جاك شيراك.. 1932 - 2019 : مسار رجل سياسة ارتقى فوق عقد التصنيفات

الأحد 29 سبتمبر 2019
سعيد نافع
0 تعليق

AHDATH.INFO

 

نزل الخبر في حدود منتصف نهار أول أمس الخميس، وتناقلته وسائل الإعلام الفرنسية عن وكالة الأنباء الفرنسية أولا التي نقلت بدورها الخبر من عائلته المقربة. بعد دقائق كانت كبريات التلفزيونات العالمية والعربية، تعيد الخبر : مات جاك شيراك الرئيس الفرنسي الأسبق. لم يكن الخبر في حد ذاته مفاجئا، فقد عانى الرجل طويلا من تداعيات أمراض عدة، وكانت نهايته وشيكة منذ أشهر، لكن في فقدان شيراك، نهاية مرحلة من تاريج رجالات سياسة بكاريزما خاصة.

شيراك صديق المغرب الدائم، كان مواكبا لأهم الأحداث التي عرفتها المملكة منذ الاستقلال. علاقته الخاصة بالملك الراحل الحسن الثاني، والملك محمد السادس، وعدد من رموز الفكر والثقافة والسياسة في المغرب، جعلته مواكبا لمواقف المغرب في قضاياه المختلفة دون شرط أو مساومة. شيراك الروداني أيضا، أعجب بالمكان منذ اكتشاف، وكان يراه فيه استعادة لمسقط رأسه ومسرح أهم الأحداث في بداية حياته السياسية والحزبية : منطقة ‘‘لاكوريز‘‘ التي ينحدر منها.

الأحداث المغربية ترصد أهم لحظات بروز وأفول سياسي كسر القوانين وخرج عن المعتاد و‘‘المستقيم سياسيا‘‘، وحرك المشهد السياسي من مواقع مختلفة منذ اضطرابات ثورة ماي 1968 إلى أن غادر الإليزي لآخر مرة في ماي 2007.

2 شتنبر 2005 : بداية النهاية

كانت أجندة الرئيس الفرنسي جاك شيراك في ذلك اليوم حافلة باللقاءات كالعادة. في الساعة الأولى كان عليه أن يلتقي العائلة الأميرية لموناكو كما يفرض التقليد الرسمي. وصل شيراك إلى القاعة التي تحتضن الحفل وسط قصر الإليزي وتقدم للسلام على الحاضرين. سار كل شئ عاديا، إلى أن شرع الرئيس في قراءة الخطاب المعد سلفا للمناسبة. بعد دقائق، لاحظ الجميع أن الرئيس لم يعد يقرأ في الورقة أمامه ويجد صعوبة في إيجاد الكلمات ارتجالا. يتمالك وينهي الحفل بابتسامة عريضة. من إن يغادر حتى يتصل بزوجته بيرناديت التي طالبته بالانتقال فورا إلى المستشفى. كذلك كان. لم تتأخر نتائج الفحوصات في الوصول. تفادى جاك شيراك شللا نصفيا كاملا بأعجوبة. لقد أصيب بجلطة دماغية صغيرة.. لكن مؤثرة.

كل من يعرف الرجل أو من تشاركوا محيطه، أكدوا أن شيراك أصبح شخصا آخر منذ ذلك اليوم. أصبح مصرا على أساسيات الحياة الإنسانية وشرع في التخلص من مسؤوليات الدولة والحزب. اقتنع جاك شيراك بأن الحياة ربما.. لا تستحق كل هذا العناء.

‘‘كي برانلي‘‘.. الإنسان قبل السياسة

بعد استعادة العافية.. كان متحف ‘‘كي برانلي‘‘ الإثني والثقافي أول مكان يتردد عليه جاك شيراك. الأمر كان بمثابة الرسالة التي تعبر عن فلسفة الرجل الأولى : المعرفة والانفتاح. يقول المقربون، وفي مقدمتهم زوجته بيرناديت شيراك، أن الانفتاح علمه التنسيب في المقارنة بين الثقافات والأديان والحضارات، فلم يقل يوما أن الغرب يمتلك الحقيقة، وأن الآخرين عليهم اتباع النموذج الغربي. تقول بيرناديت ‘‘لقد كان يفاجئني كثيرا.. فقد كان يحتفظ بمخطوطات تلخص الحضارات والثقافات المختلفة للشعوب الأصلية والأقليات.. ويعود لقرائتها باستمرار كمن يستذكر درسا من دروس الحياة‘‘.

حبه للإنسان بكل تنوعاته ترجمة لشغفه الكبير بالحياة. كان عاشقا للأكل، ويفضل جعة بعينها، لا يخفيها عن أعين الصحافيين أو المصورين كلما جلس في مائدة في مطعم مع الناس. كان الضيف والنجم الأول لمعرض الفلاحة السنوي، حيث لا يتردد في الاحتكاك بالناس، مبديا إعجابه العلني للفلاحة والفلاحين.

من ساركوزي إلى هولاند ومن بلادور إلى جوبي.. كل الرجال الذي عرفوا الرجل وصفوا في بلاتوهات الأخبار ليلة أول أمس، كيف كان شيراك مهتما بالإنسان فقط في مخاطبه، وكيف كان يعامل الملك والرئيس والنائب البرلماني والعامل والفلاح والعاطل تماما بنفس الطريقة.

 

بيرناديت.. الرفيقة

بجسمه الرياضي ووسامته الخارقة، كان الشاب جاك شيراك محط أنظار شابات تلك الفترة في الجامعة الباريسية. ولأنه كان متأكدا من قدراته الذاتية والطبيعية، فقد استغل شيراك الطالب هذه المقومات في نسج علاقات متعددة ومفتوحة. بعد الفترة الثانوية انتقل جاك شيراك إلى الجامعة وتخصص في العلوم السياسية. أقام مجموعة عمل بين الطلبة انضم إليها المتميزون والمتميزات، وكانت بينهم شابة تنحدر من وسط راقي، تدعى برناديت كونسيل. كانت الشابة تراقب هذا الفتى اللامع الذي تلهث ورائه الجميلات.

انجذب شيراك لبيرناديت وألحقها بمجموعة العمل الطلابية، لتتولد حينها علاقة حب ستتوج بالزواج في 15 شتنبر 1956. احترزت عائلة بيرناديت من هذا الدخيل ابن البادية الفرنسية العميقة، لكن إيمان الشابة بشيراك جعلها تتحاوز كل شيء في سبيل هذا الحب، بل وظلت مؤمنة بأن هذا الرجل هو قدرها حتى بعدما غادر إلى أمريكا، وأقام علاقة مع شابة أمريكية كادت أن تنتهي بالزواج والاستقرار في نيويورك.‪

 

في مكتب بومبيدو .. ولادة «البلدوزر»

اكتشف بومبيدو القوة السياسية والتنظيمية التي يتمتع بها شيراك عندما كان مستشارا جماعيا لمنطقة الكوريز ثم رئيسا لمجلسها البلدي في العام 1967. أسماه بومبيدو «البلدوزر» لأنه فهم أن شيراك لا يعيقه شيء أمام تحقيق الأهداف التي يضعها نصب عينيه، انطلاقا من مبادئه الخاصة. بعد العودة من حرب الجزائر، ودخول المعترك السياسي، قرر بومبيدو ضم شيراك إلى فريقه المقرب كمستشار في مرحلة، ثم كوزير مكلف بالعلاقات مع البرلمان فيما بعد. وهو المنصب الذي استغله شيراك بذكاء لتعزيز تواجده في صفوف اليمين الدوغولي الفرنسي.

اعتبر شيراك بومبيدو معلمه الخاص وكان على علاقة متميزة معه. أثناء تأبين بومبيدو كان شيراك الوحيد الذي ظل صامتا يمسح دموعه بين الفينة والأخرى. فقد كان يدرك أنه برحيل الرئيس الفرنسي الأسبق، سيفقد الكثير من السند. في ساعات ثورة ماي 1968 العصيبة، كان شيراك الوحيد ضمن الطبقة السياسية الذي تحرك لكي لا تخرج الأوضاع عن التحكم. نزل إلى الشارع وفاوض قادة النقابات.. وستتذكر فرنسا طويلا للرجل دوره الكبير في عودة البلاد إلى الهدوء.

 

الوزير الأول.. ولادة ‘‘الشيراكية‘‘

بحكم علاقات الكبيرة والمتشعبة في البرلمان الفرنسي ثم من خلال منصبه كعمدة لباريس، تمكن شيراك في من لعب دور حاسم في فوز فاليري جيسكار ديستانغ بالاقتراع الرئاسي للعام 1974 بعد أن نجح بالإطاحة بالمرشح الأبرز للتيار اليميني نفسه جاك شابان ديلماس. بعد تولية الرئيس الجديد كان لا بد لشيراك أن يحصل على المنصب الذي يليق به : الوزير الأول. في تلك الفترة فهمت الطبقة السياسية أن تلميذ بومبيدو أصبح طيرا سياسيا كاسرا.

باب الماتينيون يفتح أمام شيراك ولكن ليس لوقت طويل. فبعد سنتين من التعايش الصعب مع رئيس لم يشترك معه في الكثير من الأفكار والمبادئ سوى علاقة خاصة مع الكلاب! كانت القشة التي قسمت ظهر البعير، زيارة للرئيس ووزيره الأول على متن الفرقاطة كليمانصو في المياه الإقليمية الفرنسية. في تصريح لقناة تلفزية، أطلق الرئيس النيران على الطريقة التي كانت تسير بها وزارة الدفاع في عهد بومبيدو. التصريح أغضب شيراك، الذي قدم استقالته من الوزارة الأولى بعد أيام على الحادث.

الحادث شكل منعرجا في الحياة السياسية الفرنسية. سيخرج شيراك من جبة الديغولية القديمة لينشأ حزبا جديدا بنفس يميني دائما: التجمع من أجل الجمهورية. ولدت الشيراكية التي ستحقق فوزا كاسحا في الانتخابات النيابية العام 1978 والتي سيبني عليها جاك شيراك موقفه التاريخي ضد مرشح اليمين في الاقتراع الرئاسي المقبل. دعا شيراك قواعد حزبه للتصويت لمرشح اليسار فرانسوا ميتران في 81 وكانت تلك أولى القيود السياسية التي كسرها، بتداعيات كبيرة كان نتيجتها مجموعة استقالات من قيادات داخل الحزب نفسه.

 

الرئيس.. شيراك

دخل شيراك ماتينيون مرة ثانية كوزير أول في أول حكومة للتعايش شكلت في العام 1986. دام التوافق سنتين كاملتين مع ميتران، قبل أن يقرر شيراك خوض غمار الانتخابات الرئاسية ضد الرئيس. في مناظرة تلفزيونية شهيرة بالمناسبة، خاطب شيراك ميتران قائلا «هنا لست وزيرا أولا أنت رئيس.. هنا نحن مرشحان نضع برامجنا أمام الفرنسيين للحسم فيها». خسر شيراك الانتخابات أمام ميتران، لكن دخول الإليزي كان أمرا مؤجلا فقط.

في انتخابات 1995 فاز شيراك وأصبح رئيسا. وبدا أخيرا أن الوجه السياسي الأبرز في اليمين الفرنسي قد وصل للمنصب الذي يستحقه. لتنطلق بعدها مسيرة بكاريزما خاصة، نجح فيها شيراك في التوفيق بين مبادىء اليمين التي تربى عليها، وتحولات الوضع السياسي في فرنسا وأوروبا والعالم. ظل صديقا للجميع، في أوروبا وافريقيا خصوصا، واحتفظ بعلاقات خاصة مع الخصوم قبل المقربين. خلال فترته الرئاسية، كان شيراك أول رئيس في تاريخ الجمهورية الخامسة يعترف بدور الدولة الفرنسية في ترحيل واعتقال اليهود خلال الحرب العالمية الثانية في ما يعرف بقضية «فال ديف».

 

كاسر العقد والطابوهات

إذا كانت هناك من ميزة تحتفظ بها أدبيات السياسة الفرنسية لجاك شيراك، فهي قدرته الدائمة على الارتقاء فوق التصنيفات السياسية العادية. في كل مرة كانت تتواجه فيها مبادئه مع توجهات الحزب أو اليمين الفرنسي عموما، كان شيراك يتذكر مبادئه أولا، ولعل هذا ما شكل كاريزماه الخاصة.

البداية كانت من إعلان مساندة مرشح اليسار فرانسوا ميتران العام 1981 ضدا عن مرشح حزبه اليميني. القضية صارت زلزالا سياسيا هز فرنسا، وأظهر معدن الرجل. بعد توليه الرئاسة عاد شيراك بفرنسا لزمن التجارب النووية على الرغم من معارضة شديدة، من الخصوم والحزب وباقي المثقفين والفاعلين الاقتصاديين والسياسيين.

سنة 1992 قرر شيراك التصويت لفائدة معاهدة ماستريخت الأوروبية على الرغم من المعارضة الشديدة للتيار اليميني المحافظ في فرنسا، وعلى الرغم من تناقض هذا الإعلان مع تصريحاته السابقة بخصوص أوروبا، حيث كان شيراك «الديغولي» من أشد المعارضين لها. بعدها بخمس سنوات، سيحل شيراك الجمعية العمومية الفرنسية لأول مرة في تاريخ الجمهورية الخامسة، ولثالث مرة في تاريخ فرنسا الديمقراطي ككل.

على الساحة الدولية، سيحتفظ التاريخ لشيراك بموقفين، جمع فيهما استقلالية القرار السيادي لفرنسا بمبادئه الشخصية في دعم الاختلاف والسلم واحترام الحضارات والهم البيئي العالمي. في قمة جوهانسبورغ للمناخ في 2002 قدم شيراك تدخلا أمام الهيئة الأممية مازالت كلماته تتردد إلى اليوم، حين كان أول رؤساء العالم الذين يدقون ناقوس الخطر حول خطر التغيرات المناخية. يومها قال شيراك «بيتنا يحترق.. ولا يمكننا أن نتظاهر بأننا لا نرى ذلك».

وحين كانت أمريكا ومعها الرئيس جورج بوش الابن، يقرعون طبول الحرب في العراق أواخر العام 2002 كان شيراك أول المعارضين لهذا التدخل في بلد ذي سيادة كاملة. المواجهة كلفت شيراك، ووزيره في الخارجية آنذاك دومنيك دوفيلبان، هجوما إعلاميا شرسا، لم يمنع شيراك من التحالف مع روسيا وألمانيا ضد حرب العراق الثانية.

 

تعليقات الزوّار (0)