الاتحاد الاشتراكي: هذا الحزب « المزعج » حقا !

الأربعاء 9 أكتوبر 2019
بقلم: المختار لغزيوي
0 تعليق

AHDATH.INFO

« لايحق لكم أن تكتبوا عن حاجة البلاد إلى حزب مثل « الاتحاد الاشتراكي » يقول الرجل غاضبا.  « وعلاش بالسلامة آولد الحاج؟ » . يقطب الحاجبين ويفتح الفم دهشة ويقول « لأن هذا الحزب مات، وجثته تعفنت، وإكرام الميت دفنه، ولا يجب أن يبقى حتى اليوم الموالي، ولأن هذا الحزب قتل السياسة في المغرب، ولأن هذا الحزب يتحمل كل كوارث الحياة السياسية والحزبية في المغرب وفي شمال إفريقيا وفي منطقتنا العربية ككل، وفي منطقة الساحل أيضا ». تبتسم بشفقة أشد من الرثاء، وتقول له: « هون عليك ياهذا، فنحن مجرد صحافيين يعتقدون - عن حق أو عن خطأ - أن الحاجة لازالت قائمة لحزب يحمل في الشعار ماتبقى من اليسار والقليل من العدالة والاجتماعية والحرية « .

انتفض مجددا بغضبه المعهود، وسأل « ولشكر؟ بالله عليك هل لشكر زعيم حزب سياسي؟ » أجبت « نعم، هو كذلك إلى أن يثبت العكس، والرجل لم يسقط بمظلة من العدم، بل لديه تاريخ طويل وعريض، وطبعا يمكن أن نتفق معه في هاته ونختلف معه في كثير من تلك ولكن هذا لاينفي عنه أن زعيم الحزب الآن سواء أحببته أم كرهته ».

 « والأدوار التي أصبح يقوم بها هذا الحزب؟ » يسأل غاضبا كعادته، « أي أدوار بالتحديد؟ ». « لقد أصبح خادما مطيعا للدولة تأمره فيأتمر والسلام ».

الرد هنا كان ضروري التفصيل بالقول « هل تقصد أنه لا يعارض التوجه الأساسي للدولة المغربية اليوم؟ إذا كان هذا هو القصد فلاحزب يقوم بذلك، أو على الأقل لاأحد يجاهر برغبته أو قدرته أو تفكيره في القيام بهذا الأمر. أما إذا كان القصد هو أن الحزب تخلى عن أحزاب لم تعد تصلح له لمواصلة العمل فهذا اختيار حزبي داخلي يمكنك أن تغيره بالانخراط في هذا الحزب والعمل من داخله على إسقاط لشكر وغير لشكر إسقاطا مدويا، إلى أن تصل إلى قيادته وبعدها تحالف مع من تشاء من حملة الشعارات سواء كانت صادقة أو كاذبة، ثم إنه من الضروري وضع سؤال بسيط للغاية: هذا الحزب فقد كثيرا من بريقه في السنوات الأخيرة، وافترق عنه كثيرون، لكنه لازال سؤالا عصيا في المشهد الحزبي السياسي المغربي، ولازال الناس ينقسمون بشأنه وبشأن الحاجة إليه، وأكاد أقول إن لدى العديدين القناعة الداخلية التي لايريدون الإفصاح عنها أن حل كثير من مشاكل السياسة الحزبية في هذا البلد يأتي عن طريق حل مشاكل هذا الحزب لذلك يرتعبون منه، ولذلك ينالون من رموزه ولذلك يصعب عليهم أن يدير معاركه السياسية والحزبية بالطريقة التي تجعله قادرا على أن يكون دوما في قلبها، وذلك يرفضون له المصالحة التي شرع فيها اليوم لأنهم يحسون بخطورتها عليهم ».

غضب مني الصديق الغاضب دوما وأبدا وقال لي « أنت تردد كلاما تمليه عليك السلطة لذلك لا كلام معك ». ابتسمت برثاء يقارب الشفقة هاته المرة وقلت له « أنا وأنت والقهوة السوداء ثالتنا فمتى أملت علي السلطة مايجب أن أقوله لك الآن ». قال لي « أنت تحفظ دروسك جيدا لذلك لا خوف عليك، وأنا حقيقة أعلنها على رؤوس الأشهاد، لن أعود للتصويت مجددا لأنكم جعلتمونا نكفر بالسياسة في البلد ».

سألته « من سيستفيد بسبب موقفك هذا؟ » أجاب بسرعة « الخوانجية، ولكن اللهم الخوانجية ولا هاد اليساريين اللي باعو الماتش ».

انتهى الكلام بيننا عند هذه النقطة، بل توقفت عجلة الريق عن القدرة على إنتاج المزيد من دفع اللسان إلى الحديث، طالما أنني أعرف صديقي يساريا حتى النخاع، بل هو كان منخرطا في الاتحاد الاشتراكي وأنا لم أكن، وكان صراعنا دوما عن هذا الابتعاد عن الأحزاب وكنت أقول له بأن الصحافي يجب أن يبقى بعيدا عن الكل وقريبا من الجميع والسلام

عندما سمعته يقول « اللهم الخوانجية بحال اللي وقع فتونس ولا هاد اليساريين »، فقدت كل قدرة على العثور على الخيط الناظم بين كل هذا الهراء.

تذكرت من يتحدثون دوما عن يتامى اليسار، هؤلاء الذين فهموا أن الشعب لن يتبعهم يوما فقرروا الارتماء بملابسهم، وأحيانا دون ملابس في أحضان التيار الشعبوي اليوم. يترجون لديه بعض عطف وقليل حنان، تذكرت تلك الصور التي آلمتني - بسبب نوستالجيا غبية اعترتني حين رأيتها - ل « الأستاذ » عبد الصمد بلكبير وهو يقوم بدور « الكيد توريستيك » أو المرشد السياحي في مراكش لابن كيران، وتذكرت ماكنا نقوله أيام الجامعة عن الأستاذ.

تذكرت عددا كبيرا من هؤلاء اليتامى الذين أصبحوا يكتبون في الجرائد القريبة من المد المحافظ، والذين ينتعشون كلما هاتفهم واحد من قيادات هذا المد بمقولات الرضا والثناء على اصطفافهم في المسار المؤدي قدما نحو…اللاشيء

تذكرت أصدقاء عديدين لي طلقوا السياسة، وطلقوا الأحزاب وطلقوا الكلام الجدي، و « قلبوها تفلية » على كل شيء لأنهم فهموا واعتقدوا واقتنعوا أنه « ماكاينش معا من ». تذكرت القابعين اليوم في منازلهم من اليائسين الغاضبين الذين كانوا يشعلون الدنيا كلاما وحماسا وأحلاما في الوقت السابق، والذين استكانوا في هاته اللحظات إلى النوم العميق الذي يقترب من الغيبوبة القاتلة وهم يرفضون التعامل مع الواقع مثلما هو..

تذكرت كل هذا وتذكرت سؤال صديقي الغاضب الأول « هل تعتقد حقا أن إعادة الحياة إلى الاتحاد الاشتراكي ستنفع في شيء؟ »

أجبته واثقا من كلامي هاته المرة « إعادة الحياة أمر بيد الله وحده، وهذا الحزب لو لم يكن لازال على قيد الحياة لما فكر من تفكر فيهم أنت في إعادة هاته الحياة إليه، لأن الموت أمر نهائي، وأنت لوحدك تعترف بها رفقة من يقولون قولك: إعادة الحياة »

قدر بعض الأحزاب هو هذا بالتحديد: أن تكون فاعلة في التاريخ القديم، والأقل قدما، والمعاصر وأن تفرض فعاليتها حتى على الأيام القادمة.

ماكتب بدماء واعتقالات ومنافي وسجون وتضحيات عائلات ونضال حقيقي على أرض الواقع، وليس في صالونات الترفيه التي تدفع أكثر لمن يقول لها مايرضيها لايمكن أن يموت بجرة قلم، أو بقرار في لحظة من اللحظات بالتسريع بتحضير شهادة الوفاة.

لا أيها السادة، الحكاية لم تكن، وليست، ولن تكون أبدا بهذا الشكل. لذلك لننتظر القادمات، فالدرس الأول عند مثيل هاته التنظيمات علمنا أنها قد تمرض لكنها بالتأكيد لا تموت…لأنها قدمت مايكفي من الشهداء، وليس الموتى لكي تضمن البقاء على قيد الحياة إلى آخر أيام الخلود…

تعليقات الزوّار (0)