دافقير يكتب: البام والبيجيدي.. لا تحالف إلا بعد عداوة!

الأربعاء 27 نونبر 2019
يونس دافقير
0 تعليق

AHDATH.INFO

بمجرد الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية في تونس، أعلن حزب «قلب تونس» إغلاق جميع منافذ التحالف بينه وبين حزب النهضة، لكن الحزبين سيؤجلان خلافاتهما حول تشكيل الحكومة ويتحالفا في انتخابات رئيس البرلمان. في النتيجة حصلت «النهضة» على منصب الرئيس و«قلب تونس» على نائبه.

ليست المرة الأولى التي يحصل فيها ذلك، فحزب «نداء تونس» الذي بنى شرعيته على مواجهة «النهضة»، سيتحالف معها في الحكومة، كانت هناك ضرورات السياق الوطني، وكانت هناك أيضا الظروف الذاتية لكل حزب على حدة.

هل نقول والحالة هذه إن الحالة السياسية التونسية هي حالة نموذجية لانهيار القيم السياسية وخيانة الناخبين، حيث يتبادل الحزبيون قذائف العنف اللفظي ثم يعودون إلى التحالف كأن شيئا لم يكن؟ سيكون ذلك صحيحا من وجهة نظر وجدانية عاطفية، لكن علم السياسة لا يشتغل بالعواطف والكليشيهات، بل بالتحليل الملموس للوقائع الملموسة.

وعلى كل حال، لا يحتاج الأمر لاكتشافات جديدة، فمنذ زمن بعيد حسم رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل هذه الأمور التي تبدو للبعض مستحدثة بقوله: «في السياسة ليس هناك عدو دائم أو صديق دائم هناك مصالح دائمة». وغير بعيد عن هذا المنحى كان نابليون بونابارت قد قال: «قلب رجل الدولة يجب أن يكون في رأسه».

أستعيد كل ذلك وأنا أتابع النقاش الجاري هذه الأيام حول الإمكانية المحتملة للتحالف بين حزبي العدالة والتنمية في المغرب وغريمه حزب الأصالة والمعاصرة، لقد أثار هذا المستجد السياسي الكثير من الجدل منذ أن تحالف الحزبان في انتخاب رئيس جهة طنجة تطوان، والكثيرون اعتبروه «صدمة أخلاقية وانهيارا للقيم». وحتى كثير من مناضلي الحزبين دخلا في حالة تيه ذهني وعاطفي وهم يتابعون لوحة سياسية جديدة تتشكل أمامهم دون أن يكونوا قد امتلكوا بعد أدوات قراءتها.

وكأن السياسيين يساعدون أتباعهم ومتتبعيهم على الفهم، وقد رأينا تصريحات سليمان العمراني، نائب أمين عام العدالة والتنمية، وفاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة المجلس الوطني للبام. في المضمر وغير المباشر أو ما يتم تقديمه باحتشام هو أن التحالف بين الحزبين وارد في 2021، ثم سنتابع عبد الله بوانو وعبد اللطيف وهبي وهما يزيدان من توسيع نافذة هذه الإمكانية حتى تصير بابا.

وأكاد أجزم أن الحزبين يفكران وفق منطق هذه المقولة: «عدو عدوي هو صديقي» وهو مثل إنكليزي معناه أن طرفين لهما العدو نفسه، يعتبران أو يتصرفان وكأنهما صديقان. وهذا المعنى في التحالف خلال الصراع عبر عنه المثل العربي «أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب». و«الغريب» في هذه الحالة ليس إلا التجمع الوطني للأحرار الذي يكتسح ببطء المجال الذي ظل يشغله البيجيدي والبام.

منذ أن سطع نجم التجمع الوطني للأحرار والحزبان متوجسان منه: البيجيدي يعتبره خصما جاء لينتزع منه انتخابات 2021، والأصالة والمعاصرة يراه منافسا يستقطب منه أطره ويحتل المكانة التي كان يحتلها قبل الانتخابات، 2016 ولذلك وحتى وإن كان البام والبيجيدي قد ظهرا ذات زمن حزبي وسياسي كأنهما خطان لا يتلقيان، فإن التجمع الوطني للأحرار يكاد يكون ملتقى طرق الحزبين..

وأظن أن الذهاب بعيدا في التحالف بين البام والبيجيدي سيكون رهينا بسلوك التجمع الوطني للأحرار، فإما أن يزيد من تقريب المسافة بين الحزبين ويظهر لهما كتهديد جدي، أو أنه سيتلقى الرسالة، وسيبحث عن تعميق تناقضات هذا التحالف الوشيك، وهو في ذلك قادر على استثمار ما هو جاهز لدى الحزبين: براغماتية الاختيار وعدم الإرتان للعقيدة، لكن دون الإخلال بالتوازنات السياسية العامة.

خارج ذلك، يضعنا السياق الحزبي والسياسي أمام معطيات جديدة، حزب العدالة والتنمية الذي كان تهديدا انتخابيا ولا بد من لجمه لم يعد كذلك، والأصالة والمعاصرة الذي بدا صداميا استئصاليا هو بدوره تغير كثيرا. لننظر فقط إلى بروفايلات قيادات الحزبين منذ أن توارى عبد الإله بن كيران وإلياس العماري إلى الخلف. فحتى وإن لم يكن هناك تقارب فعلى الأقل لم تكن هناك في الآونة الأخيرة صدامات عنيفه باستثناء ما يقع في مجلس الرباط.

وثمة معطى آخر، منذ أن انسحبت الزعامات الصدامية من صدارة المشهد الحزبي، صارت السياسة تميل أكثر فأكثر نحو أن تكون تدبيرية، وحتى هذا التقارب المستجد يمكن تقديمه على أنه تدبيري، لكنه بأفق سياسي مفتوح. وهناك تقدير بأن أجواء الاحتقان الحزبي كانت على حساب التدبير، وأن التناقض الرئيسي هو بين الحقل الحزبي وبين شارع منفلت، وليس بين إيديولوجيات حزبية، هذا على الأقل ما توحي به خطابات الإنقاذ الاجتماعي وإعادة النظر في السياسات العمومية.

وعموما ثمة في التاريخ ما يفيد في توضيح ما نحن بصدده: بالنسبة للاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية كان التجمع الوطني للأحرار حزبا إداريا، خلق لمحاصرة أحزاب الحركة الوطنية ويستحيل التحالف معه، وها نحن نرى كيف تحالفت الأحزاب الثلاثة في حكومات العشرين سنة الأخيرة. لا عجب في ذلك، مياه السياسة قادرة على هدم الكثير من الجدران العازلة.

تعليقات الزوّار (0)