في الرد على رافضي استقلال النيابة العامة.. القاضي حكيم وردي يكتب: غرور وأوهام

الأحد 27 أكتوبر 2019
بقلم: حكيم وردي (*)
0 تعليق

Ahdath.info

ليس أخطر على دولة القانون من أن يترنح لسان رجل السياسة الخفيف ليرطن بالأراجيف عقب صدور حكم قضائي لا يوافق الهوى الحزبي أو الميل الإيديولوجي، فيجترح كلاما لا يخلو من حماسة ويفتقد للكياسة، ليطعن في اختيار سيادي بمنح النيابة العامة استقلاليتها استجابة لنداءات القوى الحية في منظومة العدالة (أساسا نادي قضاة المغرب وباقي الجمعيات المهنية وجمعية هيئات المحامين بالمغرب...).

فإن صح ما نقله موقع «اليوم 24» بالأمس عن البرلماني خالد البوقرعي من ترديده بمناسبة تجمع حزبي بمولاي يعقوب من أن : «أكبر خطأ ارتكبته حكومة ابن كيران هو إقرار استقلال السلطة القضائية واستقلال النيابة العامة»، فسيكون ذلك حتما أحد مظاهر البؤس والضحالة الفكرية التي ابتلي بها المشهد السياسي في مغربنا الحبيب.

ليس لأن سياسيا متأخرا يدعو إلى فرض الوصاية الحزبية على السلطة القضائية، ولكن وأساسا لجهل مركب بحجم الدور الذي يعتقد أنه قد لعبه في إقرار الاستقلالية.

لمقولة العارف بالله ابن عطاء السكندري دلالة بليغة في توصيف الأزمة: كفى بك جهلا أن تحسن الظن بنفسك.

فالتاريخ القريب يشهد على حجم المقاومة التي أبداها المركب المصالحي في الحزب والجريدة لتحريف النقاش الرصين حول الأجرأة الدستورية لاستقلالية النيابة العامة بإخراجها من جبة رجل السياسة، كما تحتفظ الذاكرة بالافتتاحيات والمقالات الرجعية التي حاولت بالترهيب والتهويل التشويش على مكسب إصلاحي عميق طالما تشوف إليه دعاة الاستقلالية الحقيقة للسلطة القضائية التي لا يمكنها أن تكتمل بشهادة المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان في ظل تبعية رجال الدعوى العمومية لسياسي مكبل بقيود الولاء للحزب والعشيرة.

وإذا فالذين يتشدقون منا أو حسرة على استقلالية النيابة العامة إثر كل إجراء منضبط للشرعية للقانونية مس بمصالحهم الحيوية، ينبغي أن يترسخ في يقينهم أنهم بذلك يسيؤون لاختيارات أمة ومسار وطن. مادام تكريس القضاء كسلطة إنما جاء به دستور 2011،؟في حين أن استقلالية النيابة العامة حسمتها إرادة ملكية سامية تعلو على الحسابات السياسوية الضيقة. وشرعنتها أحكام المحكمة الدستورية النهائية والتي لا تقبل أي طعن.

إن امتشاق خطاب الشعبوية لتبخيس الأحكام القضائية دون إطلاع على وثائق الملف ومستنداته ولا إدراك بمساراته الإجرائية، ولا حتى قراءة لحيثياته وعلله وأسانيده الواقعية والقانونية لا يحمل إلا على استبداد الميل والهوى في إطلاق العنان للسان لإصدار الأحكام في مخالفة بشعة حتى للمرجعية الدينية التي نعلن انتماءنا إليها والتي تحض على تجنب سوء الظن الذي لا يغني عن الحق شيئا وألا يقفو المرء ما ليس له به علم.

ولكنها الحماسة التي تستبد برجل السياسة فتطمس فيه البصيرة، وتجلو ما كان يواريه في السريرة من نزعة قهرية مزمنة كانت تتمنى إدامة الهيمنة الحزبية على السلطة القضائية لاستعمالها ضد الخصوم والأعداء وفرملتها في مواجهة الخلان والأصدقاء.

أما التباكي على غياب المحاسبة عن تنفيذ السياسة الجنائية، فإنه لا يعكس إلا تمردا واضحا على الشرعية كما تبلورت في حكم المحكمة الدستورية.
وللأسف يبدو أن ضعف التنشئة القانونية، وعدم صفاء الطوية لا يشجعان على فتح نقاش علمي مفيد للديمقراطية التي لا تزهر إلا باحترام السلطة القضائية.

ملحوظة ختامية:
كل ما جاء في هذه التدوينة صادر عني كباحث قانوني في صف الدكتوراه ولا علاقة له بصفتي المهنية.

(*) باحث في القانون

تعليقات الزوّار (0)