مهرجان مراكش: درس الإنسانية أولا…

الإثنين 2 دجنبر 2019
بقلم: المختار لغزيوي
0 تعليق

AHDATH.INFO

عدنا من مراكش ومهرجانها السينمائي الدولي، في دورته الثامنة عشرة بعد الافتتاح واليومين الأولين لارتباطات مهنية ضرورية، وتركنا في الحمراء جمهورا عاشقا وحقيقيا للفن السابع أصبحت لديه ألفة فعلية مع هذا الموعد السينمائي الرفيع، ولم يعد يتخيل شكل الشهر الأخير من السنة دون السجادة الحمراء التي تتقدم قصر المؤتمرات، ودون التقاط صوره الأثيرة مع نجومه المفضلين، ودون حضور عرض أو اثنين أو ثلاثة لأفلام في غالبها اكتشافات حقيقية لعاشق السينما، وبدايات أولى لأناس يضعون القدم الأولى في مجال الفن السابع العالمي.

لهذا المهرجان اليوم مع هذا البلد، ومع تلك المدينة بالتحديد، قصة لا يمكن أن تخطئها الحواس كلها، والذين قالوا للمغرب في السنة الأولى للمهرجان إنه لن ينجح، وأن بلدا إفريقيا وعربيا ومسلما مثل بلدنا لا يستطيع احتضان موعد فني ثقافي رفيع مثل هذا، تأكدوا أنهم كانوا واهمين، واقتنعوا أن المغرب رأى بداية الألفينات ما لم يره الكثيرون، وما لم يراهن عليه إلا القلائل حينها.

اليوم دول عربية كثيرة تحاول تنظيم مواعد سينمائية شابهة، وبعضها تتوفر له ملايير الدولارات لا تتوفر لبلادنا. ومقارنة مع بعض المواعد السينمائية هاته، مهرجان مراكش هو مهرجان فقير للغاية، لكن غنى وثراء هذا الموعد السينمائي المغربي/ العالمي يمتحان نفسيهما من نقطة أخرى هي نقطة القدرة على الانفتاح.

وفي حكاية الانفتاح هاته لا يمكنك أن تمثل دورا لا تستطيع إتقانه. إما أن تكون رحبا شاسعا منفتحا حقيقيا مثل المغرب، أو تضطر لوضع مساحيق كثيرة عبارة عن مصاريف مبالغ فيها لكي تنال شرعية أنت تعرف أنها ليست لك..

نجوم العالم، سواء كانوا قادمين من أوروبا أو من أمريكا أو من قارات أخرى، والذين يسلمون قياد أنفسهم لمراكش ولسحر مراكش طيلة أيام المهرجان، يفعلون ذلك لأنهم يحسون بصدق هذا الانفتاح، ويعلمون علم اليقين لمجرد المرور مرة واحدة من المغرب أن المسألة مرتبطة بجينات هذا البلد، وأنها قدر هنا منذ قديم القرون والعقود، لذلك يحلو لهم هم أيضا الرهان على هذا المهرجان وتبنيه، وإن لم يكن قادرا أن يعطيهم المبالغ التي قد تعطيها لهم مواعد سينمائية مشابهة في غير ما بلد آخر.

لعله السبب الذي يجعل هؤلاء يعودون كل مرة إلى المغرب، بمناسبة المهرجان أو بدونه، لكي يكتشفوا طبيعة البلد الأولى، لكي يلتقوا لوقت أطول مع هاته الأعين المرحبة التي تسمى عيون المغاربة الملتفين حولهم في كل مكان، ولكي يقولوا شكرا لهذا البلد على كل هاته القدرة على الانفتاح.

وفي زمن مثل الزمن الذي نحيا فيه، والمعروف بسيادة الانغلاق على كل مسامه، وبارتفاع صوت التخندق مع هؤلاء ضد هؤلاء، والاصطفاف مع الآخرين ضد الآخرين، يبدو الدرس الذي يقدمه مهرجان مراكش أكبر بكثير من مجرد درس سينمائي، رغم جودة أغلبية المواد السينمائية المقترحة في الدورة.

يبدو الدرس إنسانيا، وتبدو صرخة عاطفية تخرج بكل هدوء من القلب المغربي لكي تقول للإنسانية إن القدر العاقل لنا هو أن نتعارف مع بعضنا، وأن نشاهد أعمال بعضنا، وأن نلتقي مع بعضنا، وأن نكتشف في نهاية المطاف داخل اختلاف كل واحد منا الشبه الكبير الذي يجمع الإنسان بأخيه الإنسان، بغض النظر عن اختلاف العرق أو الجنس أو الدين أو الانتماء أو بقية الأمور الفردية التي لا يمكن أن نتفق عليها جميعا مهما حاولنا ذلك.

هي ليست كلمات إنشائية لبيع أي شيء لأي كان.

هي اعتراف من كل من تابع المهرجان منذ بداياته، واقتنع أن جسر التواصل هذا أفضل ما يمكن أن يقع لنا جميعا ونحن نحارب الانغلاق الزاحف على كل عالمنا.

وكلما مرت السنوات، واعتقد الطارئون أو المتسرعون أن المهرجان يفقد ألقه، أو تصوروا أنهم تعودوا عليه وأصبح روتينيا بالنسبة لهم، إلا واستطاع درس إنساني جديد من دروس هذا الموعد أن يفاجئ الكل وأن يثبت أن هذا الرهان على الانفتاح، وأن الرهان على الثقافة والفن - وهما عدوان حقيقيان لكل متعصب منغلق - هو رهان ذكي لابد أن يكرهه الأغبياء الذين يروجون للانغلاق والتعصب، ولابد أن يلاقي مقاومة شرسة من طرف الحالمين بإقفال مكان صغير عليهم وعلى عقولهم، وعلى أدوات وحواس فرجتهم لئلا يأتيهم شيء جديد، أو مغاير، أو مختلف يفاجئهم حد الصدمة ويخلخل اليقينيات الزائفة التي يتسلحون بها خوفا من مواجهة المتغيرات...

نقتنع بها العام بعد الآخر: هذا الموعد لم يعد موعدا للسينما فحسب. هو لحظة التقاء إنسانية سيكون لها الكثير من الفضل على الكثير من الأشياء اليوم وغدا وفي قادم الأيام.

نراهن على ذلك، ونؤمن به ونقول إن من يحب الحياة لا يكتفي فقط بالذهاب إلى السينما، لكنه يذهب دوما وأبدا إلى مهرجان مراكش ولو ليوم واحد أو اثنين، وذلك أضعف الإيمان...

تعليقات الزوّار (0)