأكيد عندما تشتد الأزمة وتغلق كل الأبواب..

اشتدي أزمة تنفرجي…هكذا رددناها منذ عرفنا الحياة، وهكذا سنقولها في انتظار ما قد يأتي وماقد لن نراه أبدا….

تعليقات الزوّار (0)